العدد : ١٤٨٧٤ - الخميس ١٣ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٤ - الخميس ١٣ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

ملحمة الانتصار العربي في حرب أكتوبر عام 1973

بقلم: يحيى علي المجدمي

الجمعة ١٢ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

بعد نكسة 1967 وخطاب تنحي الرئيس جمال عبدالناصر، ومن ثم، عودته إلى الرئاسة بعد إصرار الشعب المصري الكبير على مواصلة المشوار معه - بدأ تنظيم الكوادر العسكرية بالتغيير والتدريب محليا وخارجيا وتقوية الجيش بالمعدات والدبابات والرادارات والطائرات والجسور العائمة ودخل الجيش المصري الباسل في حرب الاستنزاف وبناء الصد الراداري على طول ضفة القناة من الجانب المصري. وفي 28 سبتمبر من عام 1970 توفي عبدالناصر وتولى نائبه السيد محمد أنور السادات الذي عينه الرئيس جمال نائبا لرئيس الجمهورية زمام الحكم، وبعد أن تأكد السادات من الجاهزية للمعركة المباركة خاض الحرب في 6 أكتوبر عام 1973 فكانت بحق كلمة الختام في قصة وطنية وبطولية رائعة للجيش والشعب المصري والزعيم عبدالناصر والتي استمرت فصولها منذ عام 1967 إلى عام 1973، وعلى مسرح السياسة المصرية ، قصة بطولة الجيش المصري العظيم الذي قام -ولا يزال- بأداء واجباته الوطنية والقومية في البطولة والنصر في كل المحن بإذن الله، فبعد تولي جمال عبد الناصر حكم مصر بدأ في بناء الجيش المصري الحديث وتطهيره من أذناب الاستعمار والإقطاعيين وفتح المجال لأبناء عامة الشعب والفقراء والفلاحين للترقي في أعلى المراكز القيادية بعد التدريب الأكاديمي والميداني؛ ليكونوا جنودا مخلصين لتراب مصر والأمة حتى وصل هذا الجيش برجاله ومعداته وطائراته وسفنه الحربية إلى درجة القوة الضاربة في الشرق الأوسط وبهذا التطور السريع والملحوظ في الجيش المصري، أصيب أنطوني إيدن رئيس وزراء بريطانيا العظمى بحالة هستيرية عند سماعه عن كفاءة وكثافة العدد والعدة في الجيش المصري من خلال المعلومات الاستخباراتية، فعمل القائد الإنجليزي على اغتيال الرئيس عبدالناصر، وأعطى أوامره لضابط المخابرات البريطاني (كيث كامبل) للإعداد لذلك والتخلص من ناصر وشعبيته النادرة بين جموع العرب، على أن يكون ذلك في أقرب فرصة لأنه ربما تفوق جيشه المصري على الجيش الإسرائيلي، وقد يؤمم القناة ويعلن الجلاء ويكون خنجرا في صدر بريطانيا ومستعمراتها المنتشرة في العالم العربي وغيرها، لأن ناصر أصبح خطرا على مصالح بريطانيا العظمى. لم يقف عبدالناصر عند هذه التهديدات أو يلتفت لذلك التخويف الصادر من إيدن، بل استمر في تطوير الجيش المصري حتى بعد نكسة 1967م، وسافر إلى هنا وهناك ليأتي بالسلاح إلى أن وصل بالجيش المصري إلى القوة والقدرة على دخول الحرب القادمة وهي حرب 1973، وبهذا فشلت بريطانيا في زعزعة الأمن المصري ومحاولة نزع ثقة الشعب المصري في رئيسه ومحاولات اغتيال ناصر، فكان رد رئيس المخابرات البريطانية لإيدن رئيس وزراء بريطانيا العظمى- نأسف لأننا لم نتمكن من التخلص من عبدالناصر لأننا وجدنا أن الشعب المصري كله عبدالناصر وأنه الآن يؤمم القناة، وسيعلن جلاء قواتنا، وقد ضربناه بالتعاون مع إسرائيل وفرنسا في 1956 وفشلنا - بعد هذا التحدي لابد أن نعرف أن إيدن سقط في الانتخابات البريطانية التي تلتها الضربات المصرية المتتالية فأسقط عبدالناصر ومعه الشعب المصري السيد إيدن رئيس وزراء بريطانيا العظمى وانتهى أمره. 

