العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

التاريخ.. عمر!!

بقلم: عاطف الصبيحي 

الجمعة ٠٩ نوفمبر ٢٠١٨ - 11:26

 

يضطرب الفكر.. يرتعش القلم.. ترتجف الأيدي.. وتصطرع الأفكار يُقصي بعضها بعضًا حين أشرع في الكتابة عن طور من أطوار التاريخ بل هو حقبة تاريخية مستقلة، تحمل بصماته وتفوح بعطره وارتوت بدموعه ممهورة بتوقيعه وتوقيعه فقط.. من بين المراجع العديدة التي تسنى لي قراءتها عن هذا الإنسان غير العادي.. عن هذا التاريخ النافذ إلى الحاضر بعنفوان كعنفوانه، المتجمل بطيب عدله، المتنعم بفائض عاطفته، لم أجد أكثر من العقاد دقة في تشريح تلك الفترة التي تخلقت من رحم الفكر العمري ووجدان عمر فرحمة الله على العقاد حين قال، وما أوجز وأكثف ما قال: إن تاريخ عمر وتاريخ الدولة الإسلامية لا يفترقان فإذا بدأت بهذا فقد بدأت بفصل من تاريخ ذلك، ولن يطول بك الاستطراد حتى تؤوب إليه مرة أُخرى.

أصل العشق المتمكن مني لهذا الشخص الفريد في زمانه والحاضر في يومنا يعود للملكات العقلية التي يتوافر عليها والثقافة الموسوعية التي يتمتع بها والتي لا تعترف بزمن وتعادي الجغرافيا، وهذا القول مُبرأ من المبالغة، فهو رأي مؤسس ومستخلص من كثرة كاثرة من آراء علماء ومثقفين من شتى الأصول والمنابت، قديمًا وحديثًا، مسيحيين عرب وأعاجم، مسلمين سنة وبعض من الشيعة، وجميعهم يجمعهم قاسم مشترك واحد هو أن شخصية الرجل هي التي ألهمتهم ما كتبوا، وكأني بهم جميعًا يشرحون قول سيدي رسول الله «لو كان نبي بعدي لكان عمر لم أر عبقريًا يفري فريه».

قول المصطفى عليه السلام مصداقيته في سيرة ابن الخطاب حيث لا يكاد يخلو جانب من جوانب الحياة إلا وله رأي فيه، نتداوله ونستشهد به حتى يومنا هذا، والعقاد خير من رصد تلك الجوانب المتفرقة ونظريته في هذا الجانب أو ذاك، فلا يملك المُنصف إلا التوقير والإعجاب بملكات هذا الرجل الفكرية إعجاب لا تشوبه شائبة، ولعل من المناسب أن نورد قبس من أقوال فلاسفة الغرب ومثقفيه بهذه القامة التي عقم التاريخ أن يكررها، واشنطن ايرفنك في كتابه «محمد وخلفاؤه» إن حياة عمر من أولها إلى آخرها تدل على أنه كان رجلاً ذا مواهب عقلية عظيمة وكان شديد التمسك بالاستقامة والعدالة وهو الذي وضع أساس الدولة الإسلامية ونفذ رغبات محمد...» وصاحب كتاب «أعظم عظماء التاريخ» مايكل هارت يقول: «إن مآثر عمر مؤثرة حقًا فقد كان شخصية رئيسية في انتشار الإسلام».

ما بين الدرة درة الحق ودمعة الرحمة التي تركت أثرها في وجهه، والاعتراف لعجوز بالحق وهو على المنبر، والقسوة على الذات، واستعارته لثوب ابنه ليكمل ثوبه، وخطابه لبطنه عام الرمادة حين كان يقرقع يتوسله الطعام فيرده بقسوة قاسمًا عليه - والله لن تأتدم السمن حتى يخصب المسلمون - قامت الدولة، دولة ترامت أطرافها استهلكته في نهاره وليله، حتى أنه دعا ربه أن يقبضه إليه رهبة وخيفة من عدم القيام بأعباء الدولة الآخذة بالاتساع، فاستجاب له ربه، فرماه أبو لؤلؤة بطعنة نجلاء. 

العباقرة لا يولدون بالجملة، والزعماء كذلك إنهم كملح الطعام نادرون لكنهم مؤثرون وأثرهم وتأثيرهم يمتد إلى قرون وأبو حفص نموذج ساطع للزعيم الفطري فهو ينتسب لقبيلة مهمتها السفارة بين القبائل، فشخصيته تختزن مهمة الزعامة منذ نعومة أظفاره، وتفرده بكثير من الصفات الجسمية والنفسية والفكرية، تلك الصفات المرغوبة لأي صاحب دعوة جديدة أن يظفر بتلك الشخصية إلى جانبه ما دعا رسول الله عليه السلام أن يبتهل لربه بأن يعز الإسلام بأحد العمرين ، فكان ابن الخطاب اختيارًا إلهيًا بلا شك.

