العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا (3)

الجمعة ٢٦ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

بقلم: د. علي أبو هاشم 

الإنسان خليفة في أرض الله، وقد أمره الله تعالى بالإصلاح فيها، وعمارتها بالخير، وحذره من الفساد والإفساد. يقول تعالى:«هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب». هود: 61.

 لقد أرسل الله تعالى الرسل إلى الناس ليدعوهم إلى توحيده وعبادته وحده من دون غيره، ويهدوهم إلى طريق الحق والخير، فمن جملة من أرسلهم الله من الأنبياء: موسى عليه السلام. وهو من أولي العزم من الرسل، اصطفاه الله بالرسالة، وأرسله إلى فرعون ليدعوه إلى عبادة الله وحده، وفرعون يدعي الألوهية كما قال الله تعالى عنه: «وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري». القصص: 38. وقال تعالى عنه: «فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى». النازعات: 23-24. وكانت مهمة موسى عليه السلام إلى فرعون مهمة صعبة، حيث جبروت فرعون وعناده وغروره، فلما بلغ موسى عليه السلام الرسالة لفرعون وقومه أعرض واستكبر وجادل بالباطل ليدحض به الحق، ويصور القرآن هذا المشهد المهيب في سورة الشعراء. يقول تعالى: «قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ. قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ* قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ* قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ* قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ* قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ* قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ* قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ* قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ* وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ* قالَ لِلْمَلأ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ» الشعراء: 23-34. لقد تمادى فرعون في فجوره وطغيانه حتى أغرقه الله تعالى وجنوده، ونجي موسى ومن معه من بني إسرائيل، لكنهم بعدما رأوا الآيات التي أيد الله بها موسى. عليه السلام. ما لبثوا إلا يسيرا حتى طلبوا من موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلها يعبدونه فزجرهم ونهاهم، يقول تعالى: «وَجاوَزْنا بِبَنِي إسرائيل الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ». الأعراف: 138. ولما ذهب موسى. عليه السلام. لمناجاة ربه، عبدوا العجل من دون الله. يقول تعالى: «فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ. أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا. وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي» طه: 88-90. ويقول تعالى: «وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ. وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسمعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ». سورة البقرة: 92 - 93. فأصروا على عنادهم وأشركوا بالله تعالى، وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم. وآذوا موسى إيذاء شديدا فبرأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيها، مبرأ من كل عيب ونقص، يقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها». الأحزاب:69

 وهذا نبي الله عيسى بن مريم. عليه السلام. وهو من أُولي العزم من الرسل. عليهم الصلاة والسلام. أرسله الله إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، فكان أول ما نطق به وهو في المهد صبيا، كما جاء في قوله تعالى: «فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قالَ إِنِّي عبداللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا». مريم: 29 – 33. فكان أول ما نطق به أنه عبدلله ورسوله، أيده الله بالمعجزات الظاهرة التي تؤكد صدقه في رسالته، مثل إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى، وليس كما يزعمون أنه إله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. يوضح هذا ويؤكده قوله تعالى: «وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ. ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. المائدة: 116 -117. لقد أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، أرسلهم الله ليهدوا الناس إلى عبادة الله وحده ودعوتهم إلى طريق الحق، وتحذيرهم من الشرك، وهذا منهج النبيين والمرسلين جميعا، وما وقع للناس من انحراف في العقيدة ما هو إلا نتيجة لانحرافهم عن منهج المرسلين من لدن آدم إلى نبينا محمد. صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى: «ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» آل عمران: 79 – 80. حقا إن الغاية والحكمة من خلق الإنسان أن يعبد الله ويوحده ويمجده، في كل أحواله وأقواله وأفعاله وأعماله، فكل سعي في الأرض باسم الله وتوحيده هو عبادة، وكل حركة لإصلاح الكون باسم الله فهي عبادة لله وتوحيد له سبحانه، وهكذا نُحقق الغاية التي خُلقنا من أجلها. فاللهم وفقنا لطاعتك وحُسن عبادتك. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news