في عام 1967عادت إسرائيل وحلفاؤها لضرب مصر واحتلت القناة وأجزاء كبيرة من أراضي مصر، ومنها سيناء بأكملها كانت نكسة قاسية لكن الشعب المصري العظيم أصر على استرجاع كل شبر من أرض مصر، ورفض تنحي الرئيس عن قيادة مصر. من هنا بدأ عبدالناصر الإعداد للمعركة الحاسمة التي أعادت للشعب ثقته بجيشه لكن القدر لم يمهله وتوفي قبلها. 

وجاءت حرب «6 أكتوبر 1973 العاشر من رمضان المبارك » التي أعد لها عبدالناصر كل متطلبات المعركة وقد كانت حربا سرية في تخطيطها وتنظيمها واستعداداتها وفي موعدها ورجالاتها فجاء الانتصار حليفًا للأمة، ومن أساليب تلك الحرب دقة التحكم والتنظيم والسرية وقد أراد الرئيس أنور السادات أن يكون موعدها محصورًا في بلده ومع مجموعة صغيرة جدًا من القادة العسكريين كما هو الحال في سوريا حتى لا يتسرب الخبر إلى جهات معادية كما حدث في حرب 5 يونيو1967؛ إذ تسربت الأخبار والاستعدادات إلى العدو.

 الرئيس السادات الذي تسلم الرئاسة بعد وفاة عبدالناصر (3 سنوات ما بين وفاة عبدالناصر وحرب 6 أكتوبر عام 1973) حدد موعد المعركة الرمضانية المباركة وبالتحديد عند الظهر في الساعة الثانية، وكان معظم الضباط الميدانيين الذين تتبعهم وتراقبهم المخابرات الإسرائيلية في السعودية لأداء العمرة حملتهم الطائرة العسكرية والتي وصلت بهم إلى مطار جدة ثم غادرت إلى مطار آخر في السعودية وفي مصر كان الجنود في الصفوف الأمامية يمرحون ويسبحون في مياه القناة في الجانب المصري وكانت الحركة على ضفة القناة شبه معدومة – كانت خدعة عسكرية وبعض التحركات تمويهًا لخلخلة الوضع والمعلومات عند العدو فقبل بداية ساعة الصفر كل شيء تم بالسرية التامة حتى مع دمشق – وبعون الله سبحانه وببركة الله -كما قالها السادات أمام قيادات الميدان - بدأت المعركة فكانت الضربة الأولى بالطائرات المصرية التي بلغت أكثر من 220 طائرة وأخرى تحمي القاهرة والمدن المصرية الأخرى. كانت الضربة المفاجئة موجعة وقاضية وكبيرة على إسرائيل وكانت الخسائر الأولية نتيجة الضربات الجوية التي قادها قائد القوات الجوية (الرئيس السابق حسني مبارك) قد حققت كل أهدافها أثناء سير العمليات العسكرية ومع الضربات الكثيفة بالطائرات دخلت القوات البحرية قناة السويس ومن جانب آخر تحركت القوات البرية المصرية تحت غطاء القوات الجوية الباسلة وبإرادة الجندي المصري توغلت كل القطاعات العسكرية إلى الأمام وحطَّمت كل ما يصادفها بما في ذلك خط بارليف الحصين الذي تعتبره إسرائيل جدارا منيعا لا يخترق وحاجزا يشل أي حركة للقوات المصرية، ولكن شجاعة الجندي المصري أسقطت هذه الأسطورة وتقدم إلى الضفة الأخرى من القناة فتم استرجاع ما أخذ بالقوة وسيطرت القوات المصرية الباسلة على مجريات الحرب في 6 ساعات وكان النصر مؤكدا عندما قامت تلك الحرب على جبهتين عربيتين  هما مصر وسوريا.

