العدد : ١٤٨٧٤ - الخميس ١٣ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٤ - الخميس ١٣ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

«هجوم الأهواز».. ومحاولة طهران الهروب إلى الأمام

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الخميس ١١ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

أعلن الحرس الثوري الإيراني، استهدافه مقر من وصفهم بـ«قادة الإرهابيين» في شرق الفرات بسوريا، بصواريخ باليستية، فجر الإثنين 1/10/2018؛ وذلك ردا على هجوم الأهواز، الذي وقع قبل عدة أيام.

وكانت مدينة الأهواز جنوب غرب إيران، قد شهدت هجوما شنه مسلحون يوم 22/9/2018. استهدف عرضًا عسكريًا، لإحياء ذكرى الحرب التي خاضتها إيران ضد العراق، فيما يسمى بـ(أسبوع الدفاع المقدس)، وأوقع نحو 29 قتيلا، وخلف عشرات الجرحى في صفوف الحرس الثوري الإيراني والمدنيين، ما تبين أنه أسوأ «عمل إرهابي» قد اُرتكب في إيران منذ أكثر من عقد. فيما أعاد إلى الأذهان الهجمات التي شهدتها طهران في يونيو من العام الماضي، حين استهدف انتحاريون بالتزامن، البرلمان الإيراني، وضريح الإمام الخميني، والتي أودت بحياة 12 شخصًا وراح ضحيتها عشرات آخرون.

وعلى الرغم من أن تنظيم «داعش»، قد أعلن مسؤوليته عن ارتكاب الحادث، إلا أن إيران أسرعت في تدويله، حيث حملت –من دون أسانيد- شخصيات سياسية، من بينهم المرشد الأعلى، «آية الله خامنئي»، ووزير الخارجية، «محمد جواد ظريف»؛ مسؤولية ارتكاب الهجوم إلى دول الخليج العربي وإسرائيل والولايات المتحدة؛ متهمة إياهم بتمويل الجماعات الإرهابية الإيرانية وإمدادها بالأسلحة. وفي سياق متصل، صرح الرئيس الإيراني، «حسن روحاني»، قبل مغادرته إلى الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة في نيويورك أن: «كل هذه البلدان التي نراها في الإقليم مدعومة من أمريكا، التي تقف وراء تحريض الجماعات الإرهابية وإمدادها بما يلزم لارتكاب مثل هذه الجرائم». 

يأتي هذا في الوقت الذي استنكرت فيه الولايات المتحدة الادعاءات الإيرانية، وتعهدت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، «هيذر نويرت»، بأن «تقف أمريكا بجوار الشعب الإيراني في محاربة آفة الإسلام الراديكالي». ومن جانبها، قالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، «نيكي هيلي»، في حوارها مع شبكة «سي إن إن» الإخبارية: «إن الرئيس الإيراني، قمع شعبه فترة طويلة»، وحضته على «النظر في المرآة للوقوف على أسباب الهجوم قبل اتهام الآخرين».. مشيرة إلى أن «قمع الأقليات العرقية والدينية في إيران، من المحتمل أن يكون الدافع وراء الهجوم في الأهواز».

وعلاوة على ذلك، وعلى النقيض من الإدارات الأمريكية السابقة، فإن الرئيس الحالي المُناهض لإيران، «دونالد ترامب» لم يخف رغبته في دعم تغيير النظام في إيران بأي شكل من الأشكال، وتشجيع المبادرات التي تساعد على ذلك. وتحدث البعض في إدارته، مثل «جون بولتون»، مستشار الأمن القومي، و«رودي جولياني»، المُحامي الشخصي له، الذي تحدث أمام تجمع لمنظمة «مُجاهدي خلق الإيرانية» في باريس يوم وقوع الهجوم، عن عزمهم الضغط من أجل تمويل الحركات المناهضة للحكومة الإيرانية، والتي من المُرجح أن تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام. ومع ذلك، أشار «إيلي كليفتون» و«ديريك دافيسون»، الباحثان لموقع «لوب لوج»، الأمريكي إلى أنه: «رسميًا، هدف إدارة ترامب من سياسة «الضغط الشديد» على إيران لا يتمثل في تغيير النظام، بل تغيير «تصرفات» الحكومة الإيرانية».

