العدد : ١٤٨٤٥ - الأربعاء ١٤ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٥ - الأربعاء ١٤ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

إنسان القرآن!!

حين نتتبع ورود لفظ «الإنسان» في القرآن الكريم نجد أن عديدا من السور قد تعرضت له في شتى أحواله، فنرى القرآن قد تعرض للإنسان السوي، والإنسان المكب على وجهه في سورة الملك، ونرى ذلك في سورة النساء، وهي تتحدث عن الإنسان الضعيف، ونجد ذلك أيضًا في سورة الإسراء عند حديثها عن الإنسان العجول، وأما الإنسان اليائس، فنجد أن سورة الإسراء قد جاءت على ذكره في الآية (83)، وفي سورة الكهف جاء ذكر الإنسان المجادل، وهذا أمر ذكرته السورة لأن هناك جدالاً بين نبي الله موسى (عليه الصلاة والسلام) وبين الرجل الصالح، فأشارت السورة إلى نبي الله موسى باعتباره الإنسان المجادل، والقائمة طويلة وليس هنا محل الاستفاضة فيها، وسنكتفي بالتوقف عند مثالين اثنين هما: الإنسان السوي الذي يمشي سويًا على صراط مستقيم، والإنسان الذي يمشي مكبًا على وجهه، وهما المثالان اللذان ذكرتهما سورة الملك، وسوف نعكف على تفصيل ما أجملته هذه السورة، وذلك بالحديث وتدبر آيات من سورة الإنسان التي تشرف الإنسان حين صار عنوانًا عليها. يقول تعالى في سورة الملك: ‭{‬أَفَمَن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أمَّن يمشي سويًا على صراط مستقيم‭}‬ الآية 22. 

الفرق واضح، بل صارخ بين إنسان يمشي مكبًا على وجهه لا يرى أبعد من أنفه، أو الأرض التي يمشي عليها، وهي محدودة بآفاق رؤيته التي لا تتعدى الجزء الذي يراه قريبًا منه، والإنسان السوي القامة، المعتدل الهيئة الذي يمشي على صراط مستقيم.

لقد جمع هذا الإنسان السوي الاستقامة في القامة وفي الطريق، فهو وحده المؤهل للهداية والتوفيق أما المقابل له، المكب على وجهه، والذي لا يدرك من الآفاق إلا ما هو تحت قدميه، فهذا إنسان أبعد ما يكون عن الهداية والتوفيق.

والسؤال: متى يكون الإنسان سويًا في قامته، مستقيمًا في طريقه؟.

يكون كذلك حين يجمع بين هداية الدلالة وهداية المعونة والتمكين، وهذا ما نجده في سورة الإنسان التي تحدثت عن الإنسان في مرحلة العدم ثم مرحلة الوجود ثم تحدثت عنه في ضلاله وهدايته، قال تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورا (1) إنَّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرا(2) إنَّا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورا(3)) سورة الإنسان.

هذه هي البداية، بداية الإنسان من العدم إلى الوجود، وأي وجود؟! إنه وجود الأبرار الذين أحسنوا الاختيار، فاختاروا الهدى على الضلال، فجاءتهم هداية الله تعالى من المعونة والتمكين حتى صاروا علامة مميزة، وأسوة حسنة للناس.

لقد صار هذا الإنسان بارًا بمن حوله من المساكين واليتامى والأسرى، فيتقرب إلى الله تعالى بصالح الأعمال، فيطعم الطعام على حبه من هم في حاجة إليه، يقول تعالى تقريرًا لهذه الحقيقة: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرا(8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منك جزاءً ولا شكورا(9)) سورة الإنسان، ولا يعني هذا أنهم زاهدون في الشكر والجزاء، بل هم أحرص الناس على ذلك إلا أنهم لا يريدون الجزاء والشكر من الأدنى لهم، فهؤلاء لا يملكون شيئًا لأنهم معدمون، ولكن هذا الإنسان الذي بلغ في خلوص نيته وفي عمله الصالح مرتبة الأبرار يريد الجزاء الموفور من الله تعالى، وأن يتسلم خطاب الشكر من مولاه سبحانه وتعالى، وهذا هو ما يسعى إليه هذا الإنسان الذي آثر الآخرين بما يحب على نفسه، وبذل لهم ما هو في حاجة ماسة إليه، ولم يؤثرهم على نفسه بالطعام الرديء، بل أعطاهم وأطعمهم مما يحب، وهذا دليل على تمكن خلق الإيثار في نفسه، وصدق في هذا الإنسان وأمثاله قول ربنا سبحانه: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الحشر/9.

ولقد تحقق لهذا الإنسان البار ما سعى إليه، وبذل من أجله للفقراء والمساكين ما يحب، وقال عنه سبحانه: (إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورا) الإنسان/22.

إنها نهاية سعيدة، بل بداية سعيدة لحياة هنيئة يجللها الفخار، والزهو لأنه يحمل بيديه صكوك الملكية لجنة عرضها السماوات والأرض، وفوق هذا فقد تشرف باستلام خطاب الشكر من مولاه سبحانه وتعالى. 

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news