العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

(تأملات في آيات القرآن الكريم)

بقلم: د. محمد عطا مدني

الجمعة ٠٩ نوفمبر ٢٠١٨ - 11:33

التوجيهات العقلية غير المباشرة في القرآن الكريم (21)

(استخدام الأساليب الرمزية)


 

تحدثنا في المقال السابق عن الصور العقلية وعرفنا أنها ضرب من الرموز التي تقرب لإدراك الإنسان المحدود، صورة غير المحدود، وترسم النموذج المصغر الذي يتأمله الحس حين يقصر عن تملي الأصل حين يعجز العقل عن تتبع مداه وآفاقه المترامية وراء الإدراك البشري الحسير.

وهذا يعنى أن الإنسان لا يصل إلى إدراك منتهى بعض المعاني لما فيها من نواح رمزية، إلا أن يحاول الاجتهاد بجماع عقله وقلبه، ليكتشف ما وراء الكلمات والأسطر من رموز ومعان موحية. وإذا انتقلنا من الآية التي يفيض منها النور الهادئ المضيء الذي يغمر الكون كله فيجعله يسبح في فيض النور الباهر لأربع آيات فقط في السورة نفسها، فإذا بنا نفاجأ بصورة عقلية أخرى على النقيض من السابقة تماما، سراب خادع، وظمأ شديد، وظلام دامس يغشى كل شيء، على السطح وفي الأعماق السحيقة، صورة قاتمة مظلمة سوداء حالكة السواد، توضح حال المشركين يوم القيامة حيث لا أمل إلا نور الله.

يقول المولى جل وعلا: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إذا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أو كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (النور 39-40) 

وتنقسم هذه الصورة المرعبة إلى مشهدين يشيب من هولهما الولدان، نرى في المشهد الأول وقد شبهت أعمال الكافرين بالسراب الذي يظهر في أرض مكشوفة مبسوطة، وهو يلمع لمعانا كاذبا كأنه الماء، فيتبعه الظمآن ليروي عطشه، وفجأة يتحرك المشهد حركة عنيفة، فالسائر وراء السراب، عندما يصل إليه لا يجد ماء يرويه، إنما يجد المفاجأة المذهلة التي لم تخطر له على بال، المفاجأة المرعبة التي تقطع الأوصال وتورث الخبال (وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ) الله الذي كفر به وجحده، (فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) وهكذا في سرعة عاجلة تتسق مع البغتة والفجاءة.

 وفي المشهد الثاني من الصورة نرى موقف الكافر يوم القيامة، وقد أطبقت الظلمة عليه، وهي ليست ظلمة واحدة، أو طبقة واحدة من الظلمة، بل هي طبقات من الظلمات (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) فهناك ظلمة الموج الأول الذي يغطي الكافر في البحر المتلاطم الأمواج، ثم ظلمة الموج الثاني، ثم ظلمة السحاب الذي أطبق على البحر اللجي المضطرب الأمواج، حتى أن الكافر (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) والإشارة إلى اليد في تلك الصورة ترمز - في اعتقادي - إلى شيئين:

أولهما: المعنى القريب وهو اشتداد الظلمة وحلكتها لدرجة أن الكافر لا يستطيع رؤية يده وهي من أقرب الأشياء إليه.

ثانيهما: أنها تذكر الكافر بأنه لم يعمل في دنياه ما يستحق الرحمة، وأن هذه الحالة - التي هو عليها- هي نتيجة كفره بالله، فإن الإشارة إلى اليد تعبر عن ندم الإنسان وتحسره على ما فاته من عمل صالح، كان من الممكن أن يجنبه مثل هذا المشهد المرعب الذي لا يتحمله بشر.

لقد جاءت الآيتان في سورة واحدة، آية النور - وآية الظلمات إن جاز لنا التعبير - وبينهما قرب شديد، وقد تكون هنالك حكمة إلهية من وراء ذلك، فهناك مبدأ فني يقول - ولله المثل الأعلى- أن اللون الأبيض يرى في أحسن حالاته بياضا ونصوعا بجوار اللون الأسود وكذلك العكس، أو يعرف الشيء بنقيضه، وهي العملية التي يطلق عليها (التباينContrast )، وقياسا على ذلك فالنور لا يرى بشدة إلا في الظلام الشديد، كما أن الظلمة الحالكة لا تدرك إلا من خلال معرفة وإدراك النور. ولا شك أن وجود الآيتين معا في سورة واحدة، قد أظهر جلال النور وإشراقه وفيضه، كما ضخم من هول الظلمات يوم القيامة، وأصبح الأثر أقوى مما لو جاءت كل آية بمفردها، كل في سورة منفصلة بذاتها. وبذلك أصبح المغزى من وراء هذا الرمز (حالة المؤمن وحالة الكافر) واضحا جليا أمام العقول والإفهام لكي يدرك الكافر ذلك، فيفيء إلى الله سبحانه وتعالى، ويتبين المؤمن جلال النور أكثر وأكثر، فيزداد إيمانا على إيمان، وتختتم الآية الكريمة بنصيحة مهمة يجب وضعها في حدقات العيون: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ).

