العدد : ١٤٨٧٨ - الاثنين ١٧ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٨ - الاثنين ١٧ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

ذكريات وأسرار عن حرب 6 أكتوبر 1973 (2)

بقلم: يوسف صلاح الدين

الأحد ٠٧ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

تعددت الأقوال عن أحداث الحرب من ان مدير المخابرات الإسرائيلية وصلت اليه أخبار الاستعداد للحرب في مساء الجمعة 5 أكتوبر 1973 وأعلم سكرتير مكتب جولدا مائير رئيسة الوزراء وقول آخر تريث حتى يتأكد من الأخبار، ولكن جميع الوثائق تؤكد أن المعلومات أصبحت معروفة لدى القيادة في صباح يوم السبت العاشر من رمضان ويصادف 6 أكتوبر وهو من أهم أيام الأعياد اليهودية «كيبور أو الغفران» وتعطل فيه جميع الوزارات وتتوقف الخدمات تماما واستعدت إسرائيل للعزلة وأغلقت الحدود مع الضفة الغربية من اليوم السابق، وينقطع اليهود فيه عن جميع الأعمال.

دعت مائير إلى اجتماع عاجل للوزراء وتم إعلان التعبئة العامة بكلمات مشفرة عن طريق الإذاعة والتلفزيون التي كانت متوقفة لاستدعاء الاحتياط. 

كان هناك شكّ لدى إسرائيل في وقوع حرب بعد الظهر أو في المساء لأن من العادة أن يكون الهجوم في الفجر, كما أن استدعاء الاحتياط سيكلفها الكثير من الوقت والمال وسيثير الرأي العام العالمي ضدها فتم تجنب تصعيد الموقف أو القيام بضربة جوية احترازية سريعة وشاملة لسوابق السادات بتصعيد المواقف من قبل، فتقرر إرسال بعض الطائرات للاستطلاع والتعامل مع التحركات إذا كانت صحيحة قبل بداية الحرب بساعات، وتم إسقاط بعض الطائرات قبل اقترابها من قناة السويس وقول آخر إن إسرائيل وأمريكا علمتا بالهجوم بيوم واحد واعتقدتا أنها ستكون اشتباكات محدودة لأنه من الجنون قيام الجيش المصري بعبور قناة السويس مما يؤكد نجاح التضليل بعدم جدية السادات للحرب والإعلان عن تسجيل ضباط وجنود للذهاب إلى العمرة وإعلان جدول مباريات كرة القدم والاسترخاء الذي كان يقوم به الجنود المصريون على قناة السويس والإعلان عن سفر اللواء محمد حسني مبارك قائد السلاح الجوي إلى ليبيا، وكان أربعة من الوزراء خارج مصر في مهمات رسمية خلال تلك الفترة. 

كان السادات بطل قرار الحرب فقد تفاهم ونسق مع الرئيس الأسد والرؤساء العرب ورؤساء الدول الصديقة للحصول على دعمهم وأطلعهم على قرار الحرب من دون تحديد الوقت، ويقال إنه زار الاتحاد السوفيتي قبل الحرب وأطلعهم على قرار الحرب ومن دون تحديد وقت الهجوم ولكنه أطلع الملك فيصل على توقيت الحرب كما أنه والأسد لم يطلعا شريكهما العقيد معمر القذافي الذي تضايق رغم دوره في قيام الاتحاد الثلاثي ودعمه لمصر بالمال والسلاح ووضع تحت تصرفها 54 طائرة ميراج مع طياريها المصريين والليبيين مما دعاه إلى الطلب من مصر إرجاع طائرات الميراج خلال الحرب.

نجحت الضربة الجوية باستخدام حوالي 220 طائرة خلال عشرين دقيقة وكانت صدمة لبعض الجنود