العدد : ١٤٨٤٥ - الأربعاء ١٤ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٥ - الأربعاء ١٤ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الزعيم جمال عبدالناصر

بقلم: عيسى هجرس

الجمعة ٠٢ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:15

يا أبا خالد الناصر جمال.. أنت الهرم الذي لم تبنه همم الفراعنة، وأبو الهول العزة والكرامة والحارس الأمين الرابض عند بوابة المجد.

أنت النهر العربي العظيم الذي فاض عروبة وامتد جغرافيًا أكثر من نيل مصر، أيقظت السكون وحركت الحجر ووضعت القلم على سكة الورق، فعصرت العصر ليكون شراب الغد وجعلت عرق الحاضر دم المستقبل.

مصر قيثارة الشرق كانت تنتظر عازف التاريخ ليعزف أغنية الحرية فصدحت الأنغام طربًا وألحانًا والأحرف أدبًا وثقافة وتشكلت الألوان صورًا ورسومًا واكتظ المسرح شخوصًا وحوارًا، وأبدعت السينما أفلامًا ونجومًا وقفزت بمصر عقودًا من الحضارة لا تساويها عقود اللآلئ والألماس ولا كنوز الأساطير.

شطبت الألقاب ومحوت الإقطاع وقلت هذا خير مصر لا يستحقه إلا أخيارها. أممت القناة المسروقة وأقمت الحد على السارق.

كان السد العالي حلمًا بالغيم فأنزلته مطرًا وسيولاً على صدر الصحارى، فنهض الشجر ودب في أرجائها اللون الأخضر.

قوّمت الاعوجاج بمسطرة القانون وأقمت اقتصادا وتعليمًا وصناعة وفنونًا توجت بإكليل الاحترام وهالة الوقار.. أنت الزعيم الذي ترجل عن الزعامة وفضل السير مع مشاة الشعوب.

أنت القائد الذي عندما يخطب تسمعهُ الملايين وتهدأ المدن وتخلو الشوارع من المارة وكأنها تعرضت لمنع التجول.

أنت الإنسان الذي علمنا أن الزعيم يعيش براتب ويموت من دون رصيد ويقترض لنفسه وكل أموال الدولة تحت يديه.

أنت الحاكم الذي يعفو بيد وبالأخرى يمسك بالقصاص ويؤمن بالدين ولا يؤله رجل دين.

أنت عبدالله الذي وقف في وجه آلهة الحرب وآلة الغطرسة فرجموك إثمًا على مذبح أوثانهم.

مصر هي أم العروبة، وأنت فرد لأبوة الأمة. وقفت نصيرًا لكل ضعيف وقويًا لكل من يلوح بالقوة. طاردت جماعات الغدر والأشرار ومن طعنوا القسم ونقضوا الأحلاف.

قضايا الأمة بناتك وجروح الشعب أبناؤك وبإبرة البصيرة رقعت الشقوق حتى طالت الجِراح الطبيب الجراح.

مشيت تحت الشمس بين السنابل والفراش وتركت الخوف من الضوء لخفافيش الليل وآكلي الجيف في الظلام.

رعدت زئيرًا سحق نباح الكلاب على يمام الخليج حتى ما عاد لرحى الطمع طحن وضجيج.

زرعت الخوف في قلوبهم بعد أن تسيّد الفئران قطط المدينة ولم يجدوا حتى في الجحور أمانا لهم.

آه يا جمال.. أعجبك جمال العروبة وخذلك القبح العربي.

ركضت حصانًا جامحًا يجر عربة الأمة ولكنها كانت مكسورة العجلات غائرة في وحل الخلافات وإرث الثأر فانهار فيك الحصان وتركتهم خطيئة تبحث عن غفران.

كنت مفتاحًا لكل الأقفال العربية ولكن فتح الأبواب كان بيد الأجنبي، ما دعاك أحيانًا لخلع الأبواب وهدم الجدار.. ماذا نقول يا جمال؟.. وهل الحال يوجز في مقال؟

أتيت معلمًا لمن فضلوا الجهل على أن يكونوا تلاميذ.

علمتهم أن القلاع ليست حجرا بل هي عزم القلوب.

فعلموك أن للمعركة عدوا تعرفه.. أما المؤامرة فلها أشباح لا تعرفهم ولكنهم يعرفونك.

خيط نورك حاربته بؤر الظلام، وطيف نسيمك قاومته عواصف الدخان.. ولكنك أتيت.

أتيتهم شعرًا رائعًا ولكن شعراء المعلقات غادروا القبيلة وتركوك معلقًا بين الجدار والقصيدة.

زرعت الثقة في صدور لا تنبت وفاء.. وكنت حملاً وديعًا رضع الحليب مع عتاة الذئاب، فكبرت فيك الأخوة لهم، وكبر في الذئب طبع الإيذاء.

أدرك قياصرة الاستبداد أنك نسر حر، مهما أتوا بحيل وفخاخ لن تسلمهم جناحك ليودعوه مع الطيور الداجنة.

أدركوا أنك العقل الذي لو عطلوه ستستسلم كل أنظمة الجسد، وأنك خيط السبحة بقطعه تنفرط الخرزات من دون وجهة ورابط وحدة، وسيسقط رصيد العرب وينتعش سوق البيع في الخرائط العربية.

وبين عدو بناب الدم وصديق يقطر خيانة التف الوقت حول عقارب الساعة معلنًا ساعة الصفر لكل عمل قميء. فعلى كل معلومة جلس مخبر وعلى كل تحرك وجهوا مرصدا وعلى كل خطاب صوبوا كاتم صوت.

شنوا الهجوم الكبير وكانت سنة 67 الرزنامة السوداء.. انتصروا في المعركة ولكن لم يكسبوا الحرب.. دمروا كل قائم وطائر وزاحف وظل الإنسان متجذرًا في الأرض.. لم تزدك الهزيمة إلا عزيمة فعشت سنين الصمود والتحدي تبني جيشًا وشعبًا لمقابلة يوم الكرامة وحرب العبور برغم تجار الخيانة وسماسرة الذمم.

عبدت الطريق وأضأت المصابيح في عتمة التخلف والرجعية واستبدلت كل مستحيل بالممكن، وأطعمت الاستعداد كل أرقام وعتاد ولم تبخل على أي قوة كي تمتلك الجاهزية والهيبة ونمت على حلم واستيقظت على أمل.. ولكن القدر كان معك على موعد ليأخذك إلى محطتك الأخيرة في 28 سبتمبر 1970. لتترك بقية الرفاق ممن آمنوا بك قائدًا وزعيمًا يواصلون نهجك وإعداد السهم لأسمى هدف.. وكانت حرب 6 أكتوبر 1973 المجيدة لتخطف النصر من سراق الجغرافيا والتاريخ وتعيد توازن القوى وتهديك إمارة العزة والكرامة لتنم قرير العين في سباتك الأبدي.

يا أبا خالد الناصر جمال.. إذا أبحرت شمسك وراء الأفق البعيد، وامتد بحر ظلام يجره أباطرة الغرب على شرق العبيد، فللأمة فجر سيأتي يومًا بصباح جديد.. قد يكون غدًا أو بعد غد يرقص فيه الأحرار على أغنية الحرية.. شيوخًا وشبابًا وأطفالاً، وحلوى أفراح وثياب عيد.

 

‭{‬ فنان موسيقي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news