العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الثقافي

في الذكرى الرابعة لرحيله:
«عبدلله خليفة» حاضر راسخ بفكره وإبداعه!

السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ - 10:19

لم يطوى أثر عبدلله خليفة برحيله، بل ظل راسخا في الوجدان الثقافي البحريني، كعراب للرواية البحرينية، وأحد أبرز الكتاب اللامعين الذين خلفوا نتاجا إبداعيا نوعيا ضخما تراوح بين الأدب من قصة قصيرة ورواية، ومجالات النقد والتحليل والبحث السياسي والتاريخي. تحل الذكرى الرابعة لرحيله ولا يزال أديبنا الوفي للهم الإنساني والاجتماعي في طرحه، حاضرا بإرثه الفكري في الأذهان الثقافية. وفي هذا الإطار أجمع عدد من الكتاب والنقاد البحرينيين على أن رحيل «خليفة» أحدث فراغا كبيرا في المشهد الثقافي والأدبي البحريني ليس من السهل شغله. يقول الناقد الدكتور حسن مدن أن رحيل عبدلله خليفة أفقد الحركة الثقافية والأدبية في البحرين ومنطقة الخليج العربي، واحدًا من أبرز وجوهها «فهو أحد أبرز رواد الرواية في بلاده وفي المنطقة. كما كان قبل ذلك، أحد أبرز كتاب القصة القصيرة وأغزرهم إنتاجًا». ويشير مدن إلى أنه بالإضافة لعطاء عبدلله خليفة الإبداعي، فإن له انشغالات نقدية على النصوص السردية، سواء كان في المنطقة أو حتى على الصعيد العربي. وقد شارك في الملتقيات الأدبية التي أقيمت في البحرين ودولة الإمارات والكويت والقاهرة وغيرها بدراسات مهمة حول المشهد الروائي في منطقة الخليج. ويلفت إلى أن عبدلله خليفة انهمك في مرحلة لاحقة من نضجه الفكري، في دراسات معمقة في التراث العربي الإسلامي، كان من حصيلتها بحثه الموسوعي عن النزعات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية. كما استوحى أعمالاً روائية من سيرة شخصيات بارزة في التاريخ الإسلامي.

ويؤكد أن عبدالله خليفة يشكّل نموذجًا نادرًا بين أقرانه من حيث انصرافه الكلي إلى البحث والقراءة. وقد تجلى ذلك في غزارة إنتاجه في حقول الإبداع والبحث، وعلى الرغم من العدد الكبير لرواياته ومجموعاته القصصية وأبحاثه المنشورة في كتب، إلاّ أن هناك الكثير من المخطوطات التي أنجزها ولا تزال تنتظر أن تنشر. ومع دأبه وجهده ومثابرته في الإنتاج، فإنه حبذ أن يكون بعيدًا عن الأضواء، وجنح إلى العزلة.

أما الناقدة أنيسة السعدون فتشير إلى أن الأثر الذي خلّفه غياب الراحل الكبير عبدالله خليفة على الساحة الثقافيّة والأدبيّة يمكن تلمسه من خلال الوقوف على ما تنطوي عليه تجربته الثقافيّة والأدبيّة من جدل إشكاليّ بين الذات وما ينحاز إليه من تصوّر آيديولوجي وطرح معرفيّ نقديّ يتبنّاه الكاتب في إطار مشروعه الثقافيّ ورؤيته الفكريّة ورسالته الفنّيّة.

وتوضح أن جميع هذه الأطر تبنّاها بقوّة الفعل «فهو مثقّف تنويريّ، وأديب ملتزم، وناقد فذّ، ومشارك فاعل في كثير من التحوّلات السياسيّة والثقافيّة والفكريّة والاجتماعيّة والأدبيّة، ومنخرط باليوميّ وما ينضح به من أسئلة وموضوعات، ومتحرّر من حدود ذاته الضيّقة، ومقترب من الجماهير، وواقف على همومها وتطلّعاتها، ومؤمن بضرورة التغيير نحو الأفضل. وكلّ ذلك يؤهّل مشروعه الثقافيّ لأن يكتسب مكانة مؤثّرة في المجتمع، ويكفل لتجربته الأدبيّة جاذبيّة ضافية تكتسب من ورائها مقروئيّة واسعة، وتستفزّ القرّاء إلى تبنّي رؤية أكثر اتّساعًا تنشط معها قوى الوعي والفعل». 

وتؤكد السعدون أنه قلّما نجد من الكتّاب البحرينيّين من يحذق ذلك بالشكل الذي انعكس في وعي خليفة ثمّ انتقل إلى كتاباته في صورة مواقف فكريّة ورؤى فنّيّة قريبة من ذاته، وقريبة من مجتمعه ووطنه، وقريبة من جوهره الممتدّ في بعده الإنسانيّ «وكأنّ الراحل سخّر فكره ورؤاه وموهبته لخدمة تلك القضايا التي تشكّل الرأسمال الرمزيّ للإنسان. وبالانطلاق من موقفه المسؤول والملتزم كان يعي تمامًا أنّ أيَّ أثر تحيد رسالته عن هذا المغزى سيكون مصيرُه الذبول؛ لأن الإنسان هو المقياس لكلّ شيء، وهو الغاية من كلّ شيء، وهو الصانع لمصيره، وهو المسؤول عنه».