وبغض النظر عن المزاعم الإيرانية، لا يزال من المشكوك فيه من قبل عديد من المحللين تورط أي دولة في تخطيط أو تنفيذ الهجوم في الأهواز، وخاصة أن الحادث يوفر دلالات لا يمكن إغفالها حول العلاقة المضطربة بين النظام الإيراني وبين الأقليات العرقية والدينية في البلاد. حيث يزداد سجلها سوءا، جرّاء القمع الممنهج الذي ترتكبه ضد الشعوب غير الفارسية والأقليات الدينية، الذين يتعرَّضون لانتهاكاتٍ جسيمة، بما في ذلك التشريد القسري، والقتل الجماعي، والتعذيب، والحرمان من الحقّ في التعليم والصحّة والسكن اللائق، بلّ حتى في اختيار أسماء أبنائهم. وتحرم هذه الشعوب من الحقّ في حرية التعبير والتجمّع السلمي، والمشاركة السياسية، أو تقلد الوظائف العامة، ويُمارس التمييز بجميع صنوفه لحساب القومية الفارسية، والشيعة الجعفرية الاثناعشرية، بما في ذلك تعطيل مواد الدستور التي تقضي بالمساواة بين مكونات الشعب الإيراني بحجة اعتبارات الأمن القومي.

ويُعتبر «الأهوازيون» من أكثر الشعوب المُستهدفة. ومع أن هذه المنطقة من أغنى مناطق إيران بالنفط، إلاّ أن السياسات التمييزيّة حوّلتها إلى واحدة من أفقر المناطق وأقلّها نموا، بعد أن استغل النظام جميع الثروات لتحقيق أهدافه السياسية، وعمل على تهجير العرب وتغيير التركيبة السكانية وتحجيم اللغة العربية، وتغيير مسار الأنهار إلى المناطق الفارسيّة.

كما يرى عديد من المحللين، أن الحادث مُثقل بالرمزية، رمزية المكان ورمزية الزمان أيضا. فالمكان هو «الأهواز العربية» التي تعاني من الاضطهاد والتهميش، ومحاولات تغيير هويتها وطبوغرافيتها، والتي شهدت انتفاضات كبرى، كان آخرها انتفاضة العطش في شهر يوليو الماضي. أما رمزية الزمان، فقد كانت واضحة من خلال احتفالية ما يسمى (أسبوع الدفاع المقدس)، التي تستغلها طهران لبث رسالة للعالم بأنها قوية وموجودة، من خلال استعراضات عسكرية تبرز فيها قوة التسليح وهيبة التدريب. ومن ثم، جاء استهداف قيادات عسكرية وأمنية وسياسية واعتبارية إشارة إلى هشاشة النظام بشكل واضح، فضلا عن أن هناك دلالة سياسية تشير إلى أن النظام أصابته الشيخوخة داخليا وخارجيا. وأن هذه الحالة لم تعد مقتصرة على الجانب السياسي فحسب، بل شملت الجوانب الاقتصادية والفكرية والثقافية والاجتماعية والأمنية، بحسب قواعد علم النظم السياسية. وكما لاحظ عديد من المُحللين، فإن الدافع وراء الحادث من المُحتمل أن يكون مستمدا من مزيج من الآيديولوجية والنفعية. فالمجموعات الآيديولوجية التي تمثل جماعات أقلية مثل الأكراد، والبلوش والعرب الإيرانيين، سعت منذ فترة طويلة إلى تقويض الحكومة التي يرونها غير شرعية وإقصائية وتمييزية.

فيما يمكن تفسير هذه الهجمات، ببداية استراتيجية ناجمة عن الضغوط الحالية التي تتعرض لها إيران، والتي ظهرت في أعقاب انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي الإيراني، واستمرار الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، بالإضافة إلى تورطها في الحروب في أنحاء عديدة من المنطقة. فمع اضطراب الحكومة وقوات الأمن التي تشتت انتباهها، تستغل الجماعات الانفصالية والمدافعون عن الحقوق المدنية مثل منظمة المقاومة الوطنية الأهوازية هذا الوضع للتوسع في شن الهجمات. ويقول «نادر أوسكوي»، من مؤسسة «المجلس الأطلسي»: «إنهم يرون أن الحكومة الإيرانية أضحت ضعيفة، ومن ثم سيتوسعون في أنشطتهم ضدها»، مضيفا، «يمكنهم القيام بذلك بمساعدة دعم أجنبي أو من دونه، فهم لا يحتاجون إلى دعم أجنبي بشكل معين».

