العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الفنون الإسلامية: صناعة الأسلحة والمعدات الحربية (6)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ٠٢ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:15

تابع الأسلحة البرية الإسلامية: 

 د-الدبابة: تعد هذه الآلة من الأسلحة الحربية الهجومية لدى المسلمين وتتخذ لهدم الحصون المعادية وسميت بهذا الاسم لأنها تدب حتى تدك الحصون، وكانت أول إشارة لاستخدامها في العصر الإسلامي كان في حصار الطائف في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأول دبابة عرفها المسلمون هي التي حصلوا عليها بين حصن «النطاة» عند فتح حصن خيبر، وكان أول الأمر عبارة عن هودج مصنوع من كتل خشبية صلبة على شكل برج مربع له سقف من خشب ومن دون أرضية، وتوجد بين الكتل الخشبية للبرج فواصل الرجال يسحبونها ويدفعونها على عجلات صغيرة ويتقون بها عن السهام ويلصقونها بأسوار الحصن في أضعف نقطة ويبدأون في حفر فجوة في الجدار يثبتون عليها دعائم يتم دهنها بنفط.

وفي العصر الأموي تم صنعها على شكل هيكل خشبي ضخم قاعدته من الخشب السميك ومغطاة بجلود قوية منقوعة بالخل لمنع احتراقها، ولم تستخدم القوات الإسلامية هذا السلاح على نطاق واسع لسبب تعرضها لنيران العدو كما أن سرعة الفتوحات الإسلامية، وتقدمها بالعهد الأموي لا يسمح بنقل الدبابة الثقيلة لمسافات بعيدة وطويلة في ميدان المعارك بسبب وعورة العمليات الحربية في خرسان وأرمينية وغيرها من الأقطار.

الصناعات البحرية للأسلحة الإسلامية: 

 بعد فتح مصر بأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب عامل الشام معاوية بن أبي سفيان إلى الخليفة أمير المؤمنين يطلب الإذن بإنشاء أسطول بحري إسلامي يواجه الروم، ويعين على حصار طرابلس التي صمدت في وجه الجيوش الإسلامية، وقد أمر الخليفة بأن يتم تنفيذ سياسة دفاعية تتمثل في إصلاح الحصون الساحلية القديمة التي تركها العدو، وإنشاء مناظر رقابة لمراقبة العدو واتخاذ المواقيد لطلب الإمداد إذا ما حدث هجوم مفاجئ، ولكن معاوية لم يتخل عن فكرة إنشاء أسطول بحري للمسلمين، ولذلك عاود طلبه إلى الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه يستأذنه لفتح جزيرة قبرص، ولكن الخليفة كرر بالالتزام بالسياسة السابقة الدفاعية المقررة.

ولكن بعد ازدياد تهديد الروم لسواحل الشام وافق الخليفة على بناء الأسطول الإسلامي على أساس عدم إجبار المسلمين على ركوب البحر إلا باختيارهم..وقد تم فتح جزيرتي (قبرص ورودس) بقيادة معاوية بن أبي سفيان (والي الشام) وبمساعدة (والي مصر والمغرب) عبدالله بن ابي السرح أخ عثمان من الرضاعة. 

معركة قرب مياه الإسكندرية: 

قرر الروم مهاجمة أسطول المسلمين المؤلف من بعض السفن، وكان أسطول الرم يعادل أربعة أضعاف الأسطول الإسلامي فنشبت معركة في مياه الإسكندرية بقيادة معاوية وابن أبي السرح فأحرز الأسطول الإسلامي انتصارًا عظيمًا على الروم وسميت المعركة (ذات الصواري) لكثرة السفن المشتركة وأصبحت السيادة للمسلمين في البحر الأبيض المتوسط من دون منازع، وبعد أن ظفر معاوية بالخلافة في عام 41هـ نفذ سياسته ذات الشقين وهما أولاً: دفاعي ويشمل تقوية الحصون الساحلية والاستمرار في إقطاع الأراضي الساحلية للمهاجرين من وسط الجزيرة لتقوية دفاعاتها. أما الشق الآخر فهو بناء أسطول إسلامي لنقل المعارك إلى شواطئ بلاد الروم (وتحويل الدفاع إلى الهجوم).

