العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

إلا تنصروه فقد نصره الله (4)

بقلم: د. علي أبو هاشم 

الجمعة ١٢ أكتوبر ٢٠١٨ - 11:29

 

كانت الهجرة النبوية المباركة ولا تزال انتصارا بعد الهزيمة، وقوة بعد الضعف، وفتحا عظيما للإسلام وانتشارا للدعوة بعد حصار دام ثلاثة عشر عاما تقريبا في مكة، حيث الاضطهاد والتعذيب والصد عن دين الله، ولذلك فإن الهجرة حدث غير وجه التاريخ للأمة الإسلامية، في حاضرها ومستقبلها، وكانت ولا تزال بمثابة انطلاقة للدعوة الإسلامية لتناسب عالميتها، فقد انتشر الإسلام بعد الهجرة، وتأسست دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة دار هجرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لذلك فإن الأمة الإسلامية بعد مرور أكثر من أربعة عشر قرنا على حدث الهجرة، يجب أن تستلهم منها الدروس والعبر التي تنفعها فيما حل بها من أحداث، لتنهض من كبوتها، وتفيق من عثرتها، وتتبوأ المكانة اللائقة بها بين الأمم، ومع أن هجرة الأوطان والأهل أمر شاق على النفوس، ومناف للطبيعة الإنسانية، حيث جُبلت النفوس على حُب الأوطان، إلا أنه إذا كثر الشر، وضُيق على الإنسان في دينه ومعاشه، وتآمر عليه أهل الشر والشرك والفساد، فلا مناص من الهجرة، فأرض الله واسعة. يقول تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا. ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة». النساء: 97- 100. فكانت هجرة الرسول نصرا وفتحا وتمكينا لدين الله تعالى، فقد حارب مشاركو مكة الرسول بكل الوسائل، وصدوا عن دين الله وحاربوا من دخل فيه، فأبدل الله رسوله وأصحابه قوما يُحبهم ويُحبونه، وينصرون الله ورسوله، وانتظروا قدوم الرسول إليهم بلهفة وشوق، حتى خرجوا كل يوم على أطراف المدينة ينتظرون مجيء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إليهم، وشتان بين من أخرجوا الرسول، ومن تآمروا ودبروا وسعوا لقتله، ومن طاردوه في الصحراء يطلبون قتله هو وصاحبه أبو بكر، ولما عجزوا عن ذلك كله لأن الله ناصر عبده ورسوله -فقد نصره الله- رصدوا الجوائز النفيسة لمن يأتي بمحمد وصاحبه حيين أو ميتين، فعجز من خرج في طلب الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن النيل منه، لأن الله ناصر عبده، فهذا سُراقة بن مالك فارس مغوار لا يُشق له غبار، خبير بدروب الصحراء، لما سمع بما رصدته قريش من جائزة لمن يأتي بمحمد وصاحبه، امتطى صهوة جواده، ولبس درعه وحمل سيفه، وخرج مسرعا يجوب الصحراء، حتى التقى بركب الرسول (صلى الله عليه وسلم) فلما اقترب سراقة من رسول الله، ساخت قوائم فرسه في الرمال، وسقط عن جواده، واستغاث بالرسول، فأمنه الرسول، وعفا عنه، فلما رأى سراقة عناية الله تحفظ رسوله، ولما رأى سماحته وعفوه عمن أراد قتله، تأكد أنه رسول من الله مؤيد ببرهان، فأعلن إسلامه، وأصبح جندا من جنود الإسلام، حتى عاد سراقة يرد الطلب عن الرسول( صلى الله عليه وسلم) فخرج في أول النهار جاهدا في طلب الرسول طالبا حياته ليفوز بالجائزة، ورجع في آخر النهار مدافعا عنه، يُعمي الطلب عنه، فانقلب من عدو إلى ولي حميم. وصدق الله تعالى إذ يقول: (إلا تنصروه فقد نصره الله) ويقول تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ويوم يقوم الأشهاد) غافر: 51. وهكذا أيها المسلم: إن كان الله معك فلا شيء عليك، وإن كان الله عليك فلا شيء معك، وهكذا يُقلِّب الله قلوب عباده، فاللهم ثبت قلوبنا على دينك يا حي يا قيوم، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. وقد فرح أهل المدينة بقدوم الرسول إليهم، وتسابقوا جميعا في استقباله واستضافته، كل يريد أن يحوز شرف نزول الرسول (صلى الله عليه وسلم) في بيته ضيفا، ولكن الرسول الكريم صاحب الخُلق العظيم، أخبرهم أن الناقة مأمورة فحيث بركت ناقته فهناك إقامته، وبعد أن استقر الرسول بالمدينة المنورة كان أول ما قام به أن آخى بين المهاجرين والأنصار، ليؤسس دولة الإسلام على الأخوة الإيمانية التي تضمن المودة والمحبة، وتضمن قوة المجتمع وتماسكه في الداخل، فجعل لكل أنصاري أخا من المهاجرين، وهذه حكمة سياسية عظيمة تضمن ترابط المجتمع وتماسكه وقوته، وبعد أن آخى الرسول بين المهاجرين والأنصار أسس الرسول(صلى الله عليه وسلم) المسجد في المدينة المنورة، ليُقوي المسلم علاقته بربه عن طريق الصلوات الخمس في المسجد، ويتمكن من إظهار شعائر الدين، في أول مسجد في الإسلام أُسس على تقوى الله ورضوانه، يؤم الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيه الصحابة من مهاجرين وأنصار، ويُعلمهم فيه أمور دينهم وما ينزل عليه من الوحي، ويتخولهم بالموعظة بين الفينة والفينة خوفا من السآمة والملل، فكان المسجد بمثابة الجامعة التعليمية، التي خرجت للعالم جيلا من أعظم الأجيال في تاريخ الأمة، بل في تاريخ الإنسانية، فحملوا الرسالة لكل أهل الأرض، ونصروا الله ورسوله، ونشروا العدل والرحمة بين الناس في أنحاء الأرض، فأقاموا دولة الإسلام على العدل والإيمان، فدخلت أُمم الأرض في دين الله حبا ورغبة في دين الله الذي ارتضاه لعباده. وصدق الله وعده ونصر عبده وتحقق قوله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news