العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الثقافي

تجربتي في الرواية

السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ - 10:18

بقلم: عبدالله خليفة

     كانت عائلة صغيرة قد قدمتْ من بلدةٍ بحريةٍ «الحد» وسكنتْ مدينة المنامة في مجمعٍ كبير من البيوتِ المصنوعةِ من سعف النخيل. فقدَ الأبُ ورثَ أجدادهِ البحارةِ أصحابِ السفن والغوصِ على اللؤلؤ والتجارة، وصار عاملا زراعيا في شركة النفط بأجر قريبٍ من التراب، وبسببِ هذا الانتقال إلى هذه المنطقة المليئة بالأحداثِ والجماعات السياسية وضعني والدي في بؤرة الصراع، وكرسني في المدرسة بقسوة، ثم اشترى لي بعضَ السير الشعبية البطولية والأم قدمت لي الشعر العامي والأغاني، ثم رفضا ثمار هذا التحول.

فهي قبل أن تموت، وفي زمنِ عصفِ الشباب السياسي، وكانت الغرفة تمتلئ بدخان أوراق التقارير السياسية المحروقة، قالت لي أمي: «دع عنك هذه الأوراق».

كانت الأوراقُ كثيرة: منشوراتٌ وتقاريرٌ وكتبٌ ومجلاتٌ ومعها أصدقاء كثيرون، وخلايا في حارات المدينة، وثمة أحلام كبيرة بتغيير الوطن والعالم، ووقوفٌ صامدٌ طويل مرهق أمام عيون الطلبة في الصباح.

كانت أوراقٌ كثيرةٌ تحترقُ أو في طريقها إلى الاحتراق، فحين جاءت الشرطة في صبيحة يومٍ أغبر هو الثالث والعشرين من أغسطس 1975، يوم حل البرلمان في البحرين، أصر العريف على حمل كل كتبي عن التراث الإسلامي ونصوص الروايات وكتب الفكر إلى كتب الجيب، فسألته وما دخل كتبي؟ لماذا تريد أن تأخذها هي الأخرى؟

معتقدا بأنني سأعود إلى هذا البيت الهادئ بعد زمن قصير، ولكن العاصفة أخذتني طويلا.

فيما بعد رأيتُ المحرقة عند بوابة قلعة المنامة، فكانت براميل سوداء لا تختلف عن أي براميل للحرق، وفي خطوطها السوداء المتفحمة رأيتُ مصير الثقافة والرواية في عالمي!

في زمنِ تعليم الأطفال والأولاد تصعب الكتابة الأدبية، وفي زمن الطرد من مهنة التعليم بسبب الدعوة إلى إصلاحها، والاشتغال في صحافة التحقيق المنتوف الريش والأظافر، تصعب الكتابة الإبداعية، فاللهث وراء اللقمة وكتابة حروف انعكاسية عن الأسعار والأكواخ، تمزقُ آخرَ ما بقي من رقة وخيال!

والآن أطبقتْ أسوارُ السجن، ووقفت القبضاتُ الصلدة على الباب، فلا ترى العينُ سوى الجدران، أو الأصدقاء، ولا تسمع سوى شريط الماضي يتدفقُ صورا، وكتلة الأحجار والقبضات مكونة من أجل أن تنتزع آخر ما بقي في رأسك من حلم، وآخر ما في روحك من حروف.

ولكن عليك أن تقرأ سواء من مكتبة السجناء الفقيرة أم من جريدة تحصل عليها، والجريدة ليست سوى أوراق ملوثة عليك أن ترفعها من برميل الزبالة وتخبئها في فوطتك وأنت متجه إلى دورة المياه في الصباح البارد.

كلُ شيءٍ يدعوك إلى الموت الثقافي، الصراخ والعلبة الإسمنتية الصغيرة ووجود الرفاق المستمر فوق رأسك، وغياب الشاي والهدوء والنساء.

لكن الكتابة في الظلام ممكنة، حين يختفي النورُ منذ العصر، يمكنك أن تخربش فوق الورق المعتم، وتملأ رأسكَ بالحبكات القصصية، التي تكبرُ كل يوم من اليوم السجني الطويل، تتعثرُ بالأرز اليابس، أو بشوربة العدس الأقرب للقيئ، أو بأشباح النسوة لكن الكتابة تنمو فوق الأرض الحقيقية، تسحب الصواري من عند البحارة الذين غطسوهم موتى وهياكلَ خاليةً من المعنى في قعر الخليج، فتغدو الروايةُ الكبيرة المخططة في الرأس روايات عديدة.

