العدد : ١٤٨٧٦ - السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٦ - السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

أمن مضيق باب المندب.. نحو تأسيس منظومة أمنية لدول القرن الإفريقي

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:15

لا يعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم -والذي يشهد مرور حوالي 4.8 ملايين برميل من النفط يوميا بما يمثل 33% من احتياجات العالم من الطاقة؛ إذ يشهد ذلك المضيق مرور 120 سفينة يوميا- فحسب بل يرتبط ذلك المضيق بالأمن القومي لعديد من الأطراف الإقليمية والدولية بشكل مباشر، ما يجعل من حتمية تأمين الملاحة فيه ضرورة استراتيجية، وخاصة في ضوء مستجدات ثلاثة أساسية؛ أولا: في الوقت الذي تزداد أهمية المضيق نجد أنه تحيط به دول غير قادرة على تأمين حدودها البحرية بشكل كاف لأسباب عديدة ما يجعلها عرضة لمخاطر القرصنة وعبور الجماعات الإرهابية، وثانيا: التطورات التي يشهدها النطاق الجغرافي المحيط بالمضيق حيث أضحى الصراع سمة أساسية لتلك التطورات، إذ أصبح القرن الإفريقي مسرحًا لوجود عشر قواعد عسكرية لأطراف إقليمية ودولية، وإذا نظرنا إلى ذلك الوجود من منظور حماية المصالح الحيوية للأطراف المعنية كنموذج يلتقي فيه الأمن الإقليمي مع نظيره العالمي فإن ذلك لا ينفي التنافس والصراع في تلك المنطقة بما يجعل دولها عرضة للاستقطاب، وخاصة مع سعي أطراف دولية إلى تعزيز وجودها في دول القارة الإفريقية عامة ومنطقة القرن الإفريقي خاصة، وثالثا: وجود سوابق تؤكد أن الملاحة في مضيق باب المندب لم تعد آمنة ومن ذلك استهداف ناقلات النفط في مضيق باب المندب حيث استهدف الحوثيون ناقلات النفط السعودية في شهري أبريل ويوليو من العام الحالي بما يؤكد أن أمن الطاقة والملاحة البحرية عمومًا في ذلك المضيق قد أصبحت في مرمى الخطر.

ومع أن أمن الملاحة في مضيق باب المندب لا تزال مسؤولية عدد من الأطراف الإقليمية والدولية فإن التساؤل الأهم هو: هل تكفي الجهود الحالية للحفاظ على أمن ذلك المضيق أم أن هناك حاجة لصيغة جديدة لأمن ذلك المضيق؟ وأتصور أن الإجابة على ذلك التساؤل تقتضي تحديد مسألتين أساسيتين؛ الأولى: ما الأطراف المعنية بالحفاظ على أمن الملاحة في باب المندب سواء كانت دولا أو منظمات؟ والثانية: ما الأهداف المنشودة من ذلك التعاون؟ وعلى نحو أكثر دقة ما الصيغ المناسبة للحفاظ على أمن ذلك المضيق؟ فعلى صعيد الأطراف المسؤولة فإنه تقع في القلب منها الدول التي يرتبط أمنها القومي بشكل مباشر بتأمين الملاحة في ذلك المضيق، ما يعني أنه لا بد من تجاوز النظرة الجغرافية الضيقة لتعريف المضيق من خلال الدول المطلة على ضفتيه فحسب؛ إذ إنه أحد أضلاع مثلث استراتيجي يضم كلا من باب المندب وهرمز وقناة السويس، ما يفسر إعلان مصر إرسال قطع بحرية لتأمين الملاحة في المضيق في أعقاب الانقلاب الحوثي في عام 2014، وضمن هذا الإطار قال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي: «إن حماية مضيق باب المندب أولوية قصوى من أولويات الأمن القومي المصري» وهو المعنى ذاته الذي أشار إليه قائد القوات البحرية المصرية بالقول: «إن مصر تتابع الموقف في اليمن بشكل يومي، وإن أي خطورة على الأمن القومي المصري سوف يتم التعامل معها طبقًا للموقف» كما يرتبط الأمن في تلك المنطقة بأمن الخليج العربي على نحو جيواستراتيجي تلك الجهود التي تتكامل مع جهود الأطراف الدولية ذات العلاقة سواء كانت دولاً أو منظمات، ومنها الاتحاد الأوروبي الذي يمر ثلثا تجارة دوله عبر ذلك المضيق، وفي رأيي فإن آليات الحفاظ على الملاحة في المضيق تتمثل في التفكير بتأسيس آلية أمنية مشتركة بين الدول المعنية بأمن المضيق على أن تتكامل تلك القوة مع الآليات الإقليمية القائمة بالفعل ومنها القوة البحرية الخليجية 81. صحيح أن هناك قوات دولية تعمل على مدار الساعة لتأمين الملاحة ولكن المشكلة تكمن في أن السفن التي تعمل من خلالها تلك القوات ومن بينها سفن تابعة لحلف الناتو من خلال المشاركة ضمن القوات الدولية لمكافحة القرصنة منذ عام 2008 وحتى الآن ربما تكون بطيئة الحركة مقارنة بالزوارق التي تستخدمها الجماعات الإرهابية، وربما يكون من المفيد أن تكون تلك الآلية ضمن تصور لدول القرن الإفريقي بتأسيس منتدى للأمن والتعاون لمنطقة القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر على غرار رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي، والتي تم تأسيسها في عام 1997، وتتضمن أطرًا عديدة ومجالات للتعاون فيما بين دولها ويجمعها أمر مهم وهو أمن المحيط الهندي، حيث إن وجود آلية مماثلة لدول القرن الإفريقي من شأنه التصدي لثلاثة تحديات في آن واحد وهي إدارة الصراع والتنافس في تلك المنطقة الحيوية من العالم سواء الإقليمي- الإقليمي أو الصراع بين القوى الكبرى ذاتها، في ظل وجود تداخل كبير بين دوائر الأمن في هذه المنطقة فأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، كما ترتبط تلك المنطقة ارتباطا وثيقا بأمن الخليج العربي والأخير بدوره جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري؛ إذ إن وجود إطار إقليمي به تعهدات والتزامات متبادلة بين أطراف تلك المنظومة من شأنه الحد من التدخلات الخارجية في تلك المنطقة، وتحديد أولويات تلك الدول في الوقت الراهن على الصعيدين التنموي والأمني، والحد من تأثير الأزمات الإقليمية على أمن مضيق باب المندب والقرن الإفريقي عمومًا.

وربما يكون من المفيد بدء حوار استراتيجي بين دول القرن الإفريقي والدول المعنية بأمن تلك المنطقة من أجل صياغة إطار للتعاون الأمني فيما بينها في ظل تنامي الحضور الإقليمي والدولي في محيط ذلك الممر البحري الاستراتيجي الذي يقع ضمن محيط إقليمي لا يزال بالغ  الاضطراب. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

 بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news