العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الحلقة التاسعة والأربعون الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (49)

الجمعة ٠٢ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:15

المرحلة المصرية (29):

بقلم دكتور: غريب جمعة

عود إلى مناقشة نتيجة بحث الدكتور طه حسين:

نفي الشعر الجاهلي لا يمس القرآن بسوء:

قال المؤلف في (ص182): «ولسنا نخشى على هذا القرآن من هذا النوع من الشك والهدم بأسا، فنحن نخالف أشد الخلاف أولئك الذين يعتقدون أن القرآن في حاجة إلى الشعر الجاهلي لتصح عربيته، وتثبت ألفاظه.

نخالفهم في ذلك أشد الخلاف، لأن أحدًا لم ينكر عربية النبي فيما نعرف، ولأن أحدًا لم ينكر أن العرب قد فهموا القرآن حين سمعوه تتلى عليهم آياته، وإذا لم ينكر أحد أن النبي عربي، وإذا لم ينكر أحد أن العرب قد فهموا القرآن حين سمعوه، فأي خوف على عربية القرآن من أن يبطل هذا الشعر الجاهلي وهذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؟».

نقض الإمام: لا يخطر على بال أحد أن نفي الشعر الجاهلي من الأرض يمس القرآن بسوء، فإن العلماء الذين قاموا على تفسير مفرداته قد رجعوا في بيانها إلى شعر أو نثر سمعوه من العرب الخلص، وسواء عليهم أكان هذا الشعر أو النثر صدر من الإسلاميين أم كان مضافًا إلى الجاهليين بحق أو بغير حق. وهذا حال ما يتمسكون به في قواعد النحو، فإن هذه القواعد لا تزال ثابتة، ولو قامت الآيات البينات على أن هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين كله أنشئ بعد ظهور الإسلام.

والمؤلف لم يدرس اللغة وأصولها وأدبها ببصيرة صافية، وفكرة متيقظة، فَحَسِبَ أن الشك في الشعر الجاهلي يسري إلى الشك في معاني القرآن، وقواعد النحو والبيان، فدبت يده إلى ما كتبه المستشرق (مرغليوث) وأفرغ ما يستطيع من التشكيك في هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين، وجرى في خياله أنه بلغ من الكيد للقرآن والعربية الفصحى ما كان يتمنى، فلبسه الغرور، وجعل يداجي أهل القرآن، ويقول كالمخفف من فزعهم: فأي خوف على عربية القرآن، من أن يبطل هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؟ وقد لوحنا فيما سبق إلى المواضع التي يحق لمفسر القرآن أو الحديث أن يأخذ في تحقيقها بشواهد من كلام العرب الفصيح.

عربية القرآن حكم مُسَمَّطٌ

المسمط من الأشياء: الذي لا يُرَدُّ. ويقال حكمك مسمط: أي أن حكمك مرسل لا اعتراض عليك. وخذ حكمك مسمطًا أي مجوزًا نافذًا. (المعجم الوسيط).

قال المؤلف في (ص183): «وليس بين أنصار القديم أنفسهم من يستطيع أن ينازع في أن المسلمين قد احتاطوا أشد الاحتياط في رواية القرآن وكتابته ودرسه وتفسيره، حتى أصبح أصدق نص عربي قديم يمكن الاعتماد عليه في تدوين اللغة العربية وفهمها».

نقض الإمام: القرآن محفوظ في الصدور منذ عهد النبوة، وليس من أنصار القديم ولا من أنصار الجديد أيضًا من يستطيع أن ينازع في أن المسلمين قد احتاطوا في جمعه وكتابته وتفسيره، وليس في العارفين بفنون التفسير من ينازع في أن من معاني حروفه أو وجوه تأويله ما يليق بالمفسر أن يقيم عليه الشاهد من كلام العرب، لأنه أنزل بلسان عربي مبين، فهم لا يقصدون بإقامة الشاهد تصحيح عربية القرآن فإن عربيته حكم مسمَّط، وإنما يقيمون الشاهد لتقرير المعنى أو تصحيح وجه الإعراب الذي يختارونه في التأويل.

