العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

فلسفة الكلمة القرآنية

الجمعة ٠٢ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:15

بقلم: عاطف الصبيحي 

مادة القرآن الكريم هي الكلمة، ولا شيء غير الكلمة، وهي في جُلها ما كان يتداوله العرب قبل البعثة المحمدية في شعرهم ونثرهم، إلا من بعض الألفاظ التي طرقت أسماعهم لأول مرة، فما توانوا في السؤال عنها مباشرة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر «قالوا وما الرحمن»، ولكن النُظم والسياقات التي وردت فيها الكلمات هي التي أدهشتهم وخلبت لبهم فقالوا فيه في كواليسهم قول الحق.

أهل اللغة قديمًا وحديثًا درسوا هذه النُظم القرآنية، واستلوا من التراكيب القرآنية السمات الخاصة بالأُسلوب القرآني، وأقروا بمغايرة التراكيب اللغوية للقرآن الكريم لكل الأنماط التعبيرية السائدة آنذاك، وأسهبوا في إبراز الشواهد من قلب القرآن ، وبوبوها في أبواب وصنفوها بحسب اللون اللغوي، فكانت غزيرة ومتنوعة بشكل أثرى الدراسات اللغوية وأفاد الأجيال التالية إفادة جليلة، يستحقون منا الشكر وعلى الله يقع أجرهم.

ولن نتوقف عند ذلك بل نتعداه إلى غيره من الخصائص التي تُلقي الضوء على جوانب أُخرى تفرد القرآن بها، وكانت ولاتزال خصيصة خاصة بالقرآن.

من أهم تلك الخصائص النظم القرآني حيث إنه حافظ على درجة واحدة من البلاغة، وتلك صفة لا يطيقها بنو البشر مجتمعين، فما من كتاب كُتب بيد بشر واستطاع صاحبه أن ينظمه على نسق من البلاغة بنفس القوة، فالكُتب ذات الإنتاج البشري تخضع لقانون المُنحنى ، إذ يبدأ الكتاب قويًا بليغًا مُتماسكًا ثم يشرع التراخي يتسرب بين سطوره. ثم يتسم في بعض صفحاته أو فصوله بالوسطية البلاغية في الطرح، لكن القرآن الكريم منذ أن قال جبريل إلى محمد عليه السلام «اقرأ» حتى آخر كلمة وهو على نسق مُبهر من البلاغة والفصاحة، وأصالة الفكر المبثوث في الآيات القرآنية الكريمة.

الكلمة القرآنية في موقعها التي وضِعت فيه أدت معنى محددا، ولكنها في عين الوقت تتناغم بشدة مع ما قبلها وما بعدها من كلمات القرآن، والانسجام التكاملي في المعاني والدلالات بين المفردات مع اختلاف المواقع في السور القرآنية، له غاية جليلة هي تسطير قواعد وتقنين قوانين لتبقى مَعينا لا ينضب للأجيال المتعاقبة، هذا الانسجام خفي إلا على الباحث، وهو ما أدى إلى وقوع بعض المُتشككين في مطبات عديدة، فمنهم من يلحظ ظاهريًا أن هناك اختلافا أو تضاربا في معنى آية في سورة ما مع آية في سورة أُخرى، وذهب بعضهم فرِحا بأنه وجد تناقضًا في القرآن فما لبث أن ارتد على عقبيه مخذولا، لعدم استيعاب الوحدة العضوية القرآنية، فالترتيب المُحكم للكلمات وتناسجها مع غيرها يتجلى ويتضح بالنظر إلى عموم القرآن وليس النظر إليه مُجزأ ومُبتسر.