وبصفة عامة، بينما راح المسؤولون الإيرانيون يشيرون إلى الخارج في حادث الأهواز، تناسوا العوامل الداخلية التي ساعدت على تأجيج أوضاع هذا الإقليم الذي دائما ما يشهد قلاقل وانتفاضات على خلفية التمييز العرقي، ورغم جرس الإنذار الذي منحه مواطنو الإقليم والمتمثل في انتفاضاتهم، والتي كانت تستوجب على صانع القرار مراجعة سياسية لسلوكه، الأمر الذي قد يعطي رسائل واضحة لطهران بأن «السحر انقلب على الساحر»، وأن هذه الفاتورة قد حان وقت دفعها. 

وعلى الرغم من تأكيد الحكومة الإيرانية على أن الهجوم هو من صنيع خصومها الخارجيين -وهو الادعاء الذي يراه المحللون غير صحيح- فمن المرجح أن يكون للحادث تأثيرات عدة. فعلى الصعيد الداخلي، مال المُحللون إلى الاتفاق على أنه سيكون بمثابة ذريعة لتعزيز قوة النظام. وكما حدث في الهجوم الإرهابي الذي نفذه تنظيم «داعش» عام 2017 في طهران، والذي راح ضحيته 12 إيرانيا؛ والذي جعل الدولة تطلق يد الحرس الثوري وقوات الأمن؛ للقضاء على المعارضة باسم حماية الأمن القومي. وقد قالت «سانام فاكيل»، من المعهد الملكي للشؤون الدولية، «تشاتام هاوس» بلندن في أعقاب هجمات طهران، العام الماضي: «سيؤدي ذلك إلى وحدة الصفوة السياسية بالبلاد، والتقارب بين صقور النظام؛ باسم استقراره وأمنه، وهو ما يُمثل فوزا للمتشددين».

وبصرف النظر عن أن الهجوم قد يعمل على تعزيز استخدام الوسائل القمعية لطهران، فإنه من المرجح أن تستغله الحكومة لتعزيز الشعور بالوحدة الوطنية. وكما ذكر «علي فايز»، من «مجموعة الأزمات الدولية»، لوكالة «دويتشه فيله» الألمانية، فإن «نشر رواية أن ما تتعرض له إيران ما هو إلا حصار يمكن أن يساعد في تغيير مسار قضية الحادث محليًا بعيدًا عن الشكاوى من وطأة المتاعب الاقتصادية المتصاعدة إلى التجمع الوطني حول العلم الإيراني للحفاظ على وحدة أراضي البلاد، وهو ما يتطلب في الأساس حكومة مركزية قوية».

وعند النظر إلى الآثار الخارجية، فمن المرجح أن يكون للحادث تداعيات أكبر، خاصة بعد إلقاء اللوم بشكل أساسي على دول الخليج، حيث أضافت إيران بذلك بعدا آخر إلى التوتر المستمر القائم بينها وبين جيرانها. وهنا يذكر «فيريدون مجلسي»، لـ موقع «ميدل إيست آي» البريطاني: «أعتقد أن الأزمة بين السعودية وإيران قد تدخل مرحلة خطرة في الوقت الراهن». وقد جادل البعض بأنها عند إلقائها اللوم على الدول الخليجية، تحاول إيران إيجاد ذريعة لوقوع صراع مباشر مع منافسيها الإقليميين الرئيسيين. لكن بالنظر إلى الاختلال والتفوق العسكري والاقتصادي والدبلوماسي الصارخ بين طهران وهذه الدول، فإن حتمية وقوع صراع تقليدي من غير المحتمل حدوثه. وكما يعتقد المحللون الآخرون، من المرجح أن تلوم إيران هذه الدول من أجل إضفاء الشرعية على تكثيف رعايتها لجماعات بالوكالة، تعمل لصالحها، في ضوء الصراعات الجارية في الشرق الأوسط والتي تهدد بشكل مباشر مصالح دول الخليج العربية. وقالت، «إيتا بارسي»، من «المجلس الوطني الإيراني الأمريكي»، (إن آي إي سي): «يمكن لإيران أن تكثف دعمها للحوثيين، لكنها لن تصل إلى حد استهداف دول الخليج مباشرة». 

على العموم، محاولة إيران إلقاء اللوم على الآخرين لتحقيق مكاسب سياسية، هي لعبة محفوفة بالمخاطر؛ وستزيد في نهاية المطاف من الضغوط المتصاعدة التي تواجهها طهران، وستعطل أي فرصة سانحة للبحث عن تسوية دبلوماسية مع هذه الدول على المدى القريب.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news