العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الرقابة الذاتية في السنة النبوية

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٠٩ نوفمبر ٢٠١٨ - 11:22

- يحتاج صاحب العمل إلى مراقبين دائمين للعاملين حتى يضمن قيامهم بالمهام الموكلة إليهم بالمواصفات المطلوبة مع الحفاظ على المواد والآلات والأدوات، وإن غاب المراقب وجدها العمال فرصة لإتمام المطلوب خارج المواصفات المطلوبة وتكون النتيجة رداءة المنتج وحدوث عديد من المشكلات مع المستفيدين من المنتج وقد يؤدي ذلك إلى خسائر فادحة في الأنفس والأرواح والأموال.

- ويعاني الآباء والمعلمون من السلوكيات الهابطة التي يأتي بها الابن والطالب في غياب الرقابة.

- ونحن نعاني مع العمال والخدم والمخالفات التي يحدثونها في غياب الرقابة ما ألجأ البعض إلى تركيب كاميرات تراقب سلوكهم الدائم، لذلك عمد المصطفى (صلى الله عليه وسلم) إلى تربية النشء على الرقابة الذاتية وتقوى الله تعالى في كل زمان ومكان، قال ابن عباس رضي الله عنه، كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: (يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح). وفي رواية: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا) (رواه أحمد والحكم).

- وفي هذا الحديث تربية للمسلم على المراقبة الدائمة لله، والطاعة الدائمة لله، والثقة الدائمة بالله، والاعتصام الدائم بالله، والصبر على العمل الصالح وعلى النوائب والحوادث الحياتية والرضا بما كتبه الله تعالى من الرزق وسعة العيش.

- وعندما يتربى المسلم على مراقبة الله تعالى رقابة ذاتية في السر والعلن، والصحة والمرض، والغنى والفقر، وفي بلده وبين من يعرفونه، وفي خارج بلاده وحيدًا أو مع مجموعة من الناس أو في مكان مراقب بالكاميرات أو مكان بعيد عن الكاميرات وبهذه المراقبة يتحول سلوكه إلى الانضباط الذاتي بضوابط الشرع الحنيف، وبذلك يصبح المسلم أسوة حسنة وقدوة طيبة وصورة مشرفة في كل زمان ومكان، ويصبح قرآنًا يمشي على الأرض ومثالاً يحتذى، ويقتدى به، ويشار إلى سلوكه بالبنان، وقد طبق عمر بن عبدالعزيز مبدأ اختيار الشخصيات ذات الرقابة الذاتية، فقد رأى ابن مهاجر الأنصاري وقال له: (والله إنك تعلم أنه ما بيني وبينك قرابة إلا قرابة الإسلام، ولكن سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تصلي في موضع تظن ألا يراك أحد، فرأيتك تحسن الصلاة وأنت رجل من الأنصار، خذ هذا السيف وليتك حرسي) (أورده ابن الجوزي في سيرة ومناقب عمر بن عبدالعزيز رحمه الله).

وقد فتح التجار المسلمون بلاد شرق آسيا كلها، وملكوا قلوب الناس بخلقهم الحسن ومراقبة الله تعالى الدائمة في كل زمان ومكان، وحفظهم الله وتطبيق شرع الله في المعاملات الإنسانية والتجارية.

- وقد بدأت معجزة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه بقصة جده عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأم عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه فقد كان عمر ابن الخطاب يطوف بالليل يتفقد الرعية، وفي ليلة كان معه غلامه أسلم وقد استندا إلى جدار بيت فسمع عمر أعرابية من الداخل تخاطب ابنتها قائلة، يا بنيتي قد أصبحنا فقومي إلى اللبن فأمذقيه بالماء (أي اخلطيه بالماء)، واذهبي به إلى السوق، فقالت لها الابنة: أو ما علمت يا أماه بما كان من عزمة عمر أمير المؤمنين اليوم؟ قالت الأم: وماذا كان من عزمة أمير المؤمنين؟ قالت الفتاة: لقد أمر مناديه فنادى في الناس ألاَّ يخلط اللبن بالماء قالت الأم: قومي يا ابنتي فامذقي اللبن بالماء، فإنك في موضع لا يراك فيه عمر، ولا منادي عمر، فردت البنت على أمها غاضبة: يا أماه والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء، وإن كان عمر لا يرى، فإن رب عمر يرى، والله ما كنت لأفعل وقد نهى الخليفة.

- سمع عمر بن الخطاب هذا الحوار الذي ملأ نفسه إعجابًا بهذه الفتاة المسلمة البرَّة التقية، وسأل عنها فإذا هي جارية من هلال، فزوجها ابنه عاصمًا، وتمضي الأيام وتنجب الأم لعاصم فتاة يتزوجها والد عمر بن عبدالعزيز فتنجب له عمر بن عبدالعزيز، وكانت زوجة صالحة برة تقية جمعت بين أخلاق أبيها وأمها. (سيرة ومناقب عمر بن عبدالعزيز، ابن الجوزي مرجع سابق). وهكذا تفعل المراقبة الذاتية والتربية عليها فعلها في شخصية المسلم فتجعله أنموذجًا يحتذى للمتقين والمصلحين ولشباب المسلمين وغير المسلمين.

- وعندما نؤكد تربية أجيالنا على المراقبة الذاتية في حياتهم فلم نجد من يغش في الاختبارات المدرسية والجامعية، أو يلفق النتائج في البحث العلمي، ويندر أن يغش المهندس في خلطة المباني وخاماته، ولن نجد من لا يخلص في العمل من دون رقابة أو كاميرات، وما المباني التي تسقط على رؤوس السكان إلا نتيجة لغياب الخوف من الله، وما نراه من الانهيار في الطرق المعبدة حديثا إلا نتيجة للغش وعدم مراقبة الله في إعداد الطرق.

- وما نراه من إعادة كتابة بيانات الصلاحية للمواد الغذائية والأدوية إلا نتيجة لغياب الخوف من الله والمراقبة الذاتية النابعة من التربية، تلك التربية التي منعت البنت من خلط اللبن بالماء وتخويف أمها بمراقبة لله تعالى.

- إن القاعدة النبوية الشريفة في المراقبة الذاتية قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) (رواه الترمذي وهو حسن صحيح).

- وهذا الهدي النبوي يعلم المسلم تقوى الله حيثما كان وذلك بفعل أمره واجتناب نواهيه سواء في العلانية أو السر. (بناء الشخصية الإسلامية في السيرة النبوية، نظمي خليل أبو العطا موسى، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة: مصر (ط1) (ص 135) (2013م).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news