العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

(تأملات في آيات القرآن الكريم) التوجيهات العقلية غير المباشرة في القرآن الكريم (20)

بقلم: د. محمد عطا مدني

الجمعة ١٢ أكتوبر ٢٠١٨ - 11:34

(استخدام الأساليب الرمزية)


 

تحدثنا في المقال السابق عن الأساليب الرمزية في القرآن الكريم وذكرنا أنه من الأساليب التي تطلق العنان لخيال العقل، وتعمل على شحذه وإذكائه، وحفزه على التفكير، وتصور ما يمكن أن يحمله من مدلولات. ولا أدل على صحة هذا من الحروف التي جاءت في بدايات السور القرآنية مثل: (الم، المص، كهيعص، ص، حم) إلخ والتي حيرت العلماء ولا تزال تحيرهم. فهذه الحروف تبدو عند التفكير السطحي عديمة المعنى، غير أن سحرها وجرسها ووقعها في الأسماع ومن ثم في القلوب، أمر يجعل من العسير القول بأنها بلا معنى. فهذه الحروف لما لها من ناحية رمزية، تدعو الإنسان إلى التأمل وإعمال العقل، وتجبره على التفكير فيها، وتدعوه إلى محاولة تمعن القصد من ورائها، عله يستطيع اكتشاف معانيها ومعرفة مدلولاتها. 

ولا تقتصر الأساليب الرمزية في القرآن الكريم على فواتح السور فقط والتي جاء بعضها في صورة قسم من المولى جل وعلا يؤكد عظم مكانة هذه الرموز، لكنها توجد بأشكال أخرى في مواضع كثيرة في القرآن الكريم مثل استخدام أسلوب الصور العقلية وأسلوب ضرب الأمثال، وتتميز الصور العقلية في القرآن الكريم بجمال الأسلوب وروعة البيان اللذين يضفيان عليها مزيدا من التكامل والشمول والعمق، حتى تصل الفكرة إلى الإنسان ويستوعب محتواها، مدركا جلال الخالق وروعة صنعته وسمو صفاته، وفيما يلي مثال من هذه الصور: 

قال تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النور 35)

هذه الصورة العقلية تتحدث عن نور الله الغامر للسماوات والأرض، ولأن البشر بعقولهم المحدودة وحتى بخيالهم مهما انطلق إلى عنان السماء، لا يستطيعون إدراك هذا النور الإلهي والإحاطة به عن طريق العقل والتفكير، لهذا صاغ القرآن الكريم هذه الصورة العقلية ليقرب الفكرة إلى الأذهان، وقد اختلف المفسرون في توضيح معناها وفك طلاسمها، فمن القائل بأن النور هو نور الإيمان، وأن الإنسان هو المثل، فجسمه المشكاة، وبصيرته الزجاجة، وقلبه المصباح وعبوديته لله هي مدده، كما أن الزيت هو النور الإلهي الذي يضيء من دون أن تمسسه نار، ومن القائل بأن الكوكب الدري من الدرء أي الدفع، ويقصد دفع الظلام، وأن الشجرة المباركة هي شجرة زيتون فوق جبل عال لا شرقية ولا غربية فيأتيها ضوء الشمس من كل مكان ولهذا تميزت بنقاء الزيت ومن ثم شدة نوره. ويذهب (الفخر الرازي) مذهبًا آخر في تفسيره لهذه الصورة العقلية العظيمة، فيذكر أن النور هو (العقل) الذي تتجلى به معرفة الله سبحانه وتعالى. وقد اعتمدت هذه الشروح والتفاسير على مبلغ علم المفسر من ناحية، وعلى مقدار تقدم المعارف الإنسانية في عصر كل منهم من ناحية ثانية. 

ومع تقدم العلوم والمعارف بوجه عام في هذا العصر، فلا ضير أن تقدم تفاسير أخرى لآيات الله البينات تعتمد على (الثابت) من الاكتشافات العلمية، ومن هذه التفاسير الحديثة تفسير د. منصور حسب النبي لآية النور حيث يذكر أن الله ضرب بهذه الآية مثلاً للنور الإلهي الذي لا يدرك بحواس الإنسان، فجاءت الصورة لتوضح انتشار نور الله في السماوات والأرضين عن طريق ظواهر يدركها الإنسان ويراها يوميا. فالمشكاة في رأيه، ترمز إلى السماء المظلمة بعد مغادرة الغلاف الجوي للأرض، نظرًا إلى انعدام الهواء والغازات والجسيمات الترابية التي تعمل على تشتيت الضوء فتراه العين، أما المصباح فهو القمر إذ إن الاكتشافات العلمية الحديثة أوضحت أن خمسين بالمائة من صخور سطح القمر من الزجاج، ودعم الدكتور حسب النبي رأيه بما جاء في الآية الكريمة من أن (الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) حيث لفظ (دري) يعني أنه يتلألأ، ولفظ (كأنها) يفيد بأن القمر ليس كوكبًا ولكنه تابع لكوكب، ويقول إن القمر يضيء عن طريق عكس الضوء الواقع عليه من الشمس حيث أنه لا يضيء بذاته، وهذا ثابت من الآية الكريمة (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) وهذه الشجرة المقصود بها الشمس، فهي شجرة الطاقة لأنها أصل كل أنواع الطاقة على وجه الأرض، ولقد أصبح معروفًا علميا أنها لا تضيء باشتعال مادتها بل إن طاقتها تنتج على هيئة إشعاعات تتولد نتيجة الاندماج النووي للهيدروجين الموجود في باطنها وتحوله إلى هيليوم، لأنها لو كانت تحترق بالتهاب الكتلة لما دامت سوى أربعة آلاف سنة فقط، بينما عمرها الآن يقدر بما يزيد على خمسة بلايين سنة. ويصح فيها القول بأنها لا شرقية ولاغربية، فقد نفت الآية الكريمة عنها الاتجاهات وهذا يعنى أنها خارج الكرة الأرضية، و(نُورٌ عَلَى نُورٍ) هو ضوء الشمس الذي ينشأ ذاتيًا، وضوء القمر المنعكس منه، وتوالى ذلك ليلا ونهارا.

وأعتقد أن أهمية هذه الصورة العقلية الفريدة تتركز في عملية ضرب المثل لتوضيح ما لا يمكن أن يدركه الإنسان بحواسه، وهو نور الله، فالصورة توضح - أيا كان التفسير- أن هناك نورًا نابعًا أو منعكسًا من نور آخر أقوى، ولعل الآية الكريمة تعني أن ما يمكن أن يشعر به الإنسان أو ما يراه من نورانية إلهية إنما هي منعكسة عدة انعكاسات في الكون قد تصل إلى آلاف وملايين المرات، و(بعض منه) انعكاسات النور من الشمس إلى القمر وهما من مخلوقات الله عز وجل، لأن نور الله الحقيقي لا يمكن أن يدرك مباشرة من مصدره الأصلي وهو الله سبحانه وتعالى، لأن الإنسان لن يستطيع تحمله مباشرة، ولذا يجب أن ينعكس عدة مرات حتى يمكن للإنسان أن يدركه، فهذا المثل يقرب للإدراك المحدود، صورة غير المحدود ويرسم النموذج المصغر الذي يتأمله الحس حين يقصر عن تملي الأصل، وهو مثل يقرب للإدراك طبيعة النور الإلهي، حين يعجز الإنسان عن تتبع مداه وآفاقه المترامية فيما وراء الإدراك البشري الحسير.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news