العدد : ١٤٨١٥ - الاثنين ١٥ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٥ - الاثنين ١٥ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

قوة صينية لمكافحة الإرهاب في الخارج: استراتيجية جديدة للقوات المسلحة الصينية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٨ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

في التاسع والعشرين من سبتمبر2018 قال رئيس المخابرات في الشرطة الصينية وهي جهاز يتبع الجيش «إن بكين تعمل على تشكيل قوات خاصة لمكافحة الإرهاب، يمكنها القيام بمهام اقتحام داخل البلاد وخارجها لحماية مصالحها فيما وراء البحار»، وأضاف القول «إن استعدادات الحرب ضد الإرهاب يجب أن تشمل حماية المصالح الاستراتيجية الوطنية في أي مكان»، وواقع الأمر أن ذلك القرار يعكس تحولا مهما في استراتيجية الصين ليس فقط في مجال مكافحة الإرهاب بل بالنسبة إلى عمل القوات المسلحة الصينية ذاتها، فعلى الرغم من أن الاستراتيجية العسكرية الصينية التي تضمنها ما يعرف بالكتاب الأبيض الصادر في النصف الأول من عام 2015 وهو وثيقة دفاعية مهمة تضمنت أن المبدأ الذي يحكم عمل القوات المسلحة الصينية هو «نحن لن نهاجم إلا إذا تعرضنا لهجوم»، فإن التحدي يخلق الاستجابة ومن ثم فإن الاستراتيجيات العسكرية لا تبقى في حالة جمود بل تتطور وفقًا لما تقتضيه التحديات الأمنية، ففي نهاية العام ذاته صدر قانون لمكافحة الإرهاب يتيح للقوات المسلحة الصينية القيام بعمليات فيما وراء البحار، فلماذا هذا التحول النوعي في عمل القوات المسلحة الصينية؟ بل والأهم ما آفاقه ودلالاته بالنسبة إلى أمن الخليج العربي والأمن الإقليمي عمومًا؟ وما متطلبات تفعيل تلك الخطوة؟ 

إن إمعان النظر في جهود الصين للتصدي للإرهاب خلال السنوات القليلة الماضية يعكس مؤشرات مهمة ابتداءً من عقد عديد من الاتفاقيات الأمنية مع بعض الدول الإفريقية خلال الزيارات المتبادلة بين مسؤولي الجانبين، ومرورًا بمشاركة القوات المسلحة الصينية في مناورات مشتركة استهدفت بشكل أساسي مواجهة الإرهاب والتطرف مع كل من باكستان والهند ضمن منظمة شنغهاي، وانتهاء باقتراح أحد المسؤولين الأمنيين في الصين خلال اجتماع لمستشاري الأمن القومي لتلك المنظمة تأسيس بنك معلومات عن العناصر الإرهابية الأمر الذي من شأنه تسهيل مواجهة تلك العناصر.

وأتصور أن قرار الصين بمواجهة الجماعات الإرهابية وملاحقتها حتى خارج أراضيها يأتي ضمن استراتيجية صينية مفادها أهمية اتخاذ إجراءات احترازية استباقية من شأنها القضاء على تلك التهديدات قبيل بلوغها الأراضي الصينية، فمن ناحية ستكون فرصة مواتية للقوات المسلحة الصينية للانخراط بشكل أكبر ضمن الجهود الدولية في هذا الشأن، ومن ناحية أخرى يمكن لتلك القوة المقترحة التعامل مع بيئة أمنية مختلفة تحتوي على خبرات للقوات المسلحة الصينية وخاصة خلال الأزمات إذ لم تكن الصين بعيدة عن تلك الخبرات حيث أرسلت ثلاث سفن حربية لإجلاء مواطنيها من اليمن في عام 2015.

وبرأيي فإن قرار تأسيس تلك القوة يعكس النفوذ الصيني المتنامي والملحوظ إبان العقد الأخير ليس على المستوى الاقتصادي فحسب إذ بلغت نسبة النمو 6.6% لتبقى ثاني أكبر ناتج إجمالي في العالم. بل على المستوى العسكري أيضًا من خلال تأسيس أول قاعدة عسكرية خارج الأراضي الصينية في جيبوتي لمكافحة القرصنة في عام 2017. والإعلان عن حاملة طائرات محلية الصنع في مايو 2018 والتي بإمكانها أن تحمل 40 طائرة، وجميعها مؤشرات بلاشك سيكون لها انعكاسات على أمن الخليج والأمن الإقليمي في ضوء اعتبارات ثلاثة الأول: أنه منذ الإعلان في عام 2013 عن مبادرة «حزام واحد طريق واحد» التي تستهدف الربط بين دول آسيا الوسطى وشرق إفريقيا، والمحيط الهندي بالبحر المتوسط والتي تم تخصيص ميزانية هائلة لها، تدرك الصين أن ثمة حاجة إلى دور أمني يتوازى مع تلك الأهداف الطموحة بالنظر إلى التحديات الأمنية التي تواجهها سواء في محيطها الإقليمي أو في منطقة الشرق الأوسط عمومًا بما يتطلبه ذلك من حضور ملحوظ للصين في مفاصل الأمن الإقليمي والأمن العالمي، والثاني: أن إعلان الصين رغبتها في التعاون مع التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب الذي أعلنت المملكة العربية السعودية عن تأسيسه في عام 2015 يمثل ركيزة أساسية نحو تأسيس رؤية مشتركة لمواجهة الجماعات الإرهابية في ظل قرار الصين بإنشاء تلك القوة، والثالث: أنه في ظل استمرار أزمة الملف النووي الإيراني فإن أمن الطاقة بلاشك قضية حيوية بالنسبة إلى أمن الصين التي تعتمد على المنطقة بشكل كبير في وارداتها النفطية بما يجعل من التصدي للتهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز مصلحة استراتيجية للصين. 

وباعتقادي أنه حتى يمكن تفعيل عمل تلك القوة التي من المزمع تأسيسها فإنه يتعين وضع قوائم للجماعات الإرهابية التي تمثل تهديدًا سواء للصين أو الأمن الإقليمي في الوقت ذاته، فضلاً عن إمكانية الاستفادة من تجربة الصين في مكافحة الإرهاب الإلكتروني.

ومجمل القول إنه في الوقت الذي يشهد فيه النظام العالمي تحولا وإعادة ترتيب مراكز القوى وخاصة في ظل صعود القوى الآسيوية ومنها الصين فإن ذلك النظام يجد ذاته مدعوًّا إلى التعاون لمواجهة تحدي الإرهاب الذي لم تعد تخلو منه استراتيجيات الأمن القومي للدول كافة. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز

 البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news