عناية المسلمين بالشعر:

قال المؤلف في (ص183): «وهم لم يحفلوا برواية الشعر ولم يحتاطوا فيها، بل انصرفوا عنها طائعين أو كارهين، ولم يراجعوها إلا بعد فترة من الدهر، وبعد أن عبث النسيان والزمان بما كان قد حفظ من شعر العرب في غير كتابة ولا تدوين».

نقض الإمام: للعرب شغف بنظم الشعر وروايته، ولم يكن لديهم من العلوم ما يشغل قرائحهم عن نظمه ولا أذهانهم عن حفظه إلا حين طلع عليهم الإسلام، فأقبل أقوام منهم على التفقه في الدين، وحفظ القرآن ورواية الحديث. ثم إن الأمة العربية تهيأت لأن تبسط شعاع هذه الهداية في مشارق الأرض ومغاربها، فتدفقوا ولا قوة لهم إلا إيمان يتلألأ في قلوبهم، وإلا حكمة تنير لهم السبيل أينما ذهبوا، ففتحوا البلاد وجعلوا الأيام تلد كارهة أو طائعة من بدائع الإصلاح ما لم تتمخض به الدنيا في عهد اليونان أو الرومان.

نحن نعلم هذا كله ومن الغلط أو المغالطة أن نعد هذه النهضة الخطرة ماحية للشعر الجاهلي من ألسنتهم، نازعة له من قلوبهم، بل شأنها أن تخفف من عنايتهم به، وتصرف هؤلاء المجاهدين في كثير من الأوقات عن إنشاده وروايته، ومن البديهي أن الأمة لم تكن لذلك العهد كلها مجاهدة بل كان فيها الأعمى والأعرج والمريض، والمرأة، والمعذِّرون من الأعراب ولا يستطيع المؤلف أن يقيم الشاهد على أن هذه الأصناف من الناس انصرفت عن الشعر جملة، بل لا يستطيع أن يقيم الشاهد على أن أولئك المجاهدين انصرفوا عنه الانصراف الذي يخول للمؤلف أن يقول: إن الشعر الجاهلي ليس من الجاهلية في شيء، ولو شئنا أن نرجع إلى هذه الكتب القديمة التي تعنى بشؤون الأدب، لوجدنا فيها آثارا تقول: إن زعيم أولئك المجاهدين عمر بن الخطاب كان أعلم بالشعر، ولا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر. وتخبر هذه الآثار بأنه أُنشد بين يديه قصيدة عبدة بن الطيب الطويلة التي على اللام، وقصيدة أبي قيس بن الأسلت التي على العين، وشعر الزهير، وكان يتلقى بعض أبيات هذا الشعر الجاهلي بالتعجب أو الإعجاب، وجاءت الرواية بأن هذا المجاهد العظيم قال وهو على المنبر: «أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم، فإن فيه تفسير كتابكم» وهذا سبيل واسع ولسنا في حاجة إلى أن نذهب أبعد من هذه الغاية التي انتهينا إليها.

إننا أمة بحث ونظر:

قال المؤلف في (ص183): «أما نحن فمطمئنون إلى مذهبنا، مقتنعون بأن الشعر الجاهلي أو كثرة هذا الشعر الجاهلي لا تمثل شيئًا، ولا تدل على شيء إلا ما قدمنا من العبث والكذب والانتحال وأن الوجه – إذا لم يكن بد من الاستدلال بنص على نص – إنما هو الاستدلال بنصوص القرآن على عربية هذا الشعر لا بهذا الشعر على عربية القرآن».

نقض الإمام: قطع المؤلف عنا حديثه بهذه الكلمة التي تنكر الشعر الجاهلي وليست هذه الكلمة إلا سلالة تلك الشبه الكثيرة الصخب والتلاطم وهي على ما ينعتها به الناس من صفاقة وتخاذل لم تنشط قريحة المؤلف لأن تستنبط مثلها،  بل كان يتتبعها من ها هنا وها هنا كما يصنع بعض ذوي الأفكار العقيمة من أنصار القديم وأقوى هذه الشبه دلالة – كما يقول المؤلف – ذلك الذي يسميه: الدليل الفني اللغوي، وإنما دبَّ إليه على حين غفلة من الناس وسلَّه من مقال نشرته «مجلة الجمعية الآسيوية» للمستشرق «مرجليوث»