وتتابع «لعلّ من أبرز ما كان يميّز التجربة الكتابيّة عند خليفة تراكمها وانتظام صدروها؛ ممّا أهَّلَهُ لأن يكون أغزر كتّاب البحرين إنتاجًا، وأكثرهم حرصًا على فعل الكتابة؛ وهو ما فرض قيمة تجربته ورواجها، وعمق صداها، وجدارتها بالمتابعة النقديّة خارج النطاق المحلّيّ، كونها تمتلك وعيًا نقديًا بفعل الكتابة وشروطها وأدواتها ومقاصدها».

من جهته، يشير الشاعر علي عبدلله خليفة إلى أن الروائي الراحل عبدلله خليفة صوت مميز في الحركة البحرينية الأدبية كان الأبرز على مدى سنوات في الساحة الروائية الخليجية، إلى جانب تميز مقالاته الأدبية والفكرية، وإشراقه بنشاط على الصفحة الثقافية بجريدة أخبار الخليج.

ويؤكد إن غياب هذا الصوت الأدبي عن ساحتنا الثقافية ترك أثرا بليغا، إذ لم تشهد الساحة مثيلا أو رديفا لما مثله من فكر وإبداع «غياب مبدع بحجم الراحل ونشاطاته المتواصلة في مجال النشر يترك فراغا ذا أثر، فالروائي عبدلله امتاز بالتزامه خطا فكريا وسياسيا دمغ كل نتاجاته، وكان جليا في مواقفه الحياتية وحواراته الصحفية، وكان مدافعا شرسا عن الطبقة العاملة، وتجلى ذلك في اختيار شخوص رواياته ومواضيعها وكان طموحا في العمل على استجلاء تاريخ الأمة العربية محاولا إعادة كتابة التاريخ من زاوية اعتقاده».

ويرى الناقد جعفر حسن أن عبدالله خليفة علامة بارزة في السرد البحريني علاوة على منجزه الفكري الذي نشر تباعا، ومساهماته في النقد بكتاباته المتعددة على صفحات الجرائد المحلية والعربية وما نشره من كتب، ودوره في الحراك الاجتماعي والسياسي. 

ويلفت حسن إلى أن عبدلله خليفة أسهم في توطيد المسار السردي من الواقعية الاجتماعية فيما كتب من روايات وقصص قصيرة، شكل عبدالله خليفة بها ذخيرة روائية وقصصية عاصرت التحولات الاجتماعية في البحرين من الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد النفط، وعبر عن ذلك فيما كتب متلمسا عذابات الإنسان في الماضي والحاضر.

ويوضح «لعله يشكل أحد أعمدة ما يمكن الرجوع إليه للتعرف على أنماط كتابة الرواية والقصة القصيرة بالنسبة للكتاب الجدد الذين يظهر لديهم نزوع نحو العاقبة الأخلاقية التي كانت من سمات بدايات كتابة السرد الأدبي في البحرين وسيادة النفس الرومانسي والذي تجاوزه عبدالله خليفة في واقعيته الأدبية بتقنياته المتعددة في كل من الرواية والقصة القصيرة».

أما الروائي محمد عبدالملك فيصف الراحل عبدلله خليفة بمنجم الرواية البحرينية الحديثة بالقول «منح عبدلله خليفة الرواية البحرينية الكثير من جهده ووقته، وحقق فيها إنجازات مهمة، وكان الأكثر غزارة وتنوعا بين كتاب الرواية في البحرين وربما في الخليج العربي، وفي هذه الروايات غطى عبدالله أزمنة متعددة من تاريخنا القديم والحديث، بدأ من فترة الغوص في رواية (الهيرات)، حتى الفترة النفطية التي زخرت بالتناقضات الحادة التي غذت الرواية في عموم الخليج العربي». 

ويذكر أن عبدلله خليفة متعدد العطاء، وتنقل بين الرواية والقصة القصيرة والنقد الأدبي، والكتابة الفكرية، وأثرى هذه الحقول بالعطاء المتواصل على مدار نصف قرن، وكانت له مشاركات في الكتابة الصحفية التي عالج فيها الشأن العام، فالكتابة عنده بالإضافة إلى أنها غاية فهي وسيلة للتقدم والبناء والتنوير، وهو بذلك يشارك المجتمع بعلمه وثقافته وخبرته. وكان في كل الوقت منفعلا وفاعلا في المحيط الأدبي والثقافي. 

