العدد : ١٤٨٧٨ - الاثنين ١٧ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٨ - الاثنين ١٧ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

توظيف «معاداة السامية» ضد منتقدي إسرائيل

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ٠٩ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

لقد اضطررت اضطرارا إلى كتابة هذا المقال الذي أتطرق فيه إلى ماهية معاداة السامية من عدمها وذلك بعد أن اطلعت على مقال نشرته صحيفة هاآرتس الإسرائيلية في خضم الجدل الذي أثير بشأن منح جائزة نوبل للكيمياء لسنة 2018 لجورج بي سميث. 

ذكرت الصحيفة الإسرائيلية في مقالها أن الدكتور سميث لم يكن فقط عالما لامعا أسهمت أعماله في تصنيع أدوية جديدة لمعالجة السرطان وعدة أمراض أخرى مرتبطة بنظام المناعة، بل إنه يعتبر أيضا من الداعمين لحقوق الشعب الفلسطيني كما عرف بانتقاده للسياسات الإسرائيلية. 

أفادت صحيفة هاآرتس في تقريرها أن الدكتور سميث قد كان طويلا هدفا للجماعات المؤيدة لإسرائيل، والتي شنت حملة شعواء ضده وأدرجت اسمه في القائمة المنشورة على موقع «كناري ميشون» المثير للجدل على شبكة الإنترنت - وهو الموقع الذي يستخدمه أنصار إسرائيل في مضايقة منتقدي إسرائيل وإسكاتهم. 

لقد قرأت المقال بأكمله سعيا إلى العثور على أي دليل يؤكد الإثم الذي قد يكون ارتكبه الدكتور سميث، ووجدت بعض التصريحات التي لم يتمن فيها «طرد الشعب اليهودي» بل إنه تمنى فقط أن «ينتهي نظام التمييز في فلسطين». 

أوردت صحيفة هاآرتس أيضا مقتطفات من مقال آخر للرأي كتبه الدكتور سميث وأدان فيه السياسات التعسفية التي تمارسها إسرائيل في قطاع غزة واختتم كلامه بالتعبير عن مساندته للحملة الداعية إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض عقوبات عليها واعتبر أن الحملة تمثل «دعوة يوجهها المجتمع الفلسطيني إلى ضمير المجتمع الدولي من أجل عزل الشركات والمؤسسات الإسرائيلية ما لم تنبذ سياسة العنف ضد الشعب الفلسطيني، بمن فيهم الفلسطينيون في بلاد الشتات وذلك من أجل تحقيق العدالة والمساواة مع اليهود في وطنهم المشترك». 

لقد قرأت كل هذا في إطار هذه الحملة المزعجة والمتنامية هنا في الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إخراس منتقدي إسرائيل، وهو ما يعكس الرؤية الاستئصالية للصهيونية السياسية. هذه الحملة ممولة تمويلا كبيرا ومنظمة تنظيما محكما بالتنسيق مع موقع «كناري ميشيون» الذي يتولى بدوره نشر الأسماء والصور ونبذ الطلاب والأساتذة الجامعيين المؤيدين لفلسطين – ويصفهم بأنهم معادون للسامية ومؤيدون للإرهاب. ترمي هذه الحملة المسعورة في الحقيقة إلى الإضرار بمستقبل هؤلاء الطلاب والأساتذة الجامعيين المؤيدين للشعب الفلسطيني. 

تستخدم قائمة كناري ميشون أيضا في إقصاء النشطاء حتى لا يتعاملوا مع رجال السياسة. أما الحكومة الإسرائيلية نفسها فهي تستخدم هذه القوائم حتى تمنعهم من دخول أراضيها، وخاصة المواطنين الأمريكيين من أصل فلسطيني، أو التقدميين اليهود الأمريكيين الذين يريدون أن يروا عائلاتهم أو يدرسوا أو يزوروا البلاد. 

ظل القائمون على موقع كناري ميشون يبذلون قصارى جهدهم حتى يحافظوا على سرية عملياتهم وقيادتهم وتمويلاتهم السرية، غير أن بعض المقالات التي صدرت مؤخرا قد أظهرت هذا المشروع وأنهم يتلقون الدعم المالي السخي من الجماعات الخيرية اليهودية.

إضافة إلى موقع كناري ميشون، هناك أيضا حملة أخرى ترمي إلى تجريم كل من يؤيد الحملة الرامية إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها ومعاقبتها أو تجريم المؤيدين للحملة الرامية إلى محاسبة إسرائيل على الانتهاكات الصارخة والممنهجة ضد الشعب الفلسطيني. 

هذه الحملة المسعورة تتلقى التمويل اللازم من أمثال شيلدون أديلسون، كما أفادت إحدى الصحف اليهودية الأمريكية أن الحكومة الإسرائيلية تقدم لهذه الحملة أيضا ملايين الدولارات من أجل تمويل أنشطتها. 

يوجد الآن في الكونجرس الأمريكي مشروع قانون يرمي إلى تجريم الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل، علما بأن خمسة وعشرين ولاية أمريكية قد أقرت عدة قوانين وتشريعات تنص على حرمان كل من يدعم الحركة الداعية إلى مقاطعة إسرائيل من الرواتب والعقود والامتيازات الأخرى. 

على غرار ما فعله حزب العمال البريطاني الذي اعتبر أن أي انتقاد لإسرائيل يمثل معاداة للسامية، فقد كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته لمراقبة الأنشطة المعادية لإسرائيل في الجامعات وذلك من خلال طبيعة المسؤولين الذين عينهم في مكتب الحقوق المدنية في وزارة التعليم.