كتبتُ روايات عدة على أوراق السجائر وعلب الصابون في السجن، مثل: الدرويش والذئاب، ولا مكان للصعلوك بين الملوك.. ورواية عن شهر زاد المسجونة بعد قصصها المثيرة للقلق، ولكنها كلها لم تـنشر، كانت مليئةً بالخيال وخاليةً من العظم الإنساني، وشخوصها كأشباحٍ تمشي في زمان بلا مكان، إذ تحدثت عن شخصيات تكون هاربةً منسحبة إلى أدغال ذاتية رمزية، وإذ ثارت تكون ثورتها مسيّسة صارخة. وهي بلا وطن معين، وبلا بشر منتمين إلى بنية موضوعية.

لكن في سنينك العجفاء الحجرية هذه قد تتصاعد إرادتك وقد تذبل. قد تحول ذكرياتك وعلب الصابون إلى نسيج من الكلمات، وقد تفقد إيمانك ودورك وتصبح كلماتك من أجل أناتك فقط.

هذان طريقان من طرق عديدة قد رأيتها فيّ وفي الآخرين، والرواية تتشكلُ هنا كمحاولةٍ لهدم السياق النثري التبسيطي، ولهذا تزخرُ باصطناع أدوات تقنية لعدم الوقوعِ في سطوة الجدران والصراخ الليلي لأناشيد المعتقلين، ومن هنا ترفد بخيالٍ فسيح، تسمحُ به أيامُ وليالي الفراغ الطويلة ، ومن جهة الدلالة تقومُ بالانغراس في جذور الأرض لأن كل يوم هو لحظة ألم وأمل، وخاصة أن أرواح السجناء الحية تتعفن أمامك. يصبحُ الماضي ملاذا مهما. فتنسجُ من ذكرياتٍ وقصص متشظيةٍ يرويها الأبُ عن زمنِ الغوص، ومن استدعاء لتاريخ الخليج بسفنه واحتفالاته وطقوس بحره، ومن كتب الخلايا الوطنية المليئة بروايات المقاومة، ومن أحاديث وموضوعات السياسيين والمؤرخين، ومن لفائف السجائر وخيوط العنكبوت الغازلة للرماد والتراب والحرير، ومن موتِ الأم المفاجئ السريع، فتطلع إشعاعاتٌ ويتشكل وميضٌ، وتتشكل الشخصية المأزومة المقاومة لب الحياة في قص من هذا النوع، وهكذا تظهر القصص القصيرة أما أن تكتب رواية فأي ورق هنا وأي دار نشر ستنشرها وأين الأقلام؟!

كذلك فإن للرواية نسيجا حدثيا وشخوصا كبيرا، متشابكا، ومتناما، والرواية في البحرين وقتذاك زمن أواخر السبعينيات من القرن الماضي لم تظهرْ، فكيف ستظهر من السجن؟

كانت الجدرانُ تحيطُ بنا، في الداخل والخارج، فذاكرة بشرنا ممسوحة من الملاحم، ولا يوجد لنا أرشيف إبداعي، وحتى تاريخ مسجل وقتذاك، ولهذا كان الأمر يتطلب الكتابة الروائية حقا، ومن قعر تلك القفة الحجرية، في معسكر في الصحراء، في صندوق من الخشب معمي العينين، إلا من ثقوبٍ صغيرة تحددُ لك أشباحَ القادمين المفاجئين، يمكنك أن تكتبَ روايتك الأولى على قراطيس السجائر. والروايةُ سواء كُتبت في قصر أم في مركز للإعدام في سافرة مركز تدريب قوات الشغب، فإنها لا بد أن تأخذ شهادتها الشرعية من بنائها.

كانت الرواية الأولى التي نــُشرت لاحقا باسم «اللآلئ» بها الشرارة التي بحثت عنها. هنا وقفتُ على أرضي، هنا تلفتُ فوجدتُ وطني. رأيت أبي وخالي وأمي. رأيتُ السلاسلَ والأزهار والأساطير. إنها عن الربان المغامر، عن النوخذا القاسي الذي يؤخر سفينته بعد انتهاء موسم الغوص طمعا في المزيد من اللؤلؤ الثمين فيُواجه بعاصفة مفاجئة تطيح بالسفينة على إحدى الجزر.

ليس عرض صراعات الغوص، وظلالها المعاصرة، هي فقط ما شدتني إلى تلك الشخوص التي ظهرت فجأة بل أيضا اللغةَ المتشظية المنفجرة المتداخلة سردا وحوارا والراجعة دائما إلى الوراء بحثا عن خيوط الشخوص وأسرار المكان. إنها عودة دائبة إلى الزمن الخلفي كمحراث أساسي في شق تربة الحاضر أمام تطورات الصراع المشهدي المتفاقم باستمرار.

