العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

العقل والمنطق في سورة غافر (2)

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٢٦ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

- يواصل مؤمن آل فرعون نصيحة قومه، قال تعالى: «يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ» (غافر 39-40). قال الشوكاني رحمه الله: (أي من عمل في دار الدنيا معصية من المعاصي فلا يجزى إلا مثلها ولا يعذب إلا بقدرها، ومن عمل عملاً صالحًا مع كونه مؤمنًا بالله وما جاءت به رسله (فأولئك) الذين جمعوا بين العمل الصالح والإيمان (بالله) «يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ»؛ أي  يرزقون رزقًا حسنًا وافرًا بغير تقدير أو محاسبة وقال مقاتل: يقول: لا تبعة عليهم فيما يعملون في الجنة من الخير) انتهى.

- هكذا يبين العبد المؤمن أن الحياة الدنيا القصيرة والمليئة بالمشكلات والمتاعب هي دار العمل وسوف ننتقل بعد ذلك إلى دار الاستقرار والنعيم المقيم في الجنة، تلك الجنة التي ينكرها الملحدون ويتهكمون على ما فيها من نعيم مقيم وخير وافر عميم إنهم يريدون الدنيا دارا للمتع بلا قيود بالحلال والحرام وهنا يقول الرجل المؤمن لقومه كما قال تعالى: «تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إلى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ» (غافر 42).

- ويقول الله تعالى للمجادلين بالباطل: «إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (غافر 56).

- وبعد هذا الحوار في الغيبيات من الجنة والنار يأتي الله تعالى بآيات كونية مرئية للجميع وقابلة للإثبات العلمي قال تعالى: «اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ» (غافر 61).

- فمن نعم الله هذا الليل الذي نستريح فيه من عناء العمل طوال النهار، ومنَّ علينا بالنهار المضيء الذي نبصر فيه البيئة من حولنا من دون الحاجة إلى مولدات إنارة صناعية تعجز البشرية على إمدادها بالطاقة لإنارة الجزء المضيء نهارًا بضوء الشمس. وقال تعالى: «اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» (غافر 64). إنه المزج المعجز الذي نراه منهاجًا واضحًا في معظم سور القرآن الكريم حيث يأتي الله تعالى بآيات شرعية يتبعها بآيات كونية، أو يأتي الله تعالى بآيات كونية يتبعها بآيات شرعية ليدلل على صدقه فيما لا نعلم بصدقه فيما نعلم.

- قال تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (غافر 67).

- هذه الآية تحسم عديدا من القضايا التي تاه في تعريفها عديد من الباحثين واسندوا فعلها إلى الطبيعة الصماء فالإنسان مخلوق من تراب والدليل على ذلك أنه عندما يموت ويتحلل يعود إلى مكوناته الأصلية وهو التراب بما يحتوي من معادن وأملاح، وقد كذب الماديون وقالوا صنعت ذلك الطبيعة ولكن الله تعالى يخبرنا أنه هو الخالق لنا من تراب وهذا غيب أنبأنا به الله ثم أنبأنا بحقيقة علمية علمناها بالدراسة والبحث في علم الأجنة فقال تعالى: (ثم من نطفة)، والنطفة هي البويضة المخصبة (من نطفة أمشاج)، والأمشاج هي الأمشاج المذكرة (الحيوانات المنوية) والأمشاج المؤنثة (بويضات المرأة) ثم تتحول النطفة إلى علقة (ثم من علقة) وهي البويضة المخصبة عندما تعلق بجدار الرحم ليبدأ الحمل وتكوين الجنين الذي يخرج بالولادة طفلاً كاملاً لتبدأ مراحل نموه إلى الغلام والشاب القوي (ثم لتبلغوا أشدكم) الذي يتحول إلى الشيخ (ثم لتكونوا شيوخًا) وكل هذا من قدرة الله المحيي المميت «فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ» (غافر 68)، فمن كفر بالله وأنكر وجوده سبحانه وتعالى وأنكر فعله في المخلوقات فقد استحق العذاب قال تعالى: «أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ» (غافر 69)؛ أي كيف يصرفون من الإيمان بها مع قيام الأدلة الدالة على صحتها وأنها في أنفسها موجبة للتوحيد وهم المشركون (فتح القدير). «أَلَمْ تَر إلى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ» (غافر 72). ثم قال تعالى: «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» (غافر 77)، وبعد بيان مصير المكذبين وما ينتظرهم من العذاب تأتي الآيات الكونية، قال تعالى: «اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ» (غافر 79-80).

- ثم يبين الله تعالى المنهاج العلمي في بيان حال المكذبين السابقين فقال تعالى: «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ» (غافر 82)، فهذه الشواهد موجودة في آثار الفراعين وثمود وعاد شاهدة على قوة وكثرة الذين طغوا وبغوا وكفروا وعاندوا «فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ» (غافر 84-85).

- وهكذا تعلمنا سورة غافر أهمية العقل والمنطق والحوار والبحث والعبرة في بيان الحق ومعرفة الحقيقة بأسلوب علمي بحثي عقلي عظيم. هذا وبالله التوفيق.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news