الكلمة الواحدة تحمل من المعارف والدلالات ما تعجز عنه البشرية إلا من خلال الشروحات والمطولات والتفصيلات، ومع ذلك لم تصل إلى معنى نهائي على امتداد تاريخ الدراسات القرآنية، بينما تجد ذلك في الكتاب الكريم مُكثفا في كلمة واحدة فقط ، والأمثلة كثيرة لا يطيقها مقال محكوم بحيز محدود، ولكن لا نعدم استحضار مثال على الفائض المعرفي التي تحمله المُفردة الواحدة، «الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا» من ذا الذي يوفي كلمة «استقاموا» حقها في صفحة أو فصل أو حتى في كتاب، كلمة الاستقامة الواردة ولّادة لقوانين أخلاقية واجتماعية كفيلة بتنظيم شؤون الأفراد والجماعات والأمم إن هم أصغوا السمع، جهابذة الفلسفة الغربية مثل هيجل وكانط واسبونزا وغيرهم الكثير، أعطوا العالم أسفارا في الأخلاق تستحق التقدير، أملاً منهم في تنظيم العلاقات بين أفراد مجتمعاتهم، والارتقاء بتلك المجتمعات أخلاقيًا، لكن لو قُدر لهذه الكوكبة من العقول الفذة الإطلاع على كنوز القرآن، لخفف عنهم كثيرا من العناء، وحين سُنحت الفرصة لبعض الفلاسفة من الجيل التالي عليهم، بالنظر إلى القرآن نظرة فيلسوف حر مُخلص للحقيقة إلا وسرت القشعريرة في أوصالهم، وهذا ليس تقويلاً لهم، لكنه ما قاله أحد عظمائهم الشاعر الفيلسوف الألماني «جوته» قال: «كلما قرأت القرآن شعرت بروحي تهتز داخل جسدي». ما نطق بهذه العبارة إلا لأنه لا يقف عند ظواهر الكلمات، إنه غوَّاص باحث عن أعمق المعاني فاهتزت روحه، وهناك الكثير من الشواهد لا مجال لذكرها الآن. 

ومن مميزات الكلمة القرآنية أنها مستقلة ومنتصبة بمعناها الخاص الذي يُضفي عليها هيبتها الخاصة التي لا تقبل شريكًا لها في المعنى في كل الكتاب الكريم، وهذا هو عين الخطأ الذي وقع فيه البعض من خلال قولهم بالترادف، وقد ذكرنا هذا الأمر في غير مرة، ونعود إليه هنا لأهميته البالغة، مؤكدين التقارب وليس التطابق في المعاني، ومن يدقق يجد تأصيلا لهذه القاعدة في القرآن، ففي سورة النمل الآية 72 «قل عسى أن يكون رَدِفَ لكم بعض الذي تستعجلون» والردف بمعنى القُرب والاقتراب والدنو، ومنه جاء الترادف بهذا المعنى، ومن هنا نميل ميلاً كبيرًا للقول بالتقارب المعنوي واستحالة التطابق. فالقول بالترادف تترتب عليه آثار سلبية في فهم المعاني المقصودة في القرآن فضلاً عن أنه يشكل حاجزًا يحجب ويمنع الغوص في أغوار المعاني، فالآثار المُترتبة على القول بالترادف حرمت أُناسا كثيرين من الوقوف على جواهر المعاني، وما ينتج عنه أحيانًا من أحكام شرعية غير دقيقة،التمايز إذن بين معاني الكلمات هو المفتاح الأساسي للوصول إلى فهم صحيح وأحكام دقيقة وقوانين أزلية ينتفع بها كل أهل الأرض ما دامت السماوات والأرض.

لذا فإن للكلمة القرآنية كيانها الخاص تحافظ عليه، ومعناها الذي تتفرد به وتؤديه باقتدار ولكنها تنطوي على مبادئ عامة لا تُفصح عنها ولا تتبرع بالكشف عنه إلا بالتنقيب والبحث، وآخر ما تشرفت بالإطلاع عليه من عالِم اللسانيات «أبو زيد الإدريسي» والذي أثلج صدري بالنتائج التي خلُص إليها من خلال إمعان النظر والتمحيص بالاسم الموصول «الذي» ومشتقاته والأبعاد الإنسانية والدلالات الأخلاقية التي اختزنها هذا الاسم الموصول الذي لا يعني شيئًا عندما يكون منفردًا، وتلك الأبعاد والقوانين الأخلاقية التي ولّدها «الإدريسي» من هذه المفردة، أبهرتني وزادتني خشوعًا وتسليمًا بعظمة هذا القرآن المبارك، وسوف نُفرد بإذن الله لها مساحة خاصة لما تنطوي عليه من أهمية، ولما فيها من أدلة وبراهين على ما سبق وسقناه من الفلسفة الخاصة لكل كلمة من القرآن الكريم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news