هذه اللغةُ التي أحببتُ أن ترافقني وأنا أعيدُ النظرَ الفني في تاريخ الخليج وزمنه الراهن، وألا تتوقف مسيرة الغواصين عند جزيرة النوارس الفارغة من التاريخ والبشر في «اللآلئ»، بل أن تمتدَ خيوطُ السرد من قلب البحر إلى الطوابق المتعددة المهدمة المتصارعة المتشكلة في روح الإنسان وفي بنى الاضطهاد المتصاعدة.

وأنا في السجن وفيما بعد في أحداث الحياة الحافلة وفي البطالة الطويلة والتشرد المنزلي وكتابات الصحافة، انشغلت بالتقنية التي راحت تتهدم وتنبني بإيقاعات مضطربة ، خائفا دائما من أن تأكلني التقارير ولغة الصراخ. كان الصراخ هو الانفجار النفسي والفني الوحيد الممكن في شريط حجري محاصر. كثيرا ما نصرخُ في الليل موقظين الصحراءَ العسكرية إلى فقداننا الهواء، خائفين أن نفقد الفن وخائفين أن نفقد اللغة والحياة فجأة، وهذا الشعور يدفعنا إلى المغامرات الفنية بأساس حينا ومن دون أساس حينا آخر، فقد تشبعنا من مسامير الواقع وصدئه الكثيف في أعمال الانعكاس، ومن هنا أخذتُ في التركيب الشخوصي والحدثي وفي تعدد الرواة إلى درجة التداخل الشديد أحيانا كما في «القرصان والمدينة»، فشخصية المدرس المحورية لم تكن تروي وحدها حدث خطف زوجته من قبل الفنان الكبير كامل، بل إن الربان المتهم بالقرصنة كان يروي كيف خان الثورة وسلم مراكبه للعدو.. روايتان على مستويين زمنيين مختلفين متداخلين، فيهما هذا الطموح بمعالجة التراث والعصر معا.

وفي اللغة التي تغدو غايةً غير منفصلة عن المعمار، وفي الشخوص والأحداث المركبة وفي التكثيف تكونت أساسيات الروايات الأولى، «اللآلئ»، «القرصان والمدينة»، و«الهيرات» (أي المغاصات)، و«أغنية الماء والنار»، و«امرأة»، «والضباب»، وكان عليها أن تتغير مع تبدل حالة الكاتب وهو يخرج من العزلة ويكتشف بنية المجتمع المتحولة.

حين جاءت الثمانينيات خرجتُ من بين الجدران، بأعمال قصصية وروائية مخزنة في علب الحلاقة، وكان عليها أن تخرجَ من بين السوائل عبر آلة كاتبة قديمة أخذت تشتغلُ فوق طاقتها، في بيت أبي الذي لم تعد فيه أمي موجودة لكن كثرت فيه الأوراق التي لم تكن تحبها. وقد كلمت أشباحها الكثيرة إنني لم أحرق الورق فقط. والوطن لم يعد هو الوطن فثمة أحياء أخليت من العقل واجتاحها جنونُ الدكاكين الأجنبية، وغدا فيها البشر حصالات متجولة. تعملقت الدولة وصارت حوتا يبلعُ البشرَ ومالَ الناس والقيمَ وصار بيع الروح واللسان هو الخيار الوحيد لتحصل على عمل ومسكن.

عادت هنا لغةُ التواصل المباشرة وانقطعت استراحة المحارب الشعرية، وعاد القاص المنعزل إلى صحفي على أرض ملأى بالحطام وبفتات المناضلين وباستيلاء الماضي السحري والديني على الحاضر الضائع وبازدهار الغموض وعبادة الأشكال.

كنت أمشي نحو المجلة التي اشتغلتُ فيها أكتبُ فيها تحقيقات حامضة، أركض نحو المزارع والأحياء، وأوقن أن مسألة الكتابة القصصية والروائية المتصلة مستحيلة.

لا يزال النوخذا المهووس باللآلئ سابقا وبالذهب والنفط والرقيق والآثار راهنا، والمغامر بحياة بحارته، لا يزال يمسكُ الدفةَ بين صخور العصر ونافورات النقود، وقد تحول إلى مجنون يبيع أرضه ونخله وبحارته وأبناءه وتماثيله لمن يدفع ، وصار الواقع جملةً من الكوابيس ، وغدت المقاومة نفسها انتحارا أو جنونا آخر.

فتحت صحافة التحقيقات عيني على الأدغال المتوارية وراء الشوارع الرئيسية حيث القرى والأزقة المثقلة، والتي انفجرت في صراعات دينية ضارية.

