العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

استراتيجية أمريكية لمواجهة وباء جديد

بقلم: د. إسماعيل محمد المدني

الجمعة ١٢ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

لم يأت الإعلان بأن تدخين السجائر الإلكترونية تحول إلى وباء في الولايات المتحدة الأمريكية على لسان عالم أو طبيب أو ناشط في مجال منع التدخين، بل جاء على لسان أعلى سلطة حكومية مختصة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتحديد من رئيس إدارة الغذاء والدواء، حيث أعلن بكل وضوح وصراحة لا لبس فيهما في 15 سبتمبر أن «استخدام السجائر الإلكترونية أصبح الآن وباءً بين الشباب والمراهقين»؛ أي أن استخدامها انتشر بشكلٍ سريع غير متوقع في المجتمع الأمريكي، وأن تعاطيها بلغ نسبًا مرتفعة جدًا وصلت إلى درجة عالية يمكن أن يُطلق عليها الوباء.

وفي الوقت نفسه حذر هذا المسؤول الحكومي -بشدة- الشركات المنتجة والمصنعة لهذه الآفة الجديدة بضرورة تقديم خطةٍ تنفيذية خلال شهرين لإبعاد الشباب عن ممارسة هذه العادة السيئة صحيًا وبيئيًا، كما هدد بقوة بأنه سيتخذ إجراءات قانونية لمنع النكهات والمذاقات في السجائر الإلكترونية، والتي لها دور مشهود في جذب الشباب وترغيبهم في استخدام هذه السجائر المهلكة لصحة الشباب والأطفال. 

ولا شك في أن هذا النداء من رئيس إدارة الغذاء والدواء لم يأت من فراغ، بل جاء استجابة لحالة صحية خانقة، وأزمة متفاقمة تهدد الصحة العامة، وخاصة بين فئات الأطفال والشباب والمراهقين، حيث إن الإحصاءات الرسمية والمشاهدات اليومية أكدت أن استخدام هذه البدعة الجديدة المتمثلة في السجائر الإلكترونية بدأ في الانتشار بسرعة فائقة بين مجتمع الشباب في المدارس والجامعات كانتشار النار في الهشيم، فسبب لهم السقوط في فخ الإدمان بتعاطيه وتدخينه، ثم التحول مع الوقت إلى القاتل الأكبر للصحة وهو سجائر التبغ التقليدية المعروفة. 

فالإحصاءات الرسمية الصادرة عن مراكز التحكم في المرض ومنعه تؤكد أن عدد طلاب المدارس والجامعات الذين استخدموا السجائر الإلكترونية وصل إلى أكثر من مليونين، كما أكدت الأرقام أن نسبة المدخنين من الشباب خلال هذا العام ارتفعت إلى 75% مقارنة بالعام الفائت.

وجدير بالذكر أن هذه التقارير الحكومية الرسمية والأبحاث الميدانية تُحذر جميعها وتنبه بشدة من نوعٍ خطر جدًا من السجائر الإلكترونية بدأ في الانتشار على نطاقٍ واسع بشكل خاص بين طلاب المدارس، وهو ما يُطلق عليه جُول (Juul). وخطورة هذا النوع تكمن في أنه صغير الحجم جدًا، ويكون على شكل ذاكرة الكمبيوتر المستخدمة حاليًا (فلاش ميموري) (USB flash)، والتي يمكن إخفاؤها بسهولة ويُسر في الملابس، أو في الحقائب المدرسية الصغيرة فلا يمكن مشاهدتها أو ملاحظتها، ولذلك فإن هذا النوع بالتحديد يشجع ويحفز طلاب المدارس على استخدامه، فيخفونه عن المدرسين وأولياء الأمور، كما أن هذا النوع الشيطاني من السجائر الإلكترونية لا تنبعث منه الرائحة العفنة والكريهة القوية والمميزة التي تنطلق من السجائر التقليدية، ولذلك يصعب اكتشافه ومراقبته ومعرفة الذين يستعملونه.

وهنا الآن أرى أمامي بوضوحٍ شديد أن التاريخ يعيد نفسه، بالمشاهد نفسها، وبالأحداث نفسها، وكأن شيئًا لم يتغير، ولكن الفرق هو أن أحداث اليوم تقع مع السجائر الإلكترونية بكل أنواعها وأحجامها، وبالأمس كانت مع سجائر التبغ التقليدية القاتلة، فما مرَّت به سجائر التبغ منذ الخمسينيات من القرن المنصرم حتى الآن من أحداث وقضايا وملابسات حتى حصحص الحق وانكشفت مساوئ التدخين أمام الجميع، تمر بها الآن السجائر الإلكترونية، ولكن مع الأسف من دون أن يتعظ الإنسان من هذا المخزون التاريخي الثري للحوادث، ومن دون أن يتعلم الإنسان من تجاربه وخبراته المعاصرة الغنية، فيقع في الأخطاء نفسها وفي التجارب ذاتها.

فما نشهده اليوم هو في الواقع يجسد حقيقة أبدية خالدة تؤكد أن الصراع لا ينتهي بين الخير والشر، وبين الحق والضلال، بين من ينشر العادات الصحية السليمة الصالحة للبشر وبين من يُسوق للمنتجات الضارة بالصحة من أجل الربح السريع والكبير، وهذه الحرب الضروس الأزلية لن تنتهي بين من يدعو إلى حماية البيئة من الملوثات القاتلة وبين من يطلق العنان لجميع أنواع السموم للولوج في بيئتنا وأجسامنا ويدّعي خلوها من الأمراض والأسقام، فكلما تخلص المجتمع البشري من آفة ومنتج شيطاني مدمر لصحتنا جاء شياطين الإنس ليعوضوا خسارة فقدان هذا المنتج من الأسواق بمنتج آخر بديل له صفة الشرعية القانونية الرسمية ويزين بأحلى أنواع مواد التجميل والحلي وإغراء الناس بكل فئاتهم العمرية وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية، كما تجند الشركات المصنعة لهذه المنتجات كل الوسائل العلمية من تقنيات ورجال الإعلام والعلماء لإخراج هذا المنتج في أحلى صورة وأجمل مظهر والتأكيد على سلامته وفاعليته.

ولذلك أدعو وزارة الصحة والتجارة والوزارات الأخرى إلى عدم السقوط في الأخطاء السابقة نفسها التي سقطنا فيها بالنسبة إلى السجائر التقليدية، والعمل على منع السجائر الإلكترونية بجميع أشكالها وأنواعها واجتثاثها كليًا من مجتمعنا قبل أن يقع علينا كما وقع على شباب أمريكا.

bncftpw@batelco.com.bh

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news