العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

مجلس الوزراء والخطاب الديني.. الآليات والمسؤوليات

بقلم: د. فاضل حبيب {

الخميس ١١ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

«وافق مجلس الوزراء على إطلاق خطة وطنية لتعزيز الانتماء الوطني تستمد مبادئها من الرؤية الملكية السامية وتهدف إلى مواصلة البناء على ما تم إنجازه لتقوية الجبهة الداخلية وحفظ الأمن الوطني والاستقرار المجتمعي وتعزيز الولاء والانتماء وترسيخ قيم المواطنة والحفاظ على وسطية واعتدال الخطاب الديني ونشر روح التسامح والاعتدال والالتزام بالوحدة الوطنية» (الجلسة الاعتيادية الأسبوعية لمجلس الوزراء، الإثنين 24 سبتمبر 2018م).

دعونا نتفق على أن الإحساس بوجود مشكلة في الخطاب الديني هو المدخل الصحيح والملائم لمعالجة بعض القضايا التي تعصف بالمجتمع بين الفينة والأخرى وتؤثر بشكل أو بآخر على التماسك الاجتماعي، وإن موافقة مجلس الوزراء على إطلاق خطة وطنية للحفاظ على وسطية واعتدال الخطاب الديني ونشر روح التسامح والاعتدال تأتي في سياق فهم أفضل لعالمية الإسلام وتعاليمه السمحة.

ثمة سؤال مهم: هل نحن بحاجة إلى خطة وطنية للحفاظ على وسطية واعتدال الخطاب الديني؟

الجواب: نعم، ولعدة اعتبارات أبرزها: إن مضامين ومفردات التجديد والوسطية والاعتدال في الخطاب الديني لم تأتِ من فراغ وإنما وراءها أسس ودوافع موضوعية بالغة الأهمية، فهي متضمنة في برنامج عمل الحكومة، فقد أشار البرنامج إلى ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية وإشاعة روح التآلف والتسامح، وتعزيز دور المناهج التعليمية والمنبر الديني وأجهزة الإعلام في بث روح التآلف والأخوة والتسامح في المجتمع، ووضع وتنفيذ خطط هادفة إلى الارتقاء بمستوى الخطباء والأئمة ليكونوا مؤهلين للدعوة إلى كل ما من شأنه أن يحافظ على الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي، ودعم وتعزيز دور وأنشطة مراكز الشباب ومؤسسات المجتمع المدني الهادفة إلى ترسيخ الوحدة الوطنية، وتطوير المنظومة التربوية لتسهم في بناء وترسيخ قيم المواطنة لدى الطلاب وتعلي من شأن بناء الوطن والدفاع عن مؤسساته، وتفعيل دور لجنة مناهضة الكراهية والطائفية وتبني السياسات والمناهج والبرامج الفعالة التي تتصدى لخطابات الكراهية، وتعزز عوامل الوحدة في المجتمع البحريني، وأخيرا العمل على مراجعة التشريعات والقوانين بما يعزز قيم المواطنة. (برنامج عمل الحكومة للأعوام 2015ـ2018. ص 7ـ8).

كما أن تجديد الخطاب الديني يعد ركيزة أولى في تصوير النهج الإسلامي ورسم معالم الهوية الإسلامية وتحقيق وحدة الأمة، وهو ما دفع وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف في مملكة البحرين إلى إصدار مذكرة بشأن ضوابط وآداب الخطاب الديني، التي أكدت أن إلقاء الخطب والدروس والمحاضرات الدينية تكون وفق الآداب والضوابط التي تعمل على بث روح الانتماء للوطن والدفاع عن ثوابته الإسلامية وهويته العربية، واحترام مبدأ المواطنة الصالحة والتعايش المشترك في ظل قيادة جلالة الملك رأس الدولة، والممثل الأسمى لها، والحامي الأمين للدين والوطن، ورمز الوحدة الوطنية، ويسانده في ذلك ولي عهده، ومراعاة الخصوصية المذهبية واحترام التعددية تحت مظلة الإسلام وتجنب الخوض في كل ما يثير الطائفية، واتخاذ الوسطية والاعتدال في الطرح منهاجًا عامًا في الخطب والدروس الدينية وتجنب التعصب للآراء في المسائل الخلافية والدعوة إلى التسامح والتواصل والحوار واحترام الرأي الآخر، والحث على احترام النفس البشرية وحرمة الدماء والأموال والأعراض بما يحقق الأمن ويعزز الأواصر بين الشعوب والدول، والحث على الوفاء بحقوق الأخوة الإنسانية عامة وحقوق غير المسلمين خاصة وتجنب إطلاق الأحكام التي تمسُّ سلبًا بهذه الحقوق، والحث على التفاعل مع الحضارات الأخرى والاستفادة من مجموع التراث الإنساني شرقًا وغربًا، فيما يكون نافعًا وصالحًا ومتفقًا مع الدين والقيم والتقاليد وملائمًا لظروف المجتمع، وتجنب الإساءة لأعلام الأمة وشخصياتها الإسلامية قديمًا وحديثًا تلميحًا أو تصريحًا، وتجنب التعرض للأشخاص والمؤسسات والدول بأسمائها أو صفاتها، وتجنب تعبئة الناس بالفتاوى الداعية إلى التكفير، والدعوة إلى احترام حقوق الإنسان كما أقرتها الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية، وتجنب استغلال الخطاب الديني لخدمة اتجاهات سياسية شخصية أو فئوية أو لعمل دعاية انتخابية، وبث روح التفاؤل والأمل في الحياة والسعي إلى زرع معاني الرحمة والشكر والأمل في الله وعدم اليأس من رحمته، وتجنب التسرع في إصدار الأحكام أو إطلاقها من دون استثناء أو تمييز، ومراعاة مستويات الناس الثقافية والاجتماعية والتحدث بلغة مفهومة مستندة إلى الأدلة الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأقوال آل البيت والصحابة رضوان الله عليهم جميعًا. (ضوابط وآداب الخطاب الديني، وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف في مملكة البحرين، 2009).