أكدت الانفجارات الدينية محدودية الرواية الواقعية، فذلك الحفر فوجئ بضخامة الموروث، وطلع ربانٌ آخر يريدُ قيادتنا إلى الماضي الميت، وتناولت رواياتي وروايات آخرين ما هو معاصر، وأنشدت للراهن والجزئي غالبا، في حين أن الدين وجذوره الموغلة في القدم غير مرئية بعمق في هذا الراهن المروي ونحن في غربة، وبرواية محدودة القراء وبلغة صعبة وفي زمن أزمة الكتاب!

في شقة من غرفة واحدة على سطح عمارة من ثلاثة أدوار رحتُ أدرسُ مجددا الإسلام والتاريخ العربي، وأعتزم أن أشكل رواية كبيرة عن الفتوحات الإسلامية، ولكن هذه القراءات أخذتني لبحث هذه الفترة وصراعاتها الاجتماعية وتياراتها الفكرية، حتى صارت كتابا من عدة أجزاء عن تطور الوعي الفكري والفلسفي.

حينئذ غدت الصراعات الروحية تتجسد في أكثر من رواية معاصرة مثل رواية «الأقلف». وهي عن الطفل اليتيم المشرد غير المختن الذي تتسع دائرة حيرته لتصل أطراف الدنيا المتباعدة فيصير الانتماء إما إلى الشرق أو إلى الغرب، إلى الإسلام أم إلى المسيحية؟ إلى الوطن أم إلى الاستعمار أم إلى الإنسانية؟

شدتْ دراستي الطويلة عن الوعي الديني أنظارا، وغدت دائرة الحوار مع اتجاهات متعددة تتسع، فقد غدا الدين محور الوعي في هذه المرحلة الشائكة، وفي لحظة خاطفة غريبة: قلت لماذا لا تغدو الرموز الدينية مجالا للرواية، وقد شدتني خاصة شخصية الحسين، فكتبتُ عملا عنه ولكنني انقطعت عن ما كــتب عن وجوده الحي، آخذا رأسه المقطوع الدامي في رحلة روائية لم تؤخذ من قبل.

هكذا رحت أعمل على صعيد الرواية التاريخية والرواية المعاصرة معا، لتتكشف أبعاد الزنزانة في الماضي والحاضر، ولتكون مرئية مجسدة متوترة للقارئ، سواءً كانت عن عمر بن الخطاب أم عن بطل مغمور في القرن العشرين.

إن الشخصيات العظيمة كشخصيات الصحابة العظام أو قادة الاستغلال القدامى، الشخصيات الميتة، تحيط بنا منذ الطفولة، تغلف حياتنا، وتحدد معاييرنا، وتأتي كتلٌ تستغل هذه الشخصيات لتصعد فوق الظهور نحو الكنوز، مكررة دورة التناسخ القهري، فنعمل نحن كعبدالرحمن الشرقاوي وغيره على انتزاع هذه المغلفات ونضع هذه الشخصيات والأحداث على الأرض، لتكون جزءا من معاناتنا المعاصرة، ليكونوا رفاقا لنا في معركتنا الطويلة، لكن روايات مثل «عمر بن الخطاب شهيدا» و«عثمان بن عفان شهيدا» و«علي بن أبي طالب شهيدا» وغيرها تزعج حراس التراث والكنوز النفطية فيصادرونها لأنها تعري ثقافة انتهت صلاحيتها للاستعمال العربي التحديثي.

إن كتابة الرواية التاريخية عملية صعبة ليس بسبب الدخول لتجسيد الصراع الاجتماعي في ذلك الزمن التأسيسي المقدس للأمة الإسلامية، بل كذلك بسبب تصوير ما هو ملموس من أشياء ومناخات وأمكنة، فمعرفة النباتات والفواكه لا تنفصل عن وضع الشخصيات في تلك المواقف الدرامية والمأساوية للشخصيات العظيمة وهي تــقتل في ذروة الانتصارات والانقسامات العميقة النارية التي تتصاعد بين صفوفها، وهي تخفق مع إنجازاتها في تحقيق الحلم الذي نعيد رؤيته الآن وصنعه في زمن مختلف وبأدوات ثقافية مغايرة مجابَهين بعنفٍ أكبر وانقساماتٍ أوسع.

هذه لمحاتٌ خاطفة عن تجربة بدأت عند شواطئ قصية للوطن العربي، ومبعدة عن التعليم والنشر، ثم راحت تتغلغل في جذوره وماضيه بحثا عن تفكيك قيود أحاطت بنا، لا ينفع معها الصراخ بل التحليل العميق لبناها الغارقة في القرون الوسطى والتبعية المعاصرة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news