هناك أيضا مشروع قانون مقدم للكونجرس الأمريكي تحت عنوان «قانون التوعية بمعاداة السامية وهو يرمي إلى توسيع نطاق مفهوم معاداة السامية حتى يشكل كذلك أي انتقادات توجه إلى إسرائيل، وهو نفس الهدف الذي يرمي إليه كيث ماركوس في وزارة التربية في الولايات المتحدة الأمريكية. 

عندما نمعن النظر جيدا في هذه التطورات فإننا نخرج بجملة من الملاحظات التي يتعين التطرق إليها. لا شك أن معاداة السامية موجودة وهي حقيقية وذات قدرة خطرة أيضا غير أن انتقاد إسرائيل لا يرتقي إلى معاداة السامية بأي حال من الأحوال. 

إن المساعي الرامية إلى الخلط بين معاداة السامية من ناحية وانتقاد السياسات الإسرائيلية لا يؤدي فقط إلى إسكات أي جدل حول هذا الموضوع، بل إنه يحول الأنظار عن تلك الجهود الرامية إلى اجتثاث مظاهر معاداة السامية الحقيقية، وهي الآفة التي تسببت في معاناة وآلام كبيرة في التاريخ الإنساني. 

معاداة السامية هي الكراهية الموجهة إلى اليهود – سواء كأفراد أو مجموعة – كما أنها تتمثل في الشيطنة وإلصاق صفات ونعوت سلبية إما بأفراد أو بمجموعات فقط لأنها تنتسب إلى اليهودية. 

وفي المقابل، فإن أي انتقاد للسياسة الإسرائيلية لا يعد معاداة للسامية. فعندما انتقد الدكتور سميث المذابح التي ارتكبتها إسرائيل على الحدود مع قطاع غزة أو إنكارها الممنهج للمساواة في الحقوق والعدالة للفلسطينيين فإنه لا يلصق هذه الصفات بديانتهم أو يلمح بأي شكل من الأشكال إلى أن هذه الممارسات أو الصفات السلبية تعود إلى كونهم من اليهود. 

على سبيل المثال، لم يقل الدكتور سميث إن «إسرائيل تقمع الفلسطينيين لأن اليهود يقمعون بطبيعتهم»، كما أنه لم يقل إن كل اليهود، كمجموعة مسؤولون عن هذه الأفعال، لأن مثل هذا الكلام يرتقي إلى معاداة السامية. لم يقل الدكتور سميث أبدا مثل هذا الكلام. 

إن السبب الذي يفسر هذه الحملة التي تستهدف الدكتور سميث، ومن حذا حذوه ممن ينتقدون السياسات التي تمارسها دولة إسرائيل إنما يتمثل في السعي إلى إسكات أصواتهم، علما أن هذه السياسة لا تلقى الدعم من الإسرائيليين أو اليهود في مختلف أنحاء العالم. 

إن الفكرة القائلة بأن انتقاد إسرائيل يرتقي إلى معاداة السامية قديمة، إذ إنها ظهرت قبل عدة عقود مضت. عُززت هذه الفكرة أكثر من أي وقت مضى في الآونة الأخيرة في خضم المساعي الرامية إلى توسيع نطاق معاداة السامية ليشمل أي انتقاد يوجه إلى إسرائيل من دون سواها ولا يطبق نفس المعايير على بقية الدول الأخرى. 

ترمي هذه الحملة الرامية إلى تجريم أي انتقاد لإسرائيل إلى حماية الدولة العبرية. يزعم القائمون على هذه الحملة أنهم لا يستهدفون سوى منتقدي دولة إسرائيل. ترمي هذه الحملة باختصار إلى جعل إسرائيل دولة لا يمكن انتقادها. 

من المهم هنا التنويه إلى أن المعركة ضد معاداة السامية الحقيقية التي تصبح، في كثير من الأحيان ثانوية، حيث تُعطى الأولوية لحماية إسرائيل، وهناك من البراهين ما يدل على ذلك. فعلى سبيل المثال، استهدفت بعض الجماعات المؤيدة لإسرائيل قيادة جيريمي كوربين لحزب العمال البريطاني واتهموه بالتسامح مع معاداة السامية غير أن هذه الجماعات تجاهلت في الوقت نفسه العداء الشديد للسامية في صلب التيارات اليمينية في الساحة السياسية في المملكة المتحدة. 

لقد اعتبر الكثير من المنتمين إلى حزب العمال البريطاني أن الهدف الحقيقي لهذه الحملة هو جيريمي كوربين، وذلك بسبب دعمه الكبير للحقوق الفلسطينية. يمكن أن نقول نفس الشيء عن العلاقة الوطيدة التي تربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ببعض القادة الأوروبيين المعادين للسامية فقط لأنهم يدعمون حكومته. 

خلاصة القول، ترمي هذه الحملة الشعواء إلى إسكات أصوات منتقدي السياسات الإسرائيلية وهي لا تهدف إلى مكافحة آفة معاداة السامية الحقيقية. هذه الحملة الشعواء تلحق الضرر الفادح بالانتقادات الشرعية والمستحقة والضرورية للسياسات الإسرائيلية وتشوه سمعة الشخصيات المرموقة من أمثال الدكتور سميث وتستهدف الطلبة النشطاء، الذين يسمعون أصواتهم ويعبرون عن رفضهم للمظالم التي ترتكب في حق الفلسطينيين، كما أنها تضر بالمعركة ضد آفة معاداة السامية الحقيقية!. 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news