بداية غير طبيعية مذهلة مثيرة للإعجاب استهل بها عمر إسلامه، فيأبى إلا الظهور والإعلان عن إسلامه لأن مروءته أبت عليه أن يخشى أبا جهل وأبا سفيان ويُداري ابن المغيرة، فصدعهم بخبر انضمامه إلى دعوة الهاشمي محمد بن عبدالله، فكانت اللغة الحركية والتصارع الجسدي هي سيدة الموقف بين عمر وبقية القوم، ولأن كبرياءه أصيلاً وليس طارئًا رفض جوار خاله له ليوقف القتال بين الطرفين فرد عليه «بأن جوارك مردود عليك» وما هجرته وطريقته فيها إلا صدى لموفور الكرامة العامرة والمتمكنة من نفسه رضي الله عنه وأرضاه، أما الحديبية وفقدانه السيطرة على نفسه لأن هناك شيئًا مسّ عصب الكرامة والكبرياء عنده، فثار وسأل وغضب واستنكر وتمرد،لأن الرجال العظماء عندما يُمسون في أخص خصائصهم فإنهم يعجزون عن مغالبة الحدة التي تظهر عليهم، حتى أوشك أن يُغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه هي باختصار طبائع العظماء، مهمتهم صِبغ العصر بصبغتهم الخاصة، ونثرها لتصبغ كثيرا من المستقبل معها، هكذا هم أصحاب الرؤى التي تستلف المستقبل وكأنه حاضر وهؤلاء هم الذين أنكروا الذات بالمعنى الحرفي والقاسي لإنكار الذات، حتى أعرضت عن الزواج به بعض النساء ، وقالت أم أبان بنت عتبة مُبررة رفضها الاقتران بالفاروق «إنه رجل أذهله أمر آخرته عن أمر دنياه كأنه ينظر إلى ربه بعينه» ورفضته أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق مُعللة ذلك بخشونة عيشه.

صاحت وناحت أم أيمن مرضعة الرسول يوم أُصيب عمر، وبفلسفة فطرية موجزة غاية الإيجاز قالت «اليوم وَهَى الإسلام» والتاريخ صادق ووافق قولك يا أم أيمن، ثلاث كلمات حملت بين أحشائها تاريخ الرجل وإنجازاته وتمكنه من قلوب الرعية، قلوب ألفته صِدقًا، وبكته دمعًا لا تكلف فيه ولا رياء، وابن مسعود يُثني على كلام أم أيمن قائلاً «والله إني لأحسب العضاة وجدت فقدَ عمر» والعضاة شجر شوكي صحراوي، العضاة تشارك الأحياء من الناس وجدهم وحزنهم لفقد التاريخ والدولة بالمعنى الدقيق للدولة الأخلاقية، دولة قائدها لا يتساهل مع جلوس الوالي متكئًا، فها هو عمر يُكاتب ابن العاص في مصر بكتاب موجز وصارم «وقع لي أنك تتكئ في مجلسك، فإذا جلست فكن كسائر الناس ولا تتكئ» عبارة حري بعلماء النفس السياسي أن يدرسوها.

المغيرة بن شعبة يقول: «والله ما رأيت عمر مستخليًا بأحد إلا رحمته كائنًا من كان هذا الرجل». صرامة بالحق تخلو من الظلم والتعسف ويقابلها صدوع للحق عز نظيره على امتداد التاريخ السياسي والاجتماعي للبشرية، وشفافية أنبتت الأمن والطمأنينة في نفوس الرعايا حتى في أدق الظروف النفسية وأصعبها وأكثرها خصوصية، فلما صادف عمر أبا مريم السلولي قاتل أخيه قاله له بلا مواربة: والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم المسفوح فقال له أبو مريم: أتمنعني لذلك حقًا، قال: لا فرد عليه أبو مريم لا ضير إنما يأسى على الحب النساء. في كلام عمر نفي تام للذات ورد أبي مريم فيه من الغِلظة ما فيه، وما كان ذلك ليكون لولا أن السلولي كان مطمئنًا إلى عدله والتزامه الصارم للحق، وعلى علم تام بالقاعدة العمرية في الحكم القائلة «الأمر لا يصلحه إلا لين في غير ضعف وشدة في غير عنف»

على ضفاف النص:

الحديث عنك سيدي.. والله.. يوقظ شغفًا مُعتقًا في المُهج والأرواح ويزيدنا عطشًا على ظمئنا، وتخرج الكلمات مرتجفة عشقًا، مُثقلة حنينًا عسيرًا على التجاوز والطي، فيتسرب الحزن خِلسة إلى الأوردة فيُقيم هناك لا يبرح، فأصبحنا بعدك سيدي كتلا بشرية صماء، سيدي الأعز الأجل بعد سيدي أبي القاسم لا أجد ما أختم به إلا بيتا من الشعر وأنت سيد من فهم الشعر وحث على تعلمه 

بباطن الأحشاء نار لو بدت جمراتها ما طاقها الثقلان 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news