العدد : ١٤٨٧٩ - الثلاثاء ١٨ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٩ - الثلاثاء ١٨ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الــتــراكــم الأخــلاقــــي.. (1/3)

بقلم: عاطف الصبيحي

الجمعة ١٢ أكتوبر ٢٠١٨ - 11:27

حياة الناس تنتصب على ثلاثة أعمدة منذ نشأة البشرية حتى قيام الساعة صانعة بذلك الحياة المُثلى بالمعنى النسبي، هي الاعتقاد أو الإيمان والمعرفة والأخلاق، وبقدر تناغم هذه الركائز الثلاث تستوي الحياة، وأي خلل ينفذ إلى إحداها تصبح الحياة عرجاء شوهاء، وهذا الثالوث قانونه يسري على الفرد والجماعات والكون بأسره، فكما هي الحاجة مُلحة إلى الإيمان لاستقرار الروح، وإلى المعرفة للتنوير وتوفير الوسائل لخدمة الحاجة الأُولى «الإيمان» فهي كذلك في أشد الحاجة إلى الأخلاق التي هي بمثابة القاعدة السلوكية العملية والترجمة الصادقة للإيمان بالله، وهي ظلال الإيمان من خلال علاقة الفرد بنفسه ومع غيره من أترابه ومع خالقه، والقرآن العظيم أفرد لهذا الجانب مساحة كبيرة وغنية لتحقيق الحياة الطيبة للناس تصديقًا لوعد الله المُتمثل في قوله تعالى من سورة النحل97 «من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينَّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون».

فالإنسان لا يكفيه حتى يُطلق عليه صفة مؤمن حقيقي أن يؤمن بالحقائق المُنزلة من عند الله، بل يتعداه أيضًا مُكرسًا حياته ووقته وماله في خدمة ذلك الإيمان الذي ارتضاه منهجًا لحياته بغير إكراه أو إجبار، تتجلى هذه الحقيقة بأتم ما يكون الجلاء في قوله تعالى «إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون» 15 الحجرات، تلازم الإيمان الصادق مع بذل المال والنفس في سبيل الله، وهذا مدار الأخلاق للتمكين والعلو، وهذا يُصاغ بعبارة موجزة «عبادة الله وفعل الخير» المنصوص عليها في الآية السابعة والسبعين من سورة الحج «يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون» تُظهر هذه الآية عنصري الاعتقاد والطاعة، وتعاضدها الآية 285من سورة البقرة «آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير».

«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» (البقرة 277) مخزن الأمن والطمأنينة مركوز في هذه الآية لمن يجمع بين الإيمان والأخلاق، ولأهمية هذا الجانب فقد تناوله الكتاب الكريم بالتصريح والتلميح في مواضع عديدة، فالأخلاق كامنة في ألفاظ «مؤمن، ومسلم، والتقوى والورع».. «أينما وردت في القرآن الكريم».

القواعد الأخلاقية التي أشار إليها القرآن صراحةً وضمنًا والتي جاءت جامعة ومتضمنة لما دعا إليه الأنبياء السابقون على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، حيث لم يستثن القرآن أيًا من الفضائل التي دعا إليها السابقون على نبينا الكريم، عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه، وأضاف إليها في الرسالة الخاتمة ما يَصلُح للناس حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فهي إذن تراكمية جاءت على فترات ومع كل نبي ورسول بحسب التقدم الحضاري والتطور والسقف المعرفي للناس، الذي وصل إليه عصر كل رسول، وقانون التراكم هذا لم ينسخه الله على الشرائع فهي خضعت لقانون التطور والنسخ وتلك حكمة الله.

