العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

ثلاثية التحكيم والاستثمار والتنافسية

بقلم: د.عماد الدين حسين

الثلاثاء ٠٩ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

لا يمكن لدولة أن تكون بوصلة للاستثمار الأجنبي وجذب المستثمرين الأجانب من دون أن يكون المستثمرون على يقين واطمئنان بأن استثماراتهم مُحاطة بسياجٍ من الضمانات الأمنية والاقتصادية والقانونية والاستدامة في رحلتها التطويرية نحو بناء القدرات وتسخير الإمكانات؛ ومن دون تلك الضمانات، ستتراجع وتيرة العوائد والاستثمارات، وسيعود المستثمر الأجنبي أدراجه، وتتباطأ معدلات التنمية.

فإن كان السائح يقف على مزايا وجهته السياحية التنافسية من حيث الأمن والاستقرار وقيمة العملة ومعاملة أناسها وبيئتها التحتية وشِعابها وجبالها وأوديتها ومطاراتها وتفاصيل حياتية أخرى قبل أن تطأ قدماه تلك الدولة، ليقرر الإقامة الدائمة فيها أو أن تكون وجهته السنوية المتجددة، فإن المستثمر الأجنبي أكثر حرصًا وحذرًا منه بأضعاف، فاتخاذ قرار الاستثمار يغدو أكثر صعوبة في ظل أزمة اقتصادية عالمية وسوقٍ تنافسي بلا حدود ومنتجات وخدمات وبياناتٍ ضخمة أصبحت تشكل اقتصادًا بذاته، عابرة للقارات وتقنياتٍ ذكية تهدد المهن الحالية وبيئات عملٍ افتراضية متغيرة وسريعة التطور.

في رحلة بحثية عن الجذور وأثرها على الفروع، وفي محاولة للتوصل إلى السبب ومعرفة النتيجة، من خلال الإطلاع على دراساتٍ علمية ممنهجة وثرية ومعرفية أجرتها ثُلة قديرة من الباحثين، ألح علي قلمي ولم يدعني من دون مشاركة القارئ أطروحة استثنائية هي بحق معمارية في التأصيل للعلاقة بين أضلاع المثلث (التحكيم والاستثمار والتنافسية)، وبلغة رصينة يدركها سدنة العدالة والمحكمون وخبراء الاقتصاد والمعنيون بالاستثمار الأجنبي ومجتمع الأعمال.

جاءت الأطروحة بعنوان «أثر نظام التحكيم السعودي في تحفيز الاستثمار الأجنبي،» أنجزها وسبر أغوارها باقتدار الباحث السعودي والمحكم الدولي والمتخصص في الشأن التحكيمي السعودي والخليجي الدكتور/ فلاح بن موسى الزهراني. تقع الرسالة في نحو 800 صفحة تصدرتها ثلاثة مباحث تمهيدية لحقتها ثلاثة أبواب رئيسية حوت في رحمها عديدا من الفصول والمباحث والمطالب التي شكلت عناقيد الأطروحة التي ما أن تبدأ في تصفحها  لا تبارحك قبل أن تبارحها.

تكمن جماليات الأطروحة ليست فحسب في استشراف أحد أهم الموضوعات ولبنة من لبنات اقتصاديات الدول وهي (الاستثمار الأجنبي) وكل ما يتعلق به من تشريعات ومحفزات وضمانات، ولكن يأخذك الباحث معه في تفاصيل رحلة شاقة وطريق وعر بين غرف التجارة والجهات المعنية بالاستثمار وحداثة منظومة التشريعات المرتبطة بالتحكيم التجاري، ناهيك عن ندرة البيانات وصعوبة الحصول عليها، إلا أن مواطن التفرد في تلك الأطروحة تكمن في ثلاثة جوانب رئيسية لا يمكن لمشرعٍ أو قاض أو محكم أو متخصصٍ أو صاحب قرارٍ أن يغفلها وهو يبحر بين ثنايا أطروحة الباحث الدؤوب الدكتور فلاح الزهراني.

أما الجانب الجمالي الأول: فيدركه القارئ العادي قبل المختص، منذ بداية رحلته المعرفية مع تلك الأطروحة أنه أمام ناسكٍ في محراب التحكيم التجاري بحثًا وتنقيبًا وشغفًا ودقة وأصالة، حتى أنه قبل إتمام الرسالة بعدة أشهر آثر أن يقتفي أثر اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم السعودي حال صدورها في عام 1433هـ لتكون ضمن أطروحته برغم حداثتها آنذاك وعدم وجود ممارسات عملية تطبيقية لتنفيذ اللائحة، ما شكل صعوبة الرصد والتحليل والمقارنة، ولكن الشغف المعرفي يجعل القاصد يمضي في رحلة لها بدايات من دون أن يعرف لها نهايات. 

كما تدرك في الجانب الثاني: التماسك النصي والنحوي والصياغة الرصينة وضبط التعريفات وتحديد العلاقات السياقية والحرص على التفسير اللفظي والمنطقي لدلالة المفهوم ولمحتوى الأطروحة سواءً في الباب الأول المرتبط بالاستثمار وأنواعه ومجالاته والتزاماته واتفاقاته والأجهزة المعنية بتسوية منازعاته، أو في الباب الثاني المرتبط بالتحكيم وأهميته وخصائصه وعلاقاته الرأسية والأفقية مع الاستثمار، وانتهاء بالباب الثالث، وهو من الأبواب الثرية التطبيقية، حيث يكون القارئ على موعد مع أحكام المحكمين وطرق الطعن عليها وتنفيذها.

والجانب الثالث لجماليات الأطروحة: يكمن في البعد عن التنظير والعزلة البحثية التي يتسم بها عديد من الأطروحات العلمية في مجتمعاتنا، فالباحث افتتح مختبره البحثي برؤية المملكة 2030 التي تعتبر بوصلة يسترشد بها الجميع للسير على خريطة تنموية لها استحقاقات وموجبات، كما أثرى الباحث رسالته بما حصل عليه من بيانات عبر رحلةٍ امتدت إلى أكثر من خمس سنوات بين ندوات ومؤتمرات وإصدارات قليلة كما ونوعا في منطقتنا في هذا المجال، واستطاع أن يغزل من كل ذلك نسيجًا مُحكمًا وطرحًا متفردًا في جدارية التحكيم والاستثمار الأجنبي جعله يستحق ما ناله من شهادات التقدير والاعتراف والتكريم.

يقيني أن تلك الأطروحة ستكون البوابة المعرفية والعنوان المستدام الذي يقصده الباحثون لتمهد لهم سبل البحث وتفتح لهم آفاق المعرفة وتحفز شهيتهم البحثية للمضي قدما نحو آفاق جديدة لتقديم قراءات ومعادلات لإجاباتٍ منهجية حول التحكيم التجاري وعلاقته بالاستثمار الأجنبي ومراتب التنافسية العالمية سواء في المملكة العربية السعودية أو أي من دول منطقتنا العربية.

‭{‬ محكم تجاري دولي - زميل المجمع

 الملكي للمحكمين المعتمدين (FCIArb)

emadkna@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news