العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

مسؤولون في إدارة ترامب يسعون إلى إقالته

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الثلاثاء ٠٩ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

يبدو أن سبتمبر كان شهرا مدمرا لسلامة إدارة ترامب التي تضاءلت بالفعل؛ فعقب مقال رأي مثير للجدل في صحيفة «نيويورك تايمز» نُشر في الخامس من سبتمبر من قِبَل كاتب مجهول داخل البيت الأبيض جاء فيه أن المسؤولين في إدارة ترامب يسعون بجدية إلى تقويض قرارات الرئيس الأكثر تقلبًّا في السياسة الأمريكية، نشر بوب وودورد -الذي كان مراسلا بارزا في صحيفة «واشنطن بوست» منذ عام 1971. وبقي فيها محررا، ولمع نجمه عندما كشف هو وزميله المراسل كارل برنست فضيحة ووترغيت، وهي القصة التي اضطرت ريتشارد نيكسون للاستقالة من منصبه عام 1974- مقتطفات عن فضائح ترامب من كتابه «الخوف» الذي أعلن طرحه رسميًّا في الحادي عشر من الشهر الجاري، واصفًا الإدارة الأمريكية بأنها فوضوية، وتفتقر إلى التوجيه، وغير ملائمة تمامًا لتولي زمام الأمور في الولايات المتحدة.

 ويعتمد مؤلف كتاب «الخوف.. ترامب في البيت الأبيض» على أسلوب التحقيقات المكثفة لجمع المعلومات، وذلك من خلال إجراء مقابلات سرية مع كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية الحاليين والسابقين، حيث حقق الكتاب مبيعات تجاوزت الـ750 ألف نسخة في أول يوم من إصداره. وجمع وودورد، محتويات كتابه من خلال مزيج من المقابلات والتسجيلات الصوتية والمذكرات التي تم جمعها منذ تولي ترامب منصبه في أوائل عام 2017. 

وعلى الرغم من عدم الكشف عن المصادر التي بموجبها تم جمع المعلومات في «الخوف»، إلا أن موقع «فوكس» الإخباري الأمريكي نقل تخمين الكاتب أندرو بروكب، الأسماء التالية كمشتبه فيهم رئيسيين في الكشف عن معلومات إلى وودورد، وهم: روب بورتر؛ سكرتير موظفي البيت الأبيض السابق، وغاري كوهن؛ مدير المجلس الاقتصادي الوطني السابق، وستيف بانون؛ كبير مستشاري الرئيس ترامب للشؤون الاستراتيجية السابق، ورينس بريبوس؛ كبير موظفي البيت الأبيض السابق، وجون دود؛ محامي الرئيس ترامب في التحقيقات حول التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية حتى شهر مارس 2018.

ومن خلال لقاءاته مع مجموعة كبيرة من الموظفين السابقين والحاليين في الإدارة الأمريكية، نجح وودورد في الكشف عن الطريقة غير التقليدية التي تتبعها السياسة الأمريكية داخليًّا وخارجيًّا اليوم. فعلى سبيل المثال، يُشتبه في أن مدير المجلس الاقتصادي الوطني السابق، غاري كوهين، هو الشخص الذي كشف إلى وودورد أنه أخفى أوراقًا من مكتب الرئيس، في محاولة لحماية اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية «نافتا» واتفاق تجاري مع كوريا الجنوبية. 

ويقدم وودورد أيضًا نظرة ثاقبة بشأن طبيعة العلاقات المضطربة بين الأفراد داخل البيت الأبيض في ظل إدارة ترامب، حيث إن الشكوك والغضب والخوف هي العواطف المسيطرة؛ فعلى سبيل المثال، يكشف مصدر مجهول أن ترامب وصف وزير العدل الأمريكي، جيف سيشنز، بأنه «مختل عقليًّا» و«غبي». كما نشرت صحيفة «فيلت» الألمانية تقريرا تناول احتمالية قرب نهاية مبكرة لولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وجاء فيه أنه «خلال الأيام الأخيرة، بدا ترامب في حالة من التوتر خاصة أن رئيس حملته الانتخابية الرئاسية السابق، بول مانافورت، ومحاميه السابق، مايكل كوهين، يقفان في قفص الاتهام. ومن المتوقع أن تعجل هذه المستجدات الخطرة بنهاية ولاية الرئيس الأمريكي».

وعلى الرغم من أن كتاب «الخوف» له بالتأكيد تأثير كبير على كل من الرؤى السياسية الأمريكية الداخلية والعالمية، إلا أنه ليس بأي حال من الأحوال أول كتاب يكشف فضائح الإدارة الأمريكية الحالية. ففي غضون 19 شهرًا فقط، تم نشر ثلاثة كتب أخرى كشفت عن معلومات تخص البيت الأبيض خلال فترة رئاسة ترامب المضطربة؛ أهمها كتاب «النار والغضب: داخل بيت ترامب الأبيض» الذي نشره مايكل وولف في يناير عام 2018. والذي يُعد أول عمل من هذا القبيل يتم طرحه في الأسواق. وكذلك كتاب «المعتوه» الذي ألفته المستشارة السابقة في البيت الأبيض، أوماروسا نيومان، والذي صدر في أغسطس 2018. وكتاب «الموجز: السياسة والصحافة والرئيس» الذي ألفه السكرتير الصحفي السابق للبيت الأبيض، شون سبايسر.