أجمع المرسلون الكرام على التوحيد، وجميعهم نادوا وأوصوا بالفضائل حتى وصلت إلى سيدنا محمد وأكمل الصرح الأخلاقي وشيَّده على أفضل ما يكون التشييد على عين الله لنحيا الحياة الطيبة التي أرادها الله لنا تحت سقف التوحيد ونستظل بظلاله التي لا تنقطع متسربلين بالأخلاق التي جاءت من لدن الحكيم الخبير، فما أن أذِن له ربه بنطق الآية «...اليوم أكملت لكم دينكم...» حتى أصبحت المنظومة الأخلاقية مكتملة الأركان وكفيلة بجعل الحياة هانئة غير متغافل عن إلقاء السلام على من تعرف ومن لا تعرف حتى وصل بنا إلى التضحية بالمال والنفس من أجل المعالي من الأمور، والتي يكون فيها الآخر حاضرًا بقوة، والآخرة هي الغاية الأخيرة التي تتمخض عن تلك المنظومة المسبوقة والمُعنونة بالإيمان بالله إيمانا لا ريب فيه ولا شك.

الله جل جلاله حتى يجعل هذه المنظومة القيمية مقبولة فطرنا على حب الفضيلة غريزيًا فما من أحد إلا ويُقدر السلوك الحسن ويُبجل الفضيلة وإن جانبها ولم يلتزم بها بين الفينة والأُخرى، ولا أظن أن إنسانًا لا ينفر من الرذيلة في باطنه حتى وإن اقترفها من حين لآخر تحت وطأة الضعف البشري، وعلى هذا الشعور الفطري الذي جُبِل الإنسان عليه أسس القرآن النظام الخُلقي، بمنهجية المقابلة بين الفضيلة والرذيلة ترغيبًا وتنفيرًا في الوقت ذاته، «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمُنكر والبغي..» وهناك عديد من هذه المقابلات في كتابنا الكريم يمكن الرجوع إليها لمن شاء الاستزادة والتثبت، ويقول المرحوم الدكتور عبدالله الدرّاز: «إن القرآن استند إلى الوازع الداخلي» الضمير «الأخلاقي في التمييز بين الخير والشر وقد ذكر ذلك في أكثر من خمسة وأربعين موضعًا في القرآن الكريم».

لا تستقيم الحياة على خط مستقيم ولا هي ذات نمطية ثابتة، فيعتريها كل المتناقضات أثناء مسيرة حياة الفرد فمن أمن ودِعة إلى خوف وقلق، ومن غنى ووفرة إلى فقر وشُح، ومن صحة وعافية إلى سقم وعجز، ومن طفولة إلى كهولة إلى شيخوخة وصولا إلى العجز، بين ثنايا تلك المتناقضات تتجلى الأخلاق القرآنية في النفوس، فمنهم صابر ومنهم جازع متبرم معترض، ومنهم شاكر للنعم ومنهم كافر بها، ومنهم مطمئن في كل الأحوال والظروف ومنهم من يعبد الله على حرف.

وتأسيسًا على أن القرآن الكريم في هذا المجال لم يغفل الكتب السماوية الأُخرى، سنتوسع بشكل مباشر في المقالات التالية على هذا المقال في مقارنة بين الأخلاق في الكتب السماوية السابقة على القرآن وبين القرآن نفسه، فالله سبحانه يلفت نظرنا إلى ذلك الارتباط العضوي بين ما جاء به الرسل وما جاء به القرآن الكريم بنصوص قرآنية صريحة «أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده...» وعليه فسيدنا هود وسيدنا صالح قد رفضا نزوع قوميهما إلى المادية والغلو في حب الدنيا «أتبنون بكل ريع آية تعبثون» سؤال استنكاري تنفيري (الشعراء 128)، وقوله أيضًا: «ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون» (15-16 الشعراء)، وهذا سيدنا لوط عليه السلام يستبشع ويُبشع السابقة الكريهة التي اقترفها قومه قال تعالى: «أتأتون الذكران من العالمين» (الشعراء 165)، وخطيب الأنبياء شعيب يُنكر على قومه الغش في التجارة ويأمرهم بالإنصاف قال تعالى: «أوفوا الكيل ولا تكونوا من المُخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم» (الشعراء 181)، ولا يغيب عن أي قارئ للقرآن وصايا لقمان لابنه التي تمثل أيقونة أخلاقية متعالية على الزمان فلا يطالها البلي أو التغيير. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news