العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (1)

الجمعة ٠٢ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:15

بقلم: د. علي أبو هاشم 

يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين». التوبة: 119. في هذه الآية الكريمة ينادي الله تعالى على عباده المؤمنين، وهو نداء تشريف وتكليف حيث أثبت لهم صفة الإيمان، وهي شهادة من الله لهم بالإيمان وما أعظمها من شهادة، وهذا هو أعظم الشرف والتشريف، أما التكليف فهو في قوله تعالى: «اتقوا الله وكونوا مع الصادقين». فقد أمر الله عباده المؤمنين بأمرين عظيمين في هذه الآية هما (التقوى - والصدق) والأمر يقتضي الوجوب، والمراد وجوب الالتزام بأعمال التقوى والتحلي بالصدق، والتزام طريق الصادقين، ولن يستقيم المؤمن على الإيمان إلا بالتزام التقوى في كل أحواله، والصدق في جميع أقواله وأفعاله. حيث يُحقق المؤمن بالتقوى كمال الإيمان، ويبرهن بالصدق على قوة إيمانه وتقواه. ونبدأ أولا ببيان الواجب الأول وهو: التقوى. للتقوى معان كثيرة كلها تتمحور في طاعة الله تعالى والانقياد لأمره، فقد عرَّفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فقال: التقوى هي: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد للموت قبل الرحيل. وسأل عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أبي بن كعب عن التقوى؟ فقال له أُبي- رضي الله عنه- هل سلكت طريقا ذا شوك؟ فقال عمر. نعم، فقال له أُبي فماذا فعلت؟ قال: شمرت وحذرت. فقال أُبي: فذاك التقوى. فأخذ ابن المعتز هذا المعنى ونظمه شعرا فقال:

خل الذنوب صغيرها..... وكبيرها ذاك التقى 

واصنع كماش فوق أرض... الشوك يحذر ما يرى 

لا تحقرن صغيرة...... إن الجبال من الحصى 

والتقوى هي شعار المؤمنين وسلوك الصالحين، ودعوة المرسلين، ووصية الله للأولين والآخرين. يقول تعالى: «ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله». النساء: 131. والتقوى تكون في جميع الأحوال والأقوال، فهي تربية وتهذيب، وعقيدة وعبادة، وأخلاق وتعاملات، أخرج الترمذي وابن ماجة عن عطية السعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يبلغ العبد أن يكون من المتَّقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس. والمراد أن يترك المسلم كل طريق أو عمل فيه شبهة، أو التبس عليه فيه وجه الحق، خوفا من الوقوع في المعصية، كما جاء في حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سمعت رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم. يَقُولُ وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إلى أُذُنَيْهِ: إِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِىَ الْقَلْب. رواه مسلم. وأمر الرسول أصحابه وجميع أمته بلزوم تقوى الله في كل زمان ومكان، وأخرج الترمذي وأحمد عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن. 

وامرنا الله تعالى في القرآن بالتقوى في مواضع كثيرة. يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون). آل عمران: 102، وقد أخرج البخاري عن مرة عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حق تقاته أن يطاع فلا يُعصى، وأن يذكر فلا يُنسى، وأن يشكر فلا يكفر» وقال ابن عباس: هو ألا يُعصى طرفة عين. وذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من يقوى على هذا؟ وشق عليهم فأنزل الله عز وجل: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن: 16. وقيل: إن قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). بيان لهذه الآية. والمعنى: فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم. وهو الأصح، فلا تعارض بين الآيتين. ومحل التقوى القلب، ولا يعلم ما في القلب إلا الله تعالى، وإنما يظهر أثر التقوى على الجوارح، في سلوك العبد وتصرفاته، يوضح هذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ». وأخرج مسلم بسنده عن أبي سَعِيدٍ مَوْلَى عبداللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إلى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأشار بِأَصَابِعِهِ إلى صَدْرِهِ»، كما جعل الله تعالى التقوى مقياس التفاضل بين الناس، ويقول تعالى: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير». الحجرات: 13.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news