وردًّا على كل كتاب يصدر مشتملاً على فضائح ترامب، يسعى البيت الأبيض إلى نزع الشرعية عن المؤلف بدافع الحفاظ على الذات. وعقب إصدار كتاب «الخوف»، أصدرت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض سارة هوكابي ساندرز، بيانا، قالت فيه إن الكتاب «لا يحتوي على شيء سوى قصص مفبركة». 

ويرى بعض المحللين أن التأثير التراكمي لهذه الكتب التي توضح بالتفصيل ضعف أداء إدارة ترامب من المرجح أن ينتقص من دعم الإدارة محليًّا ودوليًّا. وبحسب آراء أخرى، فإنه من غير المحتمل أن تتسبب تلك الكتب في حدوث أي ضرر لترامب أو لحكومته على المستوى المحلي، نظرًا إلى طبيعة قاعدته الانتخابية المخلصة. ومن خلال عرض نظرة عامة مقارنة للفضائح خلال فترات الرئاسة الأمريكية المختلفة السابقة، يسعى هذا العرض إلى التحقق من صحة هذه الفضائح، وذلك من أجل استنتاج كيف يمكن أن يكون لكتاب وودورد تأثير على مستقبل ترامب السياسي.

بدايةً من تحليل مقارن لفضائح ترامب، من الواضح أنه ليس الوحيد الذي يواجه تحديًا من خلال الإضرار بحسابات داخلية من إدارته؛ فقد واجه أوباما سلسلة من الفضائح التي تم نشرها والتي أحيانًا أساءت وأحيانًا عززت سمعته بين الناخبين؛ فكتاب «الوعد: الرئيس أوباما، العام الأول»، لجوناثان ألتر، والذي صدر عام 2011. كان قد أثنى على رؤيته السياسية وخياراته السياسية خلال عامه الأول في البيت الأبيض، ما ساعده على ضمان الفوز في الانتخابات الرئاسية لعام 2012. وفي المقابل، أضر كتاب «الواجب: مذكرات وزير حرب»، لروبرت جيتس، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق في عام 2014. بسمعة أوباما فيما يتعلق بالدفاع الوطني. 

وكما هو الحال مع أي فضيحة، يخلص البعض إلى أن ما تم نشره هذا العام سيضر بالوضع السياسي الداخلي لترامب، والدليل على هذا التأثير ما احتواه كتاب «مايكل وولف»، من كون الإدارة مرتبكة وغير فعّالة ومتقلبة على نطاق واسع بما يكفي لاحتمال أن يمتنع الناخبون غير الجمهوريين عن تقديم دعمهم له أو لحزبه في الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر 2018. وما بعدها في عام 2020. وبالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية، وفي ظل الظروف العادية، يمكن حتى لأنصار الحزب من المُنفتحين أن يختاروا عدم دعمهم؛ بسبب تلك الفضائح، كما يعتقد بعض المحللين أن يكون هذا هو الحال كذلك بعد صدور كتاب «وودوارد» بين الجمهوريين المُعتدلين.

ومع ذلك، فإنه بفحص الاستطلاعات المُعاصرة، يبدو أن هذه المعايير لا تنطبق على الرئيس ترامب. ووفقًا لمؤسسة جالوب، وهي إحدى الشركات الأمريكية الرائدة في مجال استطلاعات الرأي، واعتبارًا من التاسع من سبتمبر، أعلن 36% من المستقلين دعمهم لدونالد ترامب، وهم الأشخاص أنفسهم الذين تم استطلاع آرائهم في الأسبوع السابق، بزيادة بنسبة 1% في الدعم الذي تم تسجيله في الفترة بين 20 و26 أغسطس. 

وعن سبب عدم تغيير من يطلق عليهم «الناخبون من أصحاب الأصوات المتأرجحة» آرائهم على الرغم من الفضائح التي كشف عنها كتاب «وودوارد»؛ فربما يعود السبب في ذلك إلى أن ترامب معروف بالفعل بأنه شخصية مُثيرة للجدل، حيث يُعزز الكتاب حقا ما يروى عن ترامب، ومن ثم، لن يقود الكتاب أي شخص إلى تغيير أفكاره.

علاوة على ذلك، فإن التوقعات بأن كتاب وودورد –كسابقيه- سيضر بالرئيس الأمريكي وقاعدته الانتخابية الجمهورية تظل لا أساس لها من الصحة. ويبقى واضحًا أن دعم ترامب داخل الحزب الجمهوري مرتفع بصورة غير عادية تفوق الرئيسين رونالد ريجان ودوايت أيزنهاور. وتجدر الإشارة إلى أن استطلاعًا لمؤسسة جالوب أظهر أن ترامب يحظى بقبول لدى الجمهوريين في ضوء نتائج أعماله بدرجة وصلت إلى 85%. 