لا يعنينا أن يكون المؤلف أغار على ذلك المقال، أو أن خاطره وقع على ما وقع عليه خاطر هذا المستشرق كما يقع الحافر على الحافر، فإن النظرية في نفسها ساقطة، وشبهها كما رأيتم خاسئة. والبحث الفني اللغوي الذي يبتدئ باختلاف اللغة العدنانية واللغة القحطانية وينتهي باختلاف لغات القبائل العدنانية في نفسها، يكفي في سقوطه فرض أن تنشأ بين هذه اللغات المختلفة لغة يأخذ بها الشعراء والخطباء ألسنتهم، وقيام هذه اللغة الأدبية بين ذوي لغات تتفرع عن أصل واحد، ويرتبط أقوامها بصلة الجوار وتبادل المرافق والتقارب في العادات والآداب، يكاد يكون فرضه ضربة لازب ولا سيما حيث انهالت الروايات الموثوق بها من كل جانب وفُتحت أفواه شاهدة بأنه كان أمرًا واقعًا. ومن آثار شهادتها: هذه القصائد التي تُروى لشعراء كندة وربيعة وقيس وتميم. وقد بسطنا مناقشة هذا الدليل الفني في الفصول الماضية، على أن المؤلف قد نقض شطره، بل نقض أساسه من قبل أن نناقشه، فتقبَّل قصيدتين لعلقمة، وعلقمة من تميم وقال: إن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس محمول عليه ومعناه: أن الأقل من هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس اليمنى من نسج قريحته، وليس فيما يضاف إلى علقمة أو امرئ القيس إلا ما هو مصوغ في هذه اللغة الأدبية.

وأما ما تحدث به المؤلف بعد هذا الدليل الذي هو في ظنه «أنهض حجة» فمنه ما لا يدل على شيء، ولا يثبت شيئًا، ومنه ما لا يدل على أكثر من أن في هذا الشعر الجاهلي ما هو مختلق اختلاقًا ولن تجد له على انتحال هذا الشعر كله أو كثرته المطلقة من دليل أو ما فيه رائحة دليل.

يريد المؤلف أن يلقي في نفوس تلك الطائفة، القليلة: أنه الداهية الذي ينال من الإسلام حتى يرضى وما عليه إلا أن يقول كما قال في هذه الصحيفة:

إنه يؤمن بعربية القرآن ويجعل نصوصه مقبولة الشهادة على هذا الشعر الجاهلي يقول هذا، وقد خادعته نفسه إذ خيلت له أن الأمم الإسلامية تبلغ من السذاجة، ومن رؤيتها بالمكان الأرفع، أن تطير فرحًا لرضاه عن القرآن وتواضعه أن يعقد بنصوصه ويقبل شهادتها على أشعار الجاهلية الأولى إننا أمة بحث ونظر: نذهب مع العلم كل مذهب، ولا نقف لحرية الفكر في طريق، وإنما نحن بشر، والبشر تأبى قلوبهم إلا أن تزدري أقلامًا تثب في غير علم، وتحاور في غير صدق، بل نحن بشر والبشر تأبى لهم أقلامهم إلا أن تطمس على أعين الكلمات الغامزة في شريعة محكمة أو عقيدة قيمة.

«فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأملي لهم إن كيدي متين» [القلم/44. 45].

(انتهى نقض الإمام ونستغفر الله ونعتذر إلى الناس من أي خطأ أو تقصير).

ماذا قال قلم الإمام؟

عندما انتهى الإمام من نقض كتاب «في الشعر الجاهلي» نظم الأبيات التالية على لسان آخر قلم استعمله في تحرير هذا النقض وأهدى بقيته إلى خزانه أحمد تيمور باشا.

سفكَتْ دمي في الطِّرْسِ أنْمل كاتب *** وطوتني المبراة إلا ما ترى

ناضلت عن حق يحاول ذو هوى *** تصويره للناس شيئًا منكرا

لا تضربوا وجه الثرى ببقية *** مني كما ترمى النواة وتُزدرى

فخزانة الأستاذ تيمور ازدهت *** بحُلى من العرفان تُبهر منظرا

فأنا الشهيد وتلك جنات الهدى *** لا أبتغي بسوى ذراها مظهرًا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news