العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســـرديــــات: رواية «قواعد العشق الأربعون»... النموذج السردي الملهم!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٠٣ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:15

- هذا المقال هو المقدمات الأولى لورقتي النقدية «الرواية العربية الجديدة وإشكاليات السرد التاريخي الصوفي» التي قدمتها في ملتقى الشارقة الخامس عشر للسرد الذي انعقد في الرباط بالمملكة المغربية في الفترة 17-19 سبتمبر 2018، وقد نُشرت ورقتي كاملة في كتاب الملتقى.

خطاب السرديات الكونية الكبرى:

هناك روايتان مهمتان عن جلال الدين الرومي نُشِرتا قبل رواية إليف شافاق «قواعد العشق الأربعون، 2012»؛ الرواية الأولى هي للكاتبة الفرنسية من أصل إيراني نهال تجدّد واسمها «الرومي نار العشق»، صدرت في نسختها الفرنسّية الأولى عام 2015. الرواية الأخرى هي رواية «بنت مولانا، مع ملحق قطائف من رباعيات مولانا جلال الدين الرومي» للكاتبة الفرنسية المقيمة في لندن مورل مفروي عام 2007. في رواية «الرومي: نار العشق» للإيرانية نهال تجدّد تسرد الرواية بضمير المتكلم على لسان حسام الدين جلبي الذي كان الرجل الثالث إلى جانب جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي، ولذلك فإن هذه الرواية كانت مقسمة إلى ثلاثة كتب هي كتاب شمس الدين التبريزي وكتاب صلاح الدين وكتاب حسام الدين. أمّا في رواية مورل مفروي «بنت مولانا» فقد كانت الروائية معنية بتركيز التبئير السردي على شخصية (كيميا) التي تقول الأخبار التاريخية إنها كانت شخصًا حقيقيا من أسرة مولانا جلال الدين الرومي، وقد زُوِّجَت بشمس الدين بعد رجوعه من دمشق. ويذكر بعض المؤرخين أنَّ زيجتها كانت تعسة. وعندما تختفي (كيميا) في ظروف غامضة يقتل شمس الدين التبريزي، وبذلك تكون مثل هذه النهايات العنيفة رمزية انتهاء أدوار الشخصيات بعد تحقّق الغايات الكبرى من التقائها الكوني. ولا شكّ أن اختلاف الخطابين الروائيين في روايتي «الرومي: نار العشق» و«بنت مولانا» كان محفّزًا على إلهام وإبداع رواية جديدة هي رواية «قواعد العشق الأربعون، رواية عن جلال الدين الرومي» لإليف شافاق، تتناول وجهة نظر سردية مختلفة عن الروايتين السابقين وتتبنى خطابًا سرديا كونيا، كما سنبين. هناك خطابان سرديان متوازيان في رواية «قواعد العشق الأربعون»؛ الخطاب السردي الأول هو سردية معاصرة تقع حوادثها بين نورثامبتون في الولايات المتحدة الأمريكية وأمستردام ومدينة «قونية» التركية من خلال الناقدة الأدبية الأمريكية من أصل يهودي إيلا روبنشتاين التي تعمل في وكالة نشر أدبية وتعيش مع زوجها حياة زوجية رتيبة ينقصها الحب، وتتعرف على روائي هولندي أسلم بعد تأثّره بالصوفية وأطلق على نفسه اسم «عزيز»، وتقع إيلا في حب هذا الصوفي وتسافر من أجل الالتقاء به. وقد قام هذا الروائي أ.ز. زاهار (عزيز) بإرسال مخطوطة روايته «الكفر الحلو» إلى وكالة نشر أدبية في الولايات المتحدة الأمريكية. والخطاب السردي الآخر هو «رواية الكفر الحلو»، وهو سرد تاريخي متخيل يقع في مدن تاريخية: الإسكندرية، تبريز، قونية وغيرها، ويقوم هذا السرد التاريخي المتخيل على استدعاء قصة العشق الصوفية الخالدة بين شمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي، وقد أبدع الاثنان عملين خالدين ومؤثِّرين؛ العمل الأول هو «قواعد العشق الأربعون» لشمس الدين التبريزي والعمل الآخر هو «مثنوي» لجلال الدين الرومي.

ليستْ رواية «قواعد العشق الأربعون» قائمة على استنساخ سردي توثيقي أرشيفي لكلِّ ما يتصل بحياة الصوفيين الكبيرين جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي. إنَّ هذه الرواية تصدر في الأساس عن «متخيل تاريخي» يمتزج في مصائره ومآلاته مع رؤية إليف شافاق الكونية، وهي التي اشتغلت في رواياتها المتعدّدة على تواريخ النساء والأقليات والمهاجرات والثقافات الفرعية والشباب والأرواح العالمية إلى جانب اشتغالاتها العميقة في التاريخ والفلسفة والتصوف والثقافات الشفاهية والسياسات الثقافية والكوميديا السوداء.