ولعل الأهم من مغبة فقدان ترامب التأييد من قِبَل قاعدته الانتخابية الموالية له هو حقيقة أنه رغم فضائحه الواضحة، إلا أنها لا تسهم بأي شكل من الأشكال في تراجع شعبيته. ولعل هذا يعود إلى اعتبار ترامب نفسه سياسيا يتمتع بالشعبية، كما أنه لا يخفى أن حجر الزاوية في منهجه السياسي هو تقديم نفسه كمرشح إصلاحي يلتزم بما تمليه عليه النخب الليبرالية في واشنطن ووسائل الإعلام من خطط وتوجهات. ولقد تعززت هذه الصورة القوية من خلال ترويجه، لنظريات المؤامرة، مثل فضيحة «بيتزا جيت» وقيادته لحركة «Birther» التي شككت في مولد أوباما في الولايات المتحدة، وكل هذا أدى إلى عدم الثقة من قِبَل جماهيره، في خصومه الليبراليين في مجالات السياسة والمجتمع ووسائل الإعلام.

وقال جوردان هاريس، المدير التنفيذي لمعهد بيجاسوس،Pegasus Institute، وهو مؤسسة فكرية معنية بالسياسة العامة مقرها في لويزفيل: «إن الرأي العام الأمريكي، الذي يعتمد على وسائل الإعلام في معظم معلوماته عن الإدارة الأمريكية، لا يبدو قادرًا على التمييز بين الفضائح الكبرى والفضائح الثانوية، أي أن فضائح ترامب من وجهة نظر العامة ثانوية». ومن ثم، فإن ما يكشفه الكتاب، والافتتاحية التي نشرتها نيويورك تايمز، غالبًا ما تؤكد صحة الادعاءات التآمرية بين مؤيديه، ومن ثم، يعزز من ولائهم. ويتنبأ جون متشام، المؤرخ الرئاسي، في تقرير صادر عن مؤسسة نيمان بجامعة هارفارد، بأن «ثلاثين في المائة من الرأي العام سيكون مع الرئيس الحالي، وحتى إذا وضعوا الأصفاد في يديه، سيؤكدون أنها مطاردة تآمرية تمت تدبيرها مسبقًا».

على العموم، إن الصورة الكارثية التي نقلها وودورد عن البيت الأبيض تجعل الولايات المتحدة عرضة للخطر في صنع سياستها الخارجية. فهذا الكتاب يوفر للدول المعادية والمنافسين الأقوياء في النظام الدولي، مثل الصين وروسيا، نظرة ثاقبة للحكومة الأمريكية تسمح لهم بتحديد نقاط ضعفها: ومنها ميل ترامب إلى تغيير آرائه، وقابليته للإطراء، وعلاقته العدائية مع موظفيه، وما إلى ذلك. وهذا يسمح دبلوماسيًّا لهذه الدول عند التعامل مع الولايات المتحدة بالاستفادة من هذه الانقسامات، واستغلال النهج الشخصي الذي ينتهجه ترامب في السياسة من أجل تعزيز مصالحها على حساب الولايات المتحدة الأمريكية، في أي منتديات مثل المفاوضات الثنائية أو في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. و«بالنسبة إلى بعض القادة السياسيين الأمريكيين، فإن افتقار ترامب إلى الخبرة يفتح الباب أمام تعرض العلاقات مع الولايات المتحدة للضرر، في الوقت الذي يسعى فيه هؤلاء القادة إلى مزيد من النفوذ»، وذلك حسبما ذكرت سوزان فرويتشل بجامعة ييل الأمريكية في أعقاب إطلاق كتاب «النار والغضب» في يناير 2018.

وختاما، لا شك أن الآثار المترتبة على ما يشير إليه وودورد في كتابه متعددة الأبعاد؛ فعلى الصعيد المحلي، من الصعب تحديد التأثير الذي سيفقد فيه الناخبون الثقة في الرئيس الأمريكي بعد صدور هذا الكتاب. وفي الوقت الحاضر، يبدو أنهم غير متأثرين، بينما في المقابل، يبدو أن الجمهوريين سيزيدون من ولائهم لشخص الرئيس، بالنظر إلى الطبيعة التآمرية التي لدى العديد من الأطراف في الدائرة الداخلية التي تحيط بترامب. وعلى الصعيد الدولي، تظل النتائج والتأثيرات أقل دقة؛ حيث إنه من المرجح أن تستفيد الدول المعادية من الفوضوية التي أبرزها الكتاب، كما سيعزز ذلك من الشعور بالعزلة لحلفاء واشنطن تجاه إدارة ترامب. فبعد مرور 19 شهرًا على الإدارة الأمريكية شهدت فضائح شخصية ومهنية لا تعد ولا تحصى، لكن ترامب يبدو أنه محصن بشكل كبير من أي تكشفات أو فضائح من شأنها أن تطيح بمعظم الرؤساء الآخرين. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news