وننتقل إلى صورة عقلية ثالثة، تقدم لنا تصويرا فريدا ساخرا من حال الكفار وفزعهم من الدين الجديد، يقول المولى سبحانه وتعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (المدثر 49-51)، وهذه الآية من سورة المدثر من أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم والدعوة مازالت في بدايتها، والصراع على أشده بين المسلمين وهم قلة، وبين الكفار وهم كثرة، وإذا تأملنا السؤال الاستنكاري المطروح في هذه الصورة (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ)، نجد أن لفظ (التَّذْكِرَةِ) يوحى للسامع أن ما يدعوهم الدين الجديد إليه ليس شيئا جديدا عليهم، وإنما هو موجود في وجدانهم وفى فطرتهم، ذلك لأن الله جل وعلا جعل وجوده فطرة جبل عليها جميع الخلق، وذلك في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (الأعراف 172)، فلماذا الإعراض عما جبلوا عليه؟ هل يكون الكبر؟ أو الخوف من فقد السيادة؟ أو رفض الإذعان لمن هم أقل منهم ثروة وسلطانا؟ أم كل هذه الأسباب مجتمعة؟ وتوضح الصورة كيفية فرارهم غير المنتظمة (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ).!! أي أنهم فروا متفرقين كل في اتجاه، كما يحدث إذا رأت الحمر أسدا فجأة، فيقفر كل منهم فارا في اتجاه مغاير للآخر خوفا من الأسد. بمعنى أن فرارهم له أسباب متعددة تختلف من فرد إلى آخر لعدم إجماعهم على رأى واحد. أما مصدر الخطر وسبب الفرار فيمثله الأسد أو (القسورة)، وهو يرمز إلى الدين الجديد أو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

إن هذا التصوير البديع يحمل في ثناياه كثيرا من الرموز التي برعت فيها لغة القرآن الكريم، ففي هذه الصورة الرمزية يبدو إعجاز لغة القرآن الكريم في إظهار كمال الدقة في مطابقة الرمز الفني للواقع الحقيقي، يقول الدكتور عبدالحليم حنفي في وصف هذه الصورة: إن الشخص الداعي الذي تصوروه خطرا عليهم وعلى سلطانهم وتقاليدهم ودياناتهم، وهو النبي الجديد صلى الله عليه وسلم، ترمز إليه الصورة بمقدار الخطر، وهو (القسورة) ونفور المشركين من دعوته ترمز إليه الصورة الفنية بفرار الحمر الوحشية كل في اتجاه عندما تشعر بالخطر، وبينما تحركت الصورة حركة فجائية وهى تصف فرار الحمر الوحشية، ثبتت صورة (القسورة) تماما ولم تتحرك، ما يعنى تمسكها الشديد بالمبدأ الذى جاءت من أجله، كما أن عدم استخدام العقل في التأمل والحوار ترمز إليه الصورة بغباء الحمار وقلة تصرفه إلا فيما تعلمه من صاحبه. فهذه العناصر الثلاثة: الداعي إلى الإيمان، وإعراض المدعوين، وعدم التأمل العقلي، كلها معالم الصورة الواقعية، وهى في الوقت نفسه كل معالم الصورة الفنية، في طابع رمزي تشبيهي. ولقد أفادت هذه الصورة الرمزية الرائعة المسلمين كثيرا وهم في بداية الدعوة، فهي من ناحية سخرت من السادة الذين شكلوا العقبة أمام الدين الجديد، وذلك بتكرار قراءة المسلمين الأوائل للآية الكريمة وترديدها كثيرا على مسامع الكفار، ومن ناحية ثانية، أعطت الثقة والاطمئنان للمسلمين وهم قلة، كما زرعت فيهم الشعور بالتفوق على أعدائهم لأنهم استطاعوا السخرية منهم بلسان الآية الكريمة التي تجلت في هذه الصورة الرمزية الرائعة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news