 ويحلو لنا هنا أن نتحدث بالأرقام عن بعض المعدات العسكرية التي استخدمت في المعركة المباركة ومنها أكثر من 2000 قطعة مدفعية بخلاف المئات من قطع الرمي المباشر مدة 53 دقيقة، وقد وصل معدل الضرب النيراني في الدقيقة الأولى إلى حوالي 10500 دانة بمعدل 175 دانة في الثانية الواحدة، وكانت الدفعة الأولى من الجنود والضباط المصريين والقوة القتالية من الرجال الأشاوس 8000 و1600 قارب ليكون عدد المقاتلين في الشرق 80000 مقاتل مصري، وتم فتح 81 فتحة بواسطة المضخات النفاثة محققة إزالة 3 ملايين متر مكعب من تربة خط بارليف. وفي اليوم الأول من القتال دمرت القوات المصرية أكثر من 200 دبابة إسرائيلية في 20 دقيقة وفي نهاية الحرب بلغ عدد القتلى الإسرائيليين 2522 قتيلا.

 وفي هذه الحرب استخدمت القوات المصرية أيضا الحرب الإلكترونية وأسقطت القوات المصرية 38 طائرة حربية وقتلت وأسرت وحاصرت أكثر من 1500 جندي وضابط إسرائيلي ورفع العلم المصري على معبر الشط من القناة الساعة الثانية و37 دقيقة – كما كان التفاف الدول العربية حول دول المواجهة فعالاً لما قدمته من تأييد معنوي ومادي واستخدام لسلاح البترول الذي قادته المملكة العربية السعودية بقيادة القائد الشهيد الملك فيصل رحمه الله، فذلك الملك القومي أسهم في المعركة واستطاع أن يغير مسار الحرب والمساعدات الغربية والأمريكية لإسرائيل وكانت تلك المبادرة ضربة قاسية أخرى لإسرائيل وأعوانها وتضامنًا عربيا فعليًا لمصر وسوريا.

من نعم وبركات الله سبحانه على الأمة العربية وخاصة مصر الانتصار في حرب 6 أكتوبر 1973، وقد عاشت فيها الأمة أيامًا جميلة، فبعد مرور 45 عامًا على هذه الحرب وتحرير كل شبر من الأراضي المصرية نتذكر في 6 أكتوبر كيف نجحت القيادات والشعوب العربية ومن خلال التضامن ووحدة الكلمة والعمل المشترك في ردع العدوان الإسرائيلي ودحره إلى الخلف في أيام قليلة وخاصة من خلال الضربات الأولى التي حققت نجاحها في 6 ساعات والتي تلاحقت معها الهزائم جوًا وبحرًا وبرًا ومعها الخذلان والتقهقر ونتذكر كيفية اتخاذ القرارات العسكرية الصائبة وخوض المعركة بنوعية نادرة من البسالة والاقتدار للجندي العربي المصري والالتفاف القومي مع مصر وسوريا، ففي مصر الشعب كله كان يخوض المعركة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى في قواميس التضحية والفداء.

ففي كل الأحوال المؤامرات على هذه الأمة لم تتوقف طالما هناك من يعمل ويتعاون في طعن شقيقه من الخلف وخير دليل على ذلك هو ما حدث في السنوات القليلة الماضية أو بما يسمى بالربيع العربي الذي فقدنا من خلاله دولا بثرواتها وحريتها، وما جرى -ولا يزال- من قتل ودمار وضياع وتهجير في البراري والبحار وفي دول لا تقع في جغرافيتنا هناك طاقات عربية كبيرة فقدناها، فكم نحن الآن بحاجة إلى ذلك التعاون والتضامن والعمل المشترك الذي حصد العزة والنصر. ألم تكن حرب 6 أكتوبر 1973 مثالا رائعا لنؤمن بها فكرا ومبادئ. نحن اليوم بحاجة إلى أن تقف الأمة العربية على أرض صلبة من الإيمان والتعاون والثقة والمصير المشترك قادة وشعوبا حتى نستمد منها العزة والكرامة والقوة والاستقلال فلا مجال لأجنبي أن يتدخل أو يستعرض قوته على أي دولة عربية. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news