بطبيعة الحال، فإن تجديد الخطاب الديني يمرُّ عبر آليات متنوعة وكثيرة، منها، أولاً: المنبر في المساجد والحسينيات: فالناس في المساجد والجوامع والحسينيات يترقبون دائمًا التوجيه الديني والحلول للقضايا المثارة، بما يتضمنه ذلك من إجابة لمشكلاتهم الدينية والدنيوية. ثانيًا: الخطاب الديني في وسائل الإعلام (المسموعة والمقروءة والمرئية). ثالثًا: الخطاب الديني في الندوات والمؤتمرات. رابعًا: الخطاب الديني في المؤسسات التربوية والتعليمية. خامسًا: الخطاب الديني في المقال الصحفي. سادسًا: الأسرة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية ودورها في تجديد الخطاب الديني. سابعًا: المؤسسات الدينية المختلفة كالمعاهد الدينية والحوزات العلمية. ثامنًا: وسائل التواصل الاجتماعي، وهي الأكثر شيوعًا وتأثيرًا في أوساط الشباب وتؤثر على الخطاب الديني سلبًا وإيجابًا، فقد باتت منتشرة بشكل واسع ومن الصعوبة بمكان ضبطها ولها تأثيراتها المتداخلة على القيم المجتمعية، وتكمن الخطورة عندما يتصدى غير المختصين في الشريعة الإسلامية إلى الخطاب الديني ويمارسون الدعوة والإرشاد بطريقة فوضوية وعبثية تجعل الناس يعيشون حالة طوارئ فكرًا وممارسة عندما ينبري كل من هبَّ ودبَّ ليدلو بدلوه في بعض المفاهيم الإسلامية الملتبسة التي يجب أن تصحّح قبل أن تتسبب في الكوارث داخل الوطن الواحد. 

في تصورنا، فإن وجود خطة وطنية شاملة لترشيد الخطاب الديني يمثل حاجة ملحة بالنسبة إلينا، إذ يحمّل المسؤولية لعدة جهات رسمية وأهلية في المجتمع، وحتى تكون هذه الخطة فعالة ومجدية فإنه لا بد من العمل على إشراك جميع الجهات ذات العلاقة، وتنزيل الخطاب الديني على واقع الحياة المتغيرة في مملكة البحرين اجتماعيًا واقتصاديًا وعلميًا؛ لأن جوهر التجديد في التصور الإسلامي هو الانفتاح على قضايا الإنسان كله.

خلاصة القول، إن موافقة مجلس الوزراء على وضع خطة شاملة لتجديد الخطاب الديني سيسهم بلا شك في مواجهة التطرّف الفكري وتصحيح المفاهيم الخاطئة والمغلوطة عن سماحة الإسلام؛ لأننا نحتاج اليوم في البحرين أكثر من أي وقت مضى إلى الصراحة والجرأة للقول بأن هناك فكرًا منغلقًا ومتطرفًا بدأ ينتشر في أوساط الشباب - وللأسف الشديد - عن عدم فهم صحيح للدين وقيمه العليا، وهنا تقع المسؤولية على الدولة بأن تطرح مشروعًا حضاريًا للتوعية بحتمية الحوار المجتمعي والتعايش السلمي المشترك، واحترام التعددية بين أبناء الوطن الواحد واحترام الآخر، واحترام دور العبادة والحوار الدائم بين الرموز الدينية والشخصيات الرسمية وغير ذلك مما ينبغي أن يتضمنه في برنامج عمل الحكومة للأعوام الأربعة المقبلة (2018ـ2022).

‭{‬ دكتوراه في تجديد الخطاب الديني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news