العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الثقافي

قصة قصيرة: العربة

بقلم: إبراهيم راشد الدوسري

السبت ٠٣ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:15

رأيته يدفع عربة التسوق المليئة بأكياس المشتريات الباذخة بأنواع البضائع، يداه الممسكتان على مقبض العربة بدتا معروقتين شاحبتين، والشعر الأبيض يتناثر فوق فوديه وخديه وذقنه المتغض، جسده الضئيل محشو في ثوب أبيض فضفاض لم يخف ظهره المحدودب، غاص رأسه الصغير بين عضمي كتفيه البارزين، غترته تنسدل من دون ترتيب من فوق رأسه وتنحدر أطرافها فوق كتفيه المنكفئين وظهره، عقاله يتأرجح لا يستقر فوق قمة رأسه، جلد وجهه كلحاء شجرة جاف، واستقرت فوق أنفه الأفطس نظارة طبية مقعرة ذات برواز عريض تقبع خلفهما عينان صغيرتان غائرتان تحت حاجبين كثيفين اشيبين.

كنت وأنا اجلس خلف طاولة المقهى في المجمع التجاري أراقبه وهو يدفع العربة الثقيلة بأحمالها، كنت أتأمله وهو يبحث عن مكان يستريح فيه، كان يبدو مرهقًا ومتململاً وهو يتلفت في اتجاهات مختلفة.

من أحد المحال النسائية خرجت امرأة في العقد الثالث من العمر، الألوان تغمر وجهها وشعر رأسها خصلاته تتراقص فوق جبينها العريض الناصع البياض وضفيرتان تتأرجحان فوق كتفيها العريضين الممتلئين.

وقفت بجوار باب المحل سامقة كنخلة تحمل في يدها كيسًا كبيرًا يطل من فتحته قماش كان يبدو طرفًا من فستان وردي اللون، تلفتت بوجه صارم وعينين واسعتين حادتين غمرهما الكحل، كان الرجل العجوز يقف بمحاذاة عربة التسوق أمام إحدى واجهات محل تجاري يتطلع للدمى النسائية التي تقف رشيقة مبتسمة دومًا وقد اعتمرت الفساتين الحريرية ذات الألوان الزاهية.

اندفعت المرأة نحوه والكيس يتأرجح في يدها وحين وصلت إليه، ألقت بالكيس في العربة، وهي تنظر إليه بامتعاض، التفت إليها الرجل الكبير، طوحت بيدها أمام وجهه، وهي تتلفظ بكلمات كانت تبدو حادة، نكس رأسه، وراح يعدل من وضع عقاله على غترته الذي كاد يسقط من فرط ارتباكه.

أشارت إليه بيدها أن يبتعد عن واجهة المحل ويتجه إلى المقهى الذي كنت أجلس فيه، وتركته وغاصت في أحد المحال.

دفع العربة وهو يجر رجليه بتثاقل إلى أن وصل إلى المقهى، اقترب من الطاولة التي أجلس خلفها، أمسك بطرف الكرسي المقابل للكرسي الذي اجلس عليه، همس بصوت ضعيف:

- هل تسمح بأن أجلس هنا؟ فأعذرني فأنا لا أستطيع أن انتقل إلى مكان أبعد من هنا، ركبتاي لا تقويان على تحمل الوقوف والسير أكثر فأنا منذ ساعتين ألف المجمع التجاري بهذه العربة اللعينة.

وقفت فأمسكته من ذراعه وساعدته على الجلوس وأنا أرحب به.

- تفضل، تفضل أجلس وأرح جسدك.

غمغم شاكرًا وهو يجلس بصعوبة، وعدت أجلس قبالته.

- ماذا تحب أن تشرب يا عم؟

امتنع بإشارة من يده وأنفاسه تتصاعد من شدة الإرهاق والتعب، عدل من وضع غترته على كتفيه وخلع نظارته، وراح ينظف زجاجها بطرف غترته ثم أعادها فوق عينيه الذابلتين، ثم شبك أصابع يديه وأراحهما على الطاولة، وراح يحدق في وجهي وأنا أنظر إليه في صمت.

قال وهو يتنهد:

- هل أنت متزوج؟

- نعم.

- هل لديك أولاد؟

- نعم. لدي اثنان، ولد وبنت.

- هل تتشاجر مع زوجتك؟

ابتسمت وقلت: أحيانًا.

- لا تفرط في زوجتك حتى لو الخلاف بينكم أدى بك إلى التفكير في الانفصال عنها، أنا أعرف النساء أكثر منك فهن قاسيات القلب في بعض المواقف ويجبرن الأزواج على النفور منهن، لكن لا تتعجل في قرارك، فهن يعانين أيضًا أوجاع الحياة، لا تقع يا ولدي في الخطأ الذي أوقعت نفسي فيه، لقد طلقت أم أولادي حين ذبلت أزهار المحبة في قلبي، بعد أن تصورت أن حياتي معها جحيم لا يطاق، وجدت أن باستطاعتي أن أتزوج امرأة أجمل منها ما دمت أملك المال والجاه والسلطة، كان ذلك قبل عشرين سنة، حينها كنت مديرًا لإحدى الشركات الكبرى.

وكانت سكرتيرة مكتبي فتاة جميلة، تعلق قلبي بها فقررت الزواج منها ولكنها اشترطت أن أطلق زوجتي، لم أفكر طويلاً فحققت لها ما أرادت وفزت بها، هذا ما اعتقدته، بعد خمس سنوات من الزواج تمت إحالتي إلى التقاعد، فقدت المركز والجاه والسلطة والزوجة والأولاد.

وبدأت الأمراض تنخر جسدي واستولت زوجتي الصغيرة الجميلة على ما تبقى لدى من ثروه، وكما تراني الآن شبه رجل، محطم، مريض، هرم، أتبعها في المحال التجارية، أدفع أمامي عربة تتكدس فيها مشترياتها.

من خلف ظهر الرجل، رأيتها قادمة نحونا وهي تحمل في يدها مجموعة من الأكياس، اقتربت من العربة وضعت الأكياس فيها وهي تنظر إلى من دون اكتراث، فوجئ الرجل بوجودها خلف ظهره، فاضطرب هم بالوقوف وهو يمسك بالعربة.

ساعدته على الوقوف.

قالت بصوت آمر وهي تسير متجهة إلى بوابة الخروج من المجمع التجاري.

 - هيا اسرع.

استدار بالعربة وسار خلفها وهو يودعني بنظراته الكسيرة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news