توقف النشاط البحري:

في بداية العصر العباسي توقف النشاط البحري الإسلامي بسبب انصراف العباسيين إلى ترتيب أمور دولتهم، وتركيزهم على الفتوحات الشرقية واستغرق التوقف البحري خمسين عامًا..وكانت الفتوحات العباسية الشرقية متجهة إلى فتح بلاد خرسان وغيرها وانشغل الروم عن المسلمين خلال خلافاتهم، وابتداءً من الخليفة هارون الرشيد تم توجيه الاهتمام العباسي إلى بناء السفن الحربية وبالقوة البحرية حينئذ.

تطور في الأسلحة الحربية:

وقد حدث تطور بعد ذلك في الصناعات الحربية الإسلامية العربية باختراع بعض العناصر الدفاعية وهي كما يلي:

أ‌- القسي: هو سلاح يشبه بالسهام الخاصة بالجيش البري في وجه العدو. 

ب - الجسور:استخدم المسلمون الكلاليب التي تلقى على السفن ومراكب العدو فتتوقف حركتها وبعدها يرمي المسلمون الألواح الخشبية وينتقلون عليها إلى سفن العدو، ومقاتلتهم. 

جـ - أدوات الحصار: وتشمل الأبراج والدبابات والسلالم والحبال.

د- النفط: استخدم البحارة المسلمون منذ العصر الأموي (النار الإغريقية) والنفط الذي يسير على الماء من دون أن ينطفئ لإحراق السفن، وكانوا يحتمون من النار بدهن أجسادهم بزيت البيلسان، وكانوا يحمون سفنهم من النار بتغطية هياكلها بدروع خارجية تدعى (لبوس) عليها غطاء من جلود البقر تسمى (لبود) منقعة بالخل لتقيها من لهيب النار.

زخرفة سلاح المحاربين: 

لم تكن زخرفة السلاح عند المحاربين وليد عصر المماليك، بل تعود زخرفة الأسلحة إلى العصور القديمة لما حظيت به الأسلحة من تقدير وعناية لأنها تمثل وسيلة للدفاع عن النفس فتارة رسمت اعتقادًا بأن لها مفعولا سحريا أو يحقق لحامله الأمن والنصر وربما كانت الزخرفة لتميز ذلك العصر من ازدهار والحرص على إثراء المنتجات المصنوعة.

1- العناصر الزخرفية النباتية: واختلفت الزخارف لرسوم التوريق العربي (الأرابيسك) والفروع المتموجة والنباتات الدقيقة، كزخارف خوذة الناصر محمد بمتحف بروكسل وزخارف طبر باسم قايتباي وزهرة اللوتس على سيف باسم السلطان الغوري بالمتحف العسكري بإسطنبول، كما رسمت على السيوف للسلطان الغوري في صحف طوب كابي والحلية الكاسية على سلاح طبر محمد قايتباى بالمتحف العسكري التركي وترس معدني باسم (ازدمر من يشبك). 

العناصر الزخرفية الهندسية: 

2- هذه العناصر استخدمت بكثرة في تزيين الأسلحة المملوكية، وكانت تتميز بالبساطة والبعد عن التعقيد وكان السبب يرجع إلى ضيق المساحة ما يتعذر معه رسم تكوينات هندسية كبيرة كالطبق النجمي أو أجزاء منه، ومنها الأشكال السداسية التي ترسم داخل دائرة صغيرة كسيف باسم قايتباى بمتحف طوب كابي بإسطنبول وزخارف سيف طبر باسم السلطان والمحفوظ في المتحف الوطني بفلورنسا الإيطالية. 

