العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

وهن الهمة!!

قال تعالى: «كهيعص (1) ذكر رحمة ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداءً خفيا (3) قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبًا ولم أكن بدعائك رب شقيًا (4)» مريم.

العظم هو آخر مخزن من مخازن الغذاء للإنسان، فإذا وهن العظم فعندها تتوقف حياة الإنسان، ومن مظاهر الوهن الذي تحدثت عنه الآيات المباركات هو اشتعال الرأس بالشيب، وهو أمر ظاهر من الممكن أن نراه بأعيننا لأنها أمور مادية من الممكن أن نراها ونلمسها بجوارحنا الظاهرة، ولكن ماذا عن وهن الهمة، وهو أمر لا يمكن أن يحس أو يلمس بالجوارح لأن مكانه القلب، والقلب سر مغلق لا يعلم أمره إلا الله تعالى.

بعض الشعراء تعرضوا لهذه القضية، وحاولوا أن يقتربوا منها، ورأوا وهن الهمة في قعود الرجال عن السعي إلى الغايات النبيلة، وتحقيق الأمنيات الصعبة التي من الممكن تحقيقها، ونحن نعلم أن هناك أمنيات يستحيل تحقيقها لأنه فات زمانها، والتاريخ لا يعود أبدًا إلى الوراء، ومن أمثال هذه الأماني المستحيلة قول الشاعر:

ألا ليت الشباب يعود يومًا

لأخبره بما فعل المشيب

هذه أمنية من المستحيل تحقيقها، ولكن ما عجزت عن تحقيقه أيام الشباب حاول أن تحقق شيئًا منه الآن، والتحسر على ما فات هو من وهن الهمة.

وها هو شاعر الشباب أبو القاسم الشابي يحدثنا في قصيدته المشهورة «إرادة الحياة» عن علو الهمة، فيقول:

ومن يتهيب صعود الجبال

يعش أبد الدهر بين الحفر

الشاعر التونسي الملهم يرى أن الجبال في عظمة علوها، وفي شاهق قممها تصلح لتكون اختبارا لعلو الهمة ووهنها، فيضرب بها المثل على التحدي الذي يواجه الإنسان، ومن يتهيب صعود الجبال أو حتى محاولة صعودها، ويرى أنها غاية مستحيلة، وأمنية لا يمكن أن تتحقق، فسيظل يراوح مكانه أبد الدهر ولن يحقق إنجازات في حياته، وأن طموحاته لن ترقى به إلى المكانة التي يتطلع إليها، وأن نفسه لن تتشوف إلى معالي الأمور التي يتطلع إليها أصحاب الهمم العالية. 

أما أمير الشعراء في عصره وفي العصور التي تلته، أبوالطيب المتنبي، فيحدثنا عن علو الهمة وما تتطلبه من تعب ومعاناة، فيقول

وإذا كانت النفوس كبارًا

تعبت في مرادها الأجسام

لله درك أيها الأمير لقد أصبت كبد الحقيقة، وبلغت تخومها، فالنفوس الكبيرة لا بالاستعلاء والتكبر والخيلاء، بل بالطموحات العالية، والغايات النبيلة، هؤلاء سوف يعانون وسوف تتعب أجسامهم حين يحملونها على ما تكره، لأن أصحاب النفوس الكبيرة لن يهدأ لهم بال، ولن تطمئن لهم نفس ما دامت هناك غاية في الأفق البعيد لم يصلوا إليها، وسوف تظل هذه الغايات شغلهم الشاغل، وهمهم الذي لن يتوقف ولن ينتهي حتى يحققوا مرادهم، ويجنوا ثمار هممهم العالية، وها هو أمير الشعراء في العصر الحديث أحمد شوقي يحدثنا وبأسلوبه المبهر عن تحقيق الأماني وما يتطلبه ذلك من جهد ومجاهدة، فيقول:

وما نيل المطالب بالتمني

ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

وما استعصى على قوم منال

إذا الإقدام كان لهم ركابا

إن الغايات العظيمة، والأهداف السامية لن تتحقق بمجرد أن نتمناها، بل لا بد من بذل قصارى الجهد، واستعذاب التعب في سبيل ذلك، وشوقي يؤكد أنه ليس هناك صعب أو مستحيل مع الإقدام الذي هو صفة لازمة من صفات أصحاب الهمم العالية الذين لا يعرفون المستحيل، بل هم يبذلون أقصى ما لديهم من جهد في سبيل تحقيق ما يطمحون إليه مع إيمانهم الوثيق بأن التوفيق والسداد بيد الله تعالى. 

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news