العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

(أنتم أعلم بأمور دنياكم)!!

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٠٢ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:15

جعل الله تعالى الإنسان خليفة في الأرض وقدر الله تعالى فيها أقواتها وما يصلح لمعايش أهلها من البشر والكائنات الحية، ولم يتركهم الله تعالى هملاً فأرسل الرسل وأنزل الكتب وأرشدهم إلى ما يصلح عليهم معايشهم ودينهم وختم الله تعالى الدين برسالته الخاتمة التي أكمل تعالى بها الدين وقال لهم (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسلام دِينًا) (المائدة 3). وكان لا بد لهذه النعمة الكبرى من دولة تحميها وتطبقها على منهاج الله وتطبيق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين المصطفى صلى الله عليه وسلم دعائم الإسلام الخمس وأركان الإسلام الستة. وأسس المصطفى صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام المدنية في المدينة المنورة وحدد حدودها ووضع صحيفة المواطنة لتنظيم العلاقة بين المسلمين ومن معهم في الدولة من غير المسلمين، وتعلم المسلمون أمور دينهم من المصطفى صلى الله عليه وسلم وبين لهم أنهم أعلم بأمور دنياهم (أي انشغلوا بأمور دنياكم فيما ينفعكم ويقيم أمتكم، ودبروها كيفما ترون أنه يعود بالنفع لكم)، ويدلل على هذا المعنى قول الله تعالى(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) (الأنفال 60)، وأعدوا القوة هنا يدخل فيه جميع أنواع القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصناعية والإعلامية (والتربوية والعلمية) وهذه كلها من أمور دنيانا التي تحتم علينا التحديات (والضروريات) أن نبدع فيها ونخترع ونطور (وننتج) بأقصى طاقتنا، وهذا هو التوازن العظيم والفهم الشامل للإسلام، وأخذ جانب وترك جانب سيعكس صورة سيئة عن الإسلام فالأخذ بالجانب (الأول) العبادي وترك الجانب الثاني (الدنيوي) سيؤدي إلى تخلف الأمة، وترك الجانب الأول سيؤدي إلى (سيادة) الخرافات والشركيات والبدع (في الدين)، والأخذ بالجانبين على حد سواء (وباتزان) سيؤدي حتمًا إلى أمة متقدمة عظيمة قوية قادرة على الدفاع عن مقدساتها وأراضيها وأبنائها وقادرة على أن تقدم مشاعل العلم والتقدم لجميع أمم الأرض. (حتى يغيروا ما بأنفسهم، عواد الزايد، دار كلمات للنشر والتوزيع، محافظة العاصمة: الكويت (ط 4) (ص 68) (2018م) بتصرف قليل).

وعندما فهم المسلمون هذا المنحنى التكاملي بين الأمور الدينية والأمور الدنيوية، والعلوم الشرعية والعلوم الكونية بنوا حضارة إسلامية علمية خلقية وازنت بين القوة المادية والقوة الخلقية، وقدموا للعالم حضارة فريدة لم تعرف التطهير العرقي وأسلحة التدمير الشامل وتلويث البيئة ونشر العنصرية، وتقدمت العلوم الكونية وظلت تقود مشاعل النور في الأرض عشرات القرون إلى أن دبَّ الوهن في نفوس أبنائها وفصل الدين عن الدنيا والعلوم الشرعية عن العلوم الكونية وأهملت العلوم الكونية وإعداد القوة العلمية فجاءتهم جحافل العدو مدججين بالأسلحة العصرية وهدموا دولة الإسلام الممتدة من إسبانيا إلى الهند والصين ومن جنوب المجر إلى عدن وانفرط عقد الوحدة الجغرافية للمسلمين وتبعها انفراط عقد الوحدة السياسية والاقتصادية والعسكرية والصناعية والعلمية والتربوية والإعلامية، ورسمت الحدود الاستعمارية وتم تقديسها والدفاع عنها وزرعت الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية بين المسلمين وحلت محل الوحدة الإسلامية والوحدة العقائدية، وأهملت شؤون الدنيا، وحوربت شؤون الدين، وحصر الدين في العبادات المحضة وتركزت التربية الإسلامية على هذه العبادات وأخفيت فرائض الزراعة والصناعة وإعداد القوة الشاملة وحوصر تعليم الدين في الأبواب الأولى من كتب الفقه من الغسل ونواقض الوضوء ورفع الجنابة والحيض والنفاس وغاب المفهوم الشامل للعبادة الذي يجعل تحصيل العلم عبادة، والزراعة عبادة والصناعة عبادة والتجارة عبادة والبحث العلمي عبادة والتفكير فريضة وتعمير الكون فريضة، كما ساد المفهوم المنقوص للعمل الصالح وحصر في الصدقات والزكاة وأهملت أوقاف نشر العلم وتشييد المدارس والجامعات والمصحات الوقفية، وحوربت اللغة العربية وفضلت عليها اللغات الأجنبية وحُصرت الوظائف العليا على خريجي المدارس والجامعات الأجنبية، وفي هذه البيئة الجاهلة باللغة العربية والعقيدة الإسلامية بدأ التشكيك في ألوهية القرآن الكريم وإعجازه وحوربت السنة النبوية الصحيحة وشوه التراث العلمي الإسلامي، وبدأت جحافل الشيوعيين والعلمانيين والمرجفين تعمل عملها في عقول الشباب وفتحت لهم الفضائيات وانتشر الإلحاد بين الشباب وأُلقيت الشبهات على عقول الشباب.

والمحرج لما نحن فيه من الضعف والتخلف والوهن أن نعود في تربيتنا ومناهجنا إلى التكامل والفهم الشامل للعلم النافع ليشمل العلوم الشرعية والعلوم الكونية.

وأن نهتم بأمور دنيانا ونبدع فيها ونهتم بأمور شرعنا ونبتعد عن الابتداع في الدين، وننشر الفهم الشامل للعبادة والعمل الصالح لنعيد فهمنا للإسلام إلى منابعه الأصلية من الكتاب والسنة ونعمر ديارنا بنواميس الله في الخلق ويكون شعارنا (اتق الله حيثما كنت)، (وأن الله تعالى يحب إذا عمل أحدنا عملاً أن يتقنه) وأن المرء بما يحسن في الصناعات والمهن والأشغال، وبما يفهم من أصول الدين ولا ينكر المعلوم منه بالضرورة ونهتم بالعمل والإنتاج اهتداءً بالهدى النبوي (إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها).

إنه منهاج العمل والإنتاج إلى آخر لحظة في الحياة، وعلينا أن نعمل بالهدى النبوي (اغتنم خمسًا قبل خمس حياتك قبل مماتك وصحتك قبل مرضك، وفراغك قبل شغلك وغناك قبل فقرك، وشبابك قبل هرمك) إنه المنهاج الإسلامي الذي شيدت على أساسه الحضارة الإسلامية التي سادت العالم لأكثر من ألف عام وكانت ديار المسلمين في قمة النور والعلم والعالم كله من حولنا في ظلام دامس وجهل شامل.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news