كما زينت بعض الأسلحة بخطوط مستقيمة أو مائلة أو متقاطعة كمعظم أسلحة القادة والأمراء وقادة الجيوش، كما حوت بعض زخارف المعينات والمثلثات التي تغطي السطح الاسطواني في يد طبر السلطان الغوري بمتحف التراث التركي باسطنبول، ودبوس من العصر المملوكي زخرفت رؤوس الأعلام المحفوظة بطوب قابي سراي بإسطنبول. 

3- الكتابات الزخرفية على السلاح: تميزت بعض الأسلحة المعدنية في العصر المملوكي بكتابات عربية صنعت لبعض السلاطين والأمراء وترتبط في مضمونها مع وظيفة السلاح كالآيات الأولى من سورة الفتح مثل «إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيما» (سورة الفتح 1- 2) مثل سيف السلطان الناصر محمد بن قلاوون وخوذة الناصر محمد بالمتحف الملكي للسلاح في بروكسل البلجيكية، وآية «نصر من الله وفتح قريب» (سورة الصف الآية 13) على سلاح طبر باسم السلطان محمد قايتباي. 

وكذلك جزء من سورة (آية الكرسي) على سيف السلطان الناصر محمد بن قلاوون وسيف طبر للسلطان الغوري وكذلك زخرفة آية (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس) على سيف العادل طومان باى القائد ومحفوظ في متحف (بوابة المدفع) طوب كابي سراي – وشهادة التوحيد مثل (لا إله إلا الله محمد رسول الله) على سلاح طبر باسم السلطان الغوري وكذلك (ما شاء الله) على خوذة الناصر محمد المملوكي.

الحروف التيمنية والتسجلية: نقشت بعض زخارف الأمن والسلامة على سيف الناصر محمد مثل لفظ (الدوح) وكذلك (السلامة والدولة) وترجع للقرن التاسع الهجري، ونقشت زخارف على نصال سيوف السلطان قايتباى وكذلك السلطان قنصوة الغوري، وشعار (وقاتل الكفرة والمشركين) على أسلحة بعض الأمراء المماليك تحفيزًا لهم للحرب. 

صناع بعض الأسلحة الإسلامية: 

1- الأستاذ عبدالله الحلبي: وجد توقيعه على سيف باسم السلطان حسام الدين لاجين وكان من كبار صناع الأسلحة آنذاك.

2- يونس الصانع: وجد توقيعه على نصل مقوس حديدي بمتحف الآثار بإسطنبول ونص التوقيع (عمل يونس).

3- حاجي يوسف: وجد توقيعه على سيف مستقيم ذي حدين باسم السلطان قايتباى وكان على سيلان النصل (عمل حاجي يوسف). 

4- علي بن محمد المصري: وجد توقيعه على سيف مستقيم ذي حدين محفوظ بمتحف (طوب كابي سراي) وكان التوقيع بصيغة (علي بن محمد المصري). 

لقد أمدتنا توقيعات الصناع على الأسلحة التي رأيناها في بعض المتاحف الإسلامية والأوروبية وتفيدنا هذه التوقيعات التعرف على الفترة الزمنية التي زاول أولئك الصناع نشاطهم وإنتاحهم في تتبع التطور التاريخي لأساليب الصناع للأسلحة المملوكية ويظهر أن أقدم توقيع باسم السلطان حسام الدين لاجين وأقدمها كان في عصر السلطان الغوري في مصرنا الحبيبة.

ولا ننسى هنا (أبناء الصاغة) في مدينة المحرق الذين كان يعزى إليهم صناعة بعض السيوف لأمرائنا وحكامنا في مملكة البحرين منذ أكثر من ستة عقود والقيام بزخرفتها والنقش عليها بالذهب والفضة في مواقعهم المتواضعة وصناعتها بالطريقة التقليدية التي تدل على مهارتهم وحرفيتهم الأصلية آنذاك. 

( الهوامش: بحث زخرفة الأسلحة المملوكية، الباحثة آية زغلول – موقع عشاق الحضارة يوليو عام 2010م، صناعة الأسلحة في عهد الدولتين الأموية والعباسية: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية مارس عام 2012م، القادة العسكريون العرب والمسلمون: المكتبة الإسلامية).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news