ويشير عبدالملك إلى أن هاجس عبدلله خليفة كان كتابة روايات وقصص المهمشين والمناضلين والمعدمين فقد عاش عبدالله في حي عمالي، قريبا من حي العدامة المبني من سعف النخيل، فاختبر الحياة في القاع السفلي، وكان في كتاباته متألما وحالما كبيرا «وهو صرح كبير لا يتهاوى أو يعجز أو يهادن، وقدوة في الولاء والوفاء للكتابة. كان عبدالله قارئا نهما متعدد العطاء، فأبلى بلاء حسنا في كل الميادين. وقد ترك لنا ذخيرة حية من النتاج الأدبي والفكري». 

بدوره، يعتبر الكاتب والقاص حسن بوحسن الأديب الراحل عبدلله خليفة قامة أدبية عالية ورمزا شامخا، ورقما صعبا في الحسابات الروائية البحرينية العربية، مشيرًا إلى استمرارية طيلة حياته مع القلم عبر إصدارات متنوعة حاول فيها كشف عوالم عديدة منها ثقافية وأخرى اجتماعية وسياسية ودينية «ولكن جلها تذهب في الكشف عن مكامن الألم والمعاناة والتحولات التي تعيشها الطبقات المجتمعية، ليدور بها في البلدان العربية والعالمية حاملا على كاهله مسؤولية إنسانية بحتة».

ويوضح بوحسن أن قلم عبدلله خليفة تصدى للنقد المحلي بتناوله خامات عديدة من المنجزات الأدبية البحرينية في القصة القصيرة «إذ يكاد يكون عبدالله خليفة الناقد الأبرز أو الأوحد الذي يعطي النتاج الأدبي الجديد حقه من المتابعة وعلى العكس ممن يدّعون النقد وهم بعيدون عنه، ومن هنا نتلمس الأثر والفراغ الذي خلّفه غياب الأديب والمفكر والناقد والأديب والقاص عبدالله خليفة على الرغم من استقبالنا يوميا بالعديد ومن إنجازاته الجديدة، التي ظهرت بعد رحيله».

وينظر الكاتب أحمد المؤذن إلى نتاجات عبدلله خليفة بأنها متشعبة الاتجاهات المختلفة من فكر وفلسفة ونقد، بالإضافة إلى النتاج الأدبي، معتبرا «خليفة» بما أنجزه من عالمه السردي، قد ترك علامة إبداعية فارقة في الكثير من المجاميع القصصية والأعمال الروائية التي صور فيها مجتمع البحرين متوغلا بعوالم مبهرة من حرفية الكتابة.

وعن الأثر الذي خلفه غيابه يقول «قامة كبيرة بحجم الراحل عبدالله خليفة بلا أدنى شك، تركت فراغـًا ليس من السهل أن يسده أديب آخر في الساحة البحرينية، إن مقدار عطاء هذا الكاتب يفرض اليوم المزيد من التحدي على الكتاب والمثقفين، لكون كتب» خليفة «تتابع صدورها بوتيرة طبيعية لا تصدق وكأنما روحـه بيننا تحوم ولم تغادر الدنيا!».

ويضيف المؤذن «حتى هذه اللحظـة فإن غياب «خليفة» والذي كان بنشاطه عبر المهرجانات والأعراس الثقافية العربية، متحدثا ومحللا ومحاضرا ناقدا للحراك الأدبي في البحرين، أنصف المشهد السردي البحريني ولم يترك أيما قلم جاد سجل بصمته في عالم السرد إلا وتعرض لتجربته بالنقد البناء، من المفارقات أننا إزاء كاتب اهتم بالجميع وقلما أوليناه الاهتمام أو حتى احتفلنا به».

ويلفت الكاتب والقاص مهدي عبدلله إلى أن رحيل عبدلله خليفة أفقد الساحة الثقافية البحرينية أديبا مفكرا لا يمكن تعويضه، معتبرا إياه قامة عالية في مجال الثقافة والفكر والأدب، وأحد أبرز رواد القصة القصيرة الاجتماعية في البحرين.

ويشير إلى أن عبدلله خليفة تميز بنتاجه الغزير المتنوع بين الرواية والقصة والتراث والفكر «وكان رجلا وطنيا وكاتب عمود صحفي سياسي يومي يتناول فيه القضايا المحلية والعربية والعالمية، إضافة إلى تحريره الصفحة الثقافية في أخبار الخليج والأضواء لسنوات طويلة كما رأس تحرير مجلة كلمات التي تصدرها أسرة الأدباء والكتاب لأكثر من عشر سنوات، وكان متفرغا للكتابة يرضى بالقليل من المردود المادي من اجل إنجاز مشروعه الكتابي فأنجز الكثير من الكتب التي لم تسعفه ظروف المرض ان يراها وهو على قيد الحياة لكن الأمل أن تواصل عائلته اصدار كتبه ورواياته المخطوطة».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news