العدد : ١٤٨٤٥ - الأربعاء ١٤ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٥ - الأربعاء ١٤ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

3 شخوص شاخصة في الذاكرة (3)

في المرحلة الثانوية، أسعدنا الحظ بتلقي معظم المواد الأكاديمية على أيدي مدرسين أفذاذ منهم من صار من أشهر المؤرخين في السودان، ومنهم من انتقل إلى التدريس في الجامعات ونال رتبة بروفيسور عن استحقاق، ومنهم من صار سفيرا ذا خمس نجوم، ولكن المدرس الذي ترك في نفسي أثرا جميلا خالدا ما بقيت ذاكرتي حية هو عمر حسن مدثر، وكان معروفا في عموم السودان باسم عمر ماث، والكلمة الأخيرة اختصار للمفردة الإنجليزية ماثيماتِكس وتعني علم الرياضيات

نال أستاذي عمر ذلك اللقب لأنه كان عبقريا في علم الرياضيات، بدليل أنه كان يطلع على أجعص مسألة في الحساب أو الجبر أو الهندسة، ثم يسكت لثوان معدودة ويأتي بالحل، ويعكف الطلاب على تلك المسألة وقتا طويلا ليثبتوا ولو مرة واحدة أنه على خطأ، ثم يكتشفوا أنه أتى بالحل الصحيح. 

الغريب في الأمر هو أنني، وكما اعترفت في العديد من مقالاتي، كنت أتمتع بمناعة ضد الأرقام، وحصانة تامة من علم الجبر على وجه التحديد، وبالتالي قد يبدو غريبا أن أكون شديد الإعجاب بمعلم لم استفد من علمه ولو القليل.

ورغم إدراكه استحالة تطبيع العلاقات بيني وبين الرياضيات، كان عمر ماث يطلب مني بين الحين والآخر أن أحل مسألة على السبورة، وأنا أقف أمام زملائي الطلاب، وكنت أقف بكل بجاحة ووقاحة أكتب على السبورة أرقاما كيفما اتفق، فيصيح عمر ماث: حرام عليك.. كفاية، وينفجر زملائي ضاحكين فيقول لهم: الزول دا ما عنده أي مستقبل؛ ولن يفلح حتى بائعا في بقالة، ولو عثر- لا قدر الله على وظيفة- فيها التزامات مالية، فسيدخل السجن بتهمة الاختلاس أو تبديد الأموال رغم أنه لن يكون قد فعلها.

وبالتالي لم يسبب لي ضعفي في مادة الرياضيات أي عقدة نفسية أو أكاديمية، بل عندما أتانا مدرس رياضيات آخر ونحن في الصف الثالث، أبلغه زملائي بأن «العتب مرفوع عني» في مادة الرياضيات، فسألهم ماذا يقصدون بذلك، فقلت له: القاعدة هي عدم توجيه أي سؤال لي في حصة الرياضيات، وعدم مساءلتي عن عدم حل الواجبات المتعلقة بكل فروع الرياضيات، فقال لي إن واجبه يملي عليه ان يُلزم كل طالب بحل الواجبات المدرسية، فكان ردي: وواجبي أن أبلغك بكل أمانة أنني سأكلف آخرين بحل المسائل الرياضية نيابة عني، فقال معلمي: خلاص اتفقنا.

كنا في المدرسة الثانوية نقيم في مسكن مجاني ملحق بالمدرسة (يسمى في السودان «داخلية»)، تحمل اسم أبو قرجة، وهو محارب سوداني عظيم الشأن استبسل في الحرب ضد الاستعمار التركي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وصولا إلى طرد الاتراك من البلاد، وكان عمر ماث هو المشرف على ذلك المسكن، بحسب النظام الإنجليزي الذي يجعل منه مسؤولا عن السلوك والانضباط والهجوع ليلا والنشاط الرياضي، ومنح الأذن بمغادرة المدرسة في عطلات نهاية الأسبوع، وكان طلاب الداخليات الأخرى يحسدوننا نحن أهل أبو قرجة لإدراكهم أننا ننعم بصحبته وروحه الحلوة المرحة وقفشاته الذكية، كلما زارنا لتفقد أحوالنا ونشأت من ثم علاقة اجتماعية بيننا وبينه.

(ونحن في السنة النهائية نستعد لامتحانات الشهادة الثانوية عبورا إلى الجامعة كنا «شايلين هم» الاختلاط بالبنات في الجامعة وسألناه عن تجربته في هذا الصدد فقال: ما عندي فكرة عن هذا الموضوع لأنه كانت معنا بنت واحدة عندها شنب (شارب) ولما وصلنا السنة النهائية صار عندها ذقن).

ورغم أنه كان يائسا من حالي في مادة الرياضيات، إلا أنه كان يقول لي إنه سعيد لأن مستواي معقول في المواد الأخرى، ولكنه كاد يفتك بي عندما عرف أنني دخلت مجال التدريس بعد نيل الشهادة الجامعية، وقال لي: أحلق شنبي لو استمريت مدرس.

وصدقت توقعاته، فقد هجرت التدريس بعد قضاء نحو سبع سنوات فيه، وحرصت على مقابلته لأبلغه أنني دخلت مجال التلفزيون فقال: حلو، وأنا أصلا بحلق شنبي حدادا على المدة التي قضيتها في التدريس.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news