العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (48)

الجمعة ٢٦ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

بقلم: د. غريب جمعة

المرحلة المصرية (28):

مناقشة ما ورد في الحلقة السابقة:

أشرنا في الحلقة السابقة إلى ما ذكره الإمام – يرحمه الله – من أن نتيجة «بحث» الدكتور طه حسين تتلخص في ست جمل ونحن نذكرها هنا مرة أخرى حتى يكون القارئ على بينه من الأمر عند مناقشة الإمام لها.

نقض الإمام: تتلخص هذه النتيجة في ست جمل:

1- أقدم الشعراء يمنيون أو ربعيون. (نسبة إلى ربيعة)

2- قبائل هؤلاء الشعراء كانت تعيش في نجد والعراق والجزيرة.

3- اتصال القحطانية بربيعة أحدث نهضة أدبية.

4- هذه النهضة تجاوزت العراق والجزيرة ونجد، وتغلغلت نحو الحجاز.

5- الشعر الناتج عن اتصال القحطانية بربيعة ذهب ولم يبق منه إلا الذكرى.

6- الشعر اليمني قوي حين اتصلت اليمانية بربيعة.

أما الجملة الأولى: فلا ندري ما الطريق الذي دخلت منه إلى هذه النتيجة! والذي نعرفه من هذا الكتاب: أن المؤلف لا يرى لأسماء هذه القبائل قيمة، وينكر أو يشك في قيمة الأنساب التي تصل بين الشعراء وأسماء هذه القبائل فقد قال فيما سلف «لا نعرف ما ربيعة وما قيس وما تميم معرفة علمية صحيحة» أي: «لأننا ننكر، أو نشك على أقل تقدير شكا قويًا في قيمة هذه الأسماء التي تسمى بها القبائل وفي قيمة الأنساب التي تصل بين الشعراء وبين أسماء هذه القبائل، ونعتقد أو نرجح أن هذا كله أقرب إلى الأساطير منه إلى العلم اليقين».

وإذا كان المؤلف لا يعرف ربيعة، وينكر أو يشك في قيمة هذا الاسم وفي أنساب من يعزون إليها من الشعراء، فكيف يدخل في نتيجة بحثه شيئا ينكره أو يشك فيه؟! ولعل المؤلف كان على ذكْر من هذا الذي نحكيه عنه فاحتاط لنفسه وأضاف هذه النظرية، وهو أن أقدم الشعراء يمنيون، أو ربعيون إلى زعم العرب أو الرواة، ولكن هذا الاحتياط لا يبرئه من تبعة إدخال المزعوم في نتيجة يدعى أن الدرس المتقدم قد انتهى به إليها.

وأما الجملة الثانية: وهي أن قبائلهم كانت تعيش في نجد والعراق والجزيرة، فهو الموافق للرواية، ولا ندري ماذا يفعل المؤلف في امرئ القيس، فقد رجح أنه وجد حقًا، وأنه كان شاعرًا يمنيًا، وأبى للرواة أن يكون قد نشأ في نجد، وامرؤ القيس يمني، عده العرب أو الرواة في أقدم الشعراء، وما يروي من أخباره يدل على أن أسرته كانت تعيش في نجد فما الذي يمنع المؤلف من الاعتراف بأن أسرته من هذه القحطانية التي هاجرت إلى نجد واتصلت بربيعة؟

وأما الجملة الثالثة: وهي أن اتصال القحطانية بربيعة أحدث نهضة أدبية فمحتمل، غير أن قبوله يتوقف على إثبات أن القحطانية سبقوا ربيعة إلى نظم الشعر.

وأما الجملة الرابعة وهي أن هذه النهضة تجاوزت نجد والعراق والجزيرة وتغلغلت نحو الحجاز، ففيها شيء من ريح ما يقوله الرواة من أن الشعر كان في ربيعة، وانتقل إلى قيس ثم تحول إلى تميم «ولكن من ريحه ليس غير».

وأما الجملة الخامسة وهي أن الشعر الناتج عن النهضة القحطانية الربعية قد ذهب، ولم تبق منه إلا الذكرى، فمردودة على عقبها بأن الرواية المستفيضة على ألسنة الثقات وغيرهم تتلو علينا منظومات في هذه اللغة الأدبية. وتشهد بأن هذه المنظومات مُثل من شعر ربيعة في عهد الجاهلية وما يدعيه المؤلف من أن شعرهم ذهب ضائعًا، وأن هؤلاء الرواة أجمعوا على باطل، فحديث مطرود من ساحة القبول حتى يأتي صاحبه، ولو بمثل هذا الشعر الضائع، أو يقيم الشاهد على ضياعه وما حشره في الفصول الماضية كالمستدل على هذه الدعوى قد رأيتموه كيف ذهب، ولم يبق منه شيء غير الذكرى.

وأما الجملة السادسة وهي أن الشعر اليمني قوي حين اتصلت القحطانية بربيعة فلا وجه لجعلها نتيجة ينتهي إليها الدرس المتقدم، فإن المؤلف لم يبحث في الفصول السابقة، ولا في هذه الملاحظة أيضًا عن أولية الشعر بحث أهل العلم حيث يوردون مقدمات معلومة أو مظنونة ويصوغون النتيجة بمقدارها.

شعر مضر واليمن وربيعة:

قال المؤلف في (ص181): «فلنا في شعر مضر رأي غير رأينا في شعر اليمن وربيعة، لأننا نستطيع أن نؤرخه ونحدد أوليته تقريبًا ولأننا نستطيع أن نقبل منه بعض قديمه من دون أن تحول بيننا وبين ذلك عقبة لغوية عنيفة» وقال: «إن الشعراء الجاهليين من مضر قد أدركوا الإسلام كلهم أو أكثرهم فليس غريبًا أن يصح من شعرهم شيء كثير».

نقض الإمام: من يقرأ هذه الجمل يسبق إلى ظنه أن الشعراء الذين أتى المؤلف عليهم وحجز عنهم هذا الشعر الذي يُعزى إليهم أو قال: لا أدرس الحياة الجاهلية في شعرهم، كلهم من ربيعة ولكنه بحث في عبيد بن الأبرص وهو من بني أسد، وبنو أسد من مضر، وبحث في شعر علقمة وهو من بني تميم، وتميم من مضر، وقال: لا أدرس الحياة الجاهلية في شعر النابغة وزهير وكلا هذين الشاعرين من قيس وقيس من مضر.

وإذا كانت النتيجة هي إنكار شعر اليمن وربيعة وحدهما، فما باله يمشي في الفصول السابقة على إنكار الشعر الجاهلي بإطلاق، فيقول: «إن هذا الشعر لا يمثل اللغة الجاهلية» (ص24). وقال «إن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحًا» (ص29) ونحن نظن أن المؤلف وأنصاره «سيجدون كثيرًا من المشقة والعناء في حل هذه المشكلة».

وأما العقبة اللغوية فقد عرفت أن الذي أقامها هو المستشرق (مرجليوث) ووقف المؤلف في هذه العقبة يحسبها عنيفة، وما برح يصوت بأنها عنيفة وما هي بعنيفة، ولكن تقليد الغربيين في الآراء السخيفة عنيف.

هدم الآراء الحائرة والأقوال الخادعة:

انتقل المؤلف إلى الملاحظة الثانية فقال: «الثانية: أن الذين يقرأون هذا الكتاب قد يفرغون من قراءته، وفي نفوسهم شيء من الأثر المؤلم لهذا الشك الأدبي الذي نردده في كل مكان من الكتاب. وقد يشعرون مخطئين أو مصيبين، بأننا نتعمد الهدم تعمدا، ونقصد إليه في غير رفق ولا لين، وقد يتخوفون عواقب هذا الهدم على الأدب العربي عامة، وعلى القرآن الذي يتصل به هذا الأدب خاصة».

نقض الإمام: إن الذين يقرأون كتابنا (أي كتاب الأمام) هذا قد يفرغون وفي نفوسهم شيء من أثر الارتياح لهذا النقد الأدبي الذي نعالج به كل مكان من كتاب «في الشعر الجاهلي» وقد يشعرون مصيبين بأننا نتعمد هدم الآراء الحائرة والأقوال الخادعة، ونقصد إليه في غير رفق ولا لين. وقد يتخوف شركاء المؤلف عواقب هذا الهدم على دعايتهم الخاسئة عامة وعلى كتب أستاذ الجامعة التي تتصل بهذه الدعاية خاصة.

سبيل أهل العلم في الشعر الجاهلي:

قال المؤلف في (ص182): «فلهؤلاء نقول: إن هذا الشك لا ضرر منه ولا بأس به، لا لأن الشك مصدر اليقين ليس غير بل لأنه قد آن للأدب العربي وعلومه أن تقوم على أساس متين، وخير للأدب العربي أن يُزال منه في غير رفق ولا لين ما لا يستطيع الحياة، ولا يصلح لها أن يبقى مثقلاً بهذه الأثقال التي تضر أكثر ما تنفع وتعوق عن الحركة أكثر مما تمكن منها».

نقض الإمام: الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ثلاثة أنواع:

أحدها: ما لا يختلف الرواة في نسبته إلى قائل، ولم نلمح في لفظه أو معناه ما يخدش هذه النسبة المجمع عليها، فهذا صالح لأنه يستشهد به في اللغة، ولأن يؤخذ به في استطلاع حياة الجاهلية، حيث يكتفي في مثل هذا بمراتب الظنون قوية أو ضعيفة.

ثانيهما: ما يخالف في نسبته إلى قائله بعض الرواة المعتد بخلافهم ويذهب إلى أنه منحول، وهذا إن جاء عن طريق عربي مطبوع بقي صالحًا للاستشهاد به في اللغة من غير خلاف ولكنه يقصر عن أن يريك من حياة الجاهلية أثرًا واضحًا، فإن لم يُتلق هذا المنحول من عربي فصيح (وهو النوع الثالث) لم يعتد به في اللغة أو حياة الجاهلية وإنما يروي لما فيه من حكمة وبلاغة.

ولعل المؤلف لا يدري هذا السبيل الذي يسير عليه أهل العلم في الشعر الجاهلي، فنزع به قلمه هذه النزعة الشائنة وأراد أن يجعل لشكه قيمة ويضعه موضع الأساس الذي ستقوم عليه علوم الأدب العربي.

 (وإلى حلقة قادمة إن شاء الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news