إنَّ رواية «قواعد العشق الأربعون» تصدر عن خطاب هوية كونية لا تعترف بالحواجز والحدود والهويات الضيقة التي تقولب البشر وتفرقهم إلى جماعات منمطة ثقافيا؛ إذ يمكن تشبيه خطاب إليف شافاق السردي في هذه الرواية بالسرديات الكونية الكبرى التي تسعى إلى صهر البشر جميعهم في بوتقة واحدة. تقول شافاق في مقدمة هذه الرواية على لسان السارد في وصف اللحظة التاريخية الفارقة، اللقاء بين شمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي: «وفي عام 1244 ميلادي، التقى الرومي بشمس، الدرويش الجوّال ذي التصرفات الغريبة والآراء الهرطقية. وقد غير لقاؤهما هذا حياة كلّ منهما. وكان هذا اللقاء بداية لصداقة فريدة متينة شبّهها الصوفيون في القرون التالية باتحاد محيطين اثنين. وبعد لقاء الرومي بهذا الرفيق الاستثنائي تحوّل من رجل دين عادي إلى شاعر يجيش بالعاطفة، وصوفي ملتزم وداعية إلى الحبّ، فابتدع رقصة الدراويش، وتحرّر من جميع القيود والقواعد التقليدية. وفي عصر سادته روح التعصب والنزاعات الدينية دعا إلى روحانية عالمية شاملة، مشرعًا أبوابه أمام جميع البشر من مختلف المشارب والخلفيات. وبدلاً من أن يدعو إلى الجهاد الخارجي، الذي يعرّف «بالحرب على الكفار» الذي دعا إليه الكثيرون في ذلك الزمان، تمامًا كما يجري في يومنا هذا، دعا الرومي إلى الجهاد الداخلي، وتمثّل أهدافه كما يجري في يومنا هذا، دعا الرومي إلى الجهاد الداخلي، وتمثّل هدفه في جهاد (الأنا) وجهاد (النفس) وقهرها في نهاية الأمر».

لقد كانت إليف شافاق معنية في روايتها بالسرد الانتقائي لكلّ ما يتصل بسيرة جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي؛ أي أنَّها أخضعت عوالم الرواية المرجعية التاريخية المستندة إلى الحوليات التاريخية إلى انتقاء وتحوير وتغيير بما يتلاءم مع خطاب الرواية الكوني. لقد كانت نهال تجدّد في روايتها «الرومي: نار العشق» شغوفة باستنطاق العوالم السرية لجلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي، وكانت صادمة لنا بجرأة كبيرة عندما أوردت لهما تمثيلات تشتمل على المحاسن والأضداد، في حين كانت إليف شافاق معنية في سردها الانتقائي لكلتا الشخصيتين بما يتلاءم ويتواءم مع الإطار العام لخطابها الكوني: خطاب العشق الكوني ويمثله جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي في اتحادهما مضادًا لخطابات الكراهية والحرب والقتل والتدمير. يبدأ تناص هذه الرواية منذ عنوانها «قواعد العشق الأربعون» مع الكتاب الذي ألفه شمس الدين التبريزي ويحمل الاسم ذاته الذي أرسى فيه أربعين قاعدة للعشق الإلهي. وقد احتوت هذه الرواية على القواعد الأربعين التي تأتي بنصوصها الصريحة التي وردت عند شمس الدين التبريزي، وقد تناصت هذه القواعد الأربعون مع خطاب الرواية في تماسك سردي لافت جدا. «لكنه لا يتخلى عنا» ردَّد صاحب الحانة عيناه باردتان ومتحديتان: «إن كان الله هنا فهو لا يحرك ساكنًا، ونحن نعاني من أسوأ النهايات، فماذا يعني ذلك؟» فقلتُ: «إنَّها القاعدة الأولى يا أخي: إنَّ الطريقة التي نرى فيها الله ما هي إلا انعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا. فإذا لم يكن الله يجلب إلى عقولنا سوى الخوف والملامة، فهذا يعني أنَّ قدرًا كبيرًا من الخوف والملامة يتدفق في نفوسنا، أمّا إذا رأينا الله مفعما بالمحبة والرحمة، فإننا نكون كذلك». 

 وفي نهاية الرواية يبدو التماسك السردي في اندغام الخطابين السرديين المتوازيين؛ الخطاب السردي المعاصر والخطاب السردي القديم، في ذلك الاندغام ليستحيلا إلى خطاب عشق واحد منصهر في عناصره جميعًا. قالت: «لقد اشتقتُ إليك يا حبيبتي، واشتقت إلى أخيك وأختك أيضا، هل ستأتون لزيارتي؟». «طبعًا يا أمي-سنأتي- لكن ماذا ستفعلين الآن؟ هل أنتِ متأكدة من أنك لن تعودي؟». فقالت إيلا: «سأذهب إلى أمستردام، حيث توجد شقق صغيرة جميلة تطل على القنوات. يمكني أن أستأجر واحدة. يجب أن أتعلم ركوب الدراجة الهوائية. لا أعرف... لن أضع خططًا، يا حبيبتي. سأحاول أن أعيش يومًا، وسأرى ما سيقوله لي قلبي، فهذه قاعدة من القواعد، أليس كذلك؟»

«أي قواعد يا أمي؟ عمّ تتحدثين؟».

اقتربت إيلا من النافذة ونظرت إلى السماء الزرقاء في كلَّ الجهات، ودارت بسرعة من تلقاء ذاتها، وتلاشت وذابتْ في العدم، وواجهت احتمالات كثيرة، مثل درويش يدور حول نفسه.

 ثم قالت ببطء: «تقول القاعدة الأربعون: لا قيمة لحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي... فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف، إنَّه. كما هو، نقي وبسيط».

«العشق ماء الحياة. والعشيق وروح من النار!».

«يصبح الكون مختلفًا عندما تعشق النار الماء».

أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث المساعد،  كلية الآداب، جامعة البحرين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news