العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

التراكم الأخلاقي.. (3/3)

الجمعة ٢٦ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

بقلم: عاطف الصبيحي

انتهى بنا القول في المقال السابق إلى أن القرآن الكريم لا يقف عند حد ذِكر المكارم الأخلاقية التي جاءت بها الرسالات السابقة على رسالة الإسلام والحث على التمسك بتلك الفضائل، كمبادئ سامية ماضية وراهنة وحضورها في المستقبل أمر مُسلم به على الإطلاق، مع ما يعتري المستقبل من تغيرات وتطورات هي أبرز ما يميز القادم من الأعوام وتلك سنة ماضية فينا لا طاقة لنا بها، وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على صدورها من مصدر علوي عالِم بما كان وسيكون سبحانه وتعالى. 

صيانة التراث الأخلاقي والمحافظة عليه هدف جلي من أهداف القرآن العظيم، ولكن هناك هدفا آخر ارتضاه الله لهذه الرسالة الخاتمة، رسالة تكميلية إن جاز التعبير، وهي على جانب كبير من الأهمية حيث من نافلة القول أن نقول إنها الرسالة الخاتمة، هذه الرسالة تمثلت في إتمام وإكمال الصرح الأخلاقي الذي جاء به الأنبياء الكرام السابقين على رسولنا الكريم محمد بن عبدالله عليه وعلى إخوانه أفضل الصلاة والسلام، وهذا عين المقصود من قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة.... إلى أن يقول فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين». بناء على هذا الحديث فمن الضرورة بمكان أن يحوي الكتاب الكريم بين دفتيه المنظومة القيمية الأخلاقية بشكلها النهائي المُلبي لحاجات الناس على اتساع هذه الأرض وعلى اختلاف الألسن، والآن جاز لنا أن نقول أن الأخلاق قانون روحي اجتماعي ورابط بين بني الإنسان، فالأخلاق كونية الطابع شمولية المنهج ربانية المصدر، غائية وليست وسائلية أو ذرائعية وقتية، وهذه نقطة جوهرية أوقفتنا على عتبة التمييز بين الأخلاق والأعراف التي لا تحمل طابع الثبات، وهي بقبولها التغير تنفي عن ذاتها قدسية المصدر الذي تتميز به الأخلاق.

فالقرآن أثبت ما جاء به الرسل وأضاف ما يناسب الإنسان بقية حياته طالما تعاقب الليل والنهار، ومن خلال التدقيق اللغوي في الحديث النبوي نخلُص للمعنى بشكله النهائي فسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قال: «إنما بُعثت لأُتمم مكارم الأخلاق» كل كلمة في هذا الحديث الشريف لها دلالتها اللغوية المؤدية المُتضمنة حمولات معرفية خاصة ومحددة، فقوله عليه السلام أُتمم فهذا يعني أن التمام لا يكون إلا لشيء قابل للزيادة وإن كان غنيًا بذاته إلا أنه لا يرفض الزيادة، وهذا بخلاف الفعل «أكملت» الذي استعمله التنزيل الحكيم ليقودنا إلى معنى ذي بُعد فلسفي عميق ونهائي حيث قال الله تعالى في سورة المائدة الآية الثالثة «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا» كمال الدين الذي لم يدع فيه زيادة لمستزيد وتمام النعمة التي تقبل الزيادة مهما تعاظمت.

 أستميح القارئ عُذرًا على هذا الخروج عن النص وما كان ليكون لولا ضرورات السياق التي استدعت هذا الحضور للمقارنة بين دلالات «أكملت» و«أتممت».

والسؤال الذي يفرض نفسه ما الزيادة التي جاء بها النبي الكريم واستدعته أن يقول: «إنما بُعثت لأُتمم مكارم الأخلاق» والإجابة عسيرة بشكل تفصيلي فلا بد من الاستدلال بأمثلة لعلها تفي بالغرض المقصود، ولنتناول تلك الأمثلة على القواعد العامة وعلى منهجية مثال على قاعدة.

في مجال الفضائل الشخصية أضاف القرآن عما سبقه من كُتب سماوية فضيلة النية عِماد الأخلاق وأساسها على الإطلاق، فسيدنا موسى في معرض تحفيز قومه والنهوض بالهمم أغراهم بأرض الميعاد، والنصر على الأعداء، والرخاء في الدنيا، أما سيدنا عيسى عليه السلام فافتتح رسالته بعهد جديد جاعل من أنظار أتباعه ترنو إلى السماء بشكل مطلق، وإعلان البراءة من الدنيا، وسيدنا محمد عليه الصلة والسلام ومعه القرآن أقام ذلك التوازن الدقيق بين ما نادى به موسى وما دعا إليه عيسى، ومع هذا التوازن البديع إلا إنه لم يجعله الغاية القصوى لعمل الإنسان بل سما به إلى مراتب أعلى وأدوم ألا وهي ابتغاء وجه الله وهو الخير المُطلق وهذا ما أراده القرآن لأمة محمد والناس أجمعين، «وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله» البقرة 272. وطَّد القرآن بهذه الآية ونظائرها أساس العمل وأساس الحساب «إنما الأعمال بالنيات...» فكانت هذه الإضافة بآثارها الجليلة على الناس أثناء تعاملاتهم مع بعضهم البعض، إنما هم يتعاملون مع الله جل جلاله فلا منَّ ولا أذى، من ثم، تستقيم الحياة على أكمل ما تكون الاستقامة.

أما فيما يتعلق بفضيلة العلاقات البينية «بين بني البشر» أو العلاقة مع الآخر الذي نصبه القرآن كمركز للكون وموضع الاهتمام الرباني البالغ، جاء القرآن مُقرًا لما ورد في الكتب السماوية السابقة ، فإن كانت شجرة الفضيلة أينعت في تعاليم التوراة والإنجيل فإنها مع القرآن أثمرت وآتت أُكلها كل حين على أشهى ما يكون الأُكل، فكانت الحضارة الأخلاقية قد نشرت نورها مع آخر آية نزلت من القرآن الكريم، ومهما تناكرها المُنكرون ستظل الشجرة التي يتفيأ بظلها كل مكتوٍ بنيران الجور والظلم فيرتد على عقبيه ليستظل بتلك الشجرة الوارفة التي لا تضيق بأحد، فهي ملكية عامة لمن شاء منكم أن يستقيم، ففي الأدب مع الآخر قنّن لنا القرآن الأمر بآية «وإذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا» النساء 86، وقعّد لنا قواعد ذهبية في الذوق الاجتماعي «... يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون» 27 النور، وختام الأمثلة في هذا الجانب «يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي» الحجرات 2. مع أن هذا التوجيه ذو خصوصية خاصة

وللحشمة آثارها الطيبة في النفوس فكان لها جانب من التأصيل القرآني «قل للمؤمنات يغضضن من أصواتهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن» وفي سورة الحجرات هناك توجيه رباني كفيل في حالة الالتزام به أن يصرف عنّا الكثير من العناء الذي نتكبده في حياتنا حيث يقول الحق سبحانه وتعالى «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه».

الفضائل العامة الجماعية توسع فيها القرآن الكريم لتأخذ شكلها الإنساني الجميل ففي التوراة هناك تخصيص لبني إسرائيل فأي خير يسديه الإسرائيلي ينبغي أن يتوجه به إلى الإسرائيلي بالضرورة، وهذا تحديد لم يقبل به القرآن فرفض الجغرافية التوراتية في إسداء الخير وأعطاه صفة العمومية، وهذا يتضح من خلال استعراض النص التوراتي الآتي في سفر التثنية 2:23 «للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا» والمسيحية أسقطت هذا الحاجز القومي ففي متى 46:5-47 «إذا أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم؟ وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون» التخطي القومي والجغرافي واضح في هذا النص الإنجيلي، والقرآن جمع بين الأُخوة في الله والأُخوة في «الإنسانية» وعند الاختلاف في العقائد يوصينا القرآن أن نتبادل الاحترام والمحبة والإحسان مع إخواننا في الإنسانية «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم».

وغاية العُسرة والشدة تكمن في حالة الحروب وتقابل الجيوش وهي حالة شبه غائبة عن الشريعة الموسوية والعيسوية لظروف أحاطت بنزول الرسولين الكريمين اختلفت عن الظروف التي أحاطت بالرسالة المحمدية، في تلك الحالات العصيبة ضبطها الله تبارك وتعالى ضبطًا بديعًا إنسانيًا بالغ الإنسانية «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» وهو تحديد صارم للفئة المستهدفة، وحتى الفئة المستهدفة لها فُرجة من هذا المأزق في حال توقفت عن القتال «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم» قواعد لا تصدر إلا ممن يتصف بالعدل المطلق والرحمة السرمدية، سبحانه ما أعظم شأنه، وهناك تفصيلات تتعلق بالعلاقات الدولية وفي حالات الحرب لا يتسع المقام لذكرها، حسبنا ما أوردناه من نصوص كنماذج للتدليل على الهيمنة القرآنية النابعة من الشمولية والكونية والمحفوظة بحفظ الله.

وما دمنا نتحدث عن الأُسس الأخلاقية فلابد من الإشارة ولو على عُجالة إلى شخصية إسلامية فذة أنفقت من وقتها الكثير في استجلاء القواعد الأخلاقية من القرآن الكريم وجمعت تلك الدرر في سفرين عظيمين الأول بعنوان دستور الأخلاق في القرآن الكريم وفيه يقارن ويقارع جهابذة الفلاسفة الغربيين وما توصلوا إليه من قواعد أخلاقية مع ما هو موجود في القرآن الكريم ونال على هذا السفر المبارك درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف من السوربون، والسفر الثاني المُعنون «مدخل إلى القرآن الكريم.. عرض تاريخي وتحليل مقارن» ارتأيت للتناغم مع عنوان المقال أن أذكر هذا العلاّمة الذي أنجبته مصر العظيمة، وهذه أبسط حقوق أصحاب الفضل علينا فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه، إنه الدكتور الشيخ محمد عبدالله الدرّاز، وقد أفردت له مقالاً خاصًا فيما مضى من الأيام، وبتنويه سريع بغرض الربط والتكامل بين الأفكار فقد كتب الأستاذ عبدالرحمن البنفلاح ما يربو على الأربعين مقالاً تحت عنوان عريض «جامعة الخير» وكليات تلك الجامعة، وجميع تلك المقالات تتحدث عن الفضائل أو قل الروائع الأخلاقية التي حثّ عليها القرآن الكريم، فجزاه الله خيرًا وأدام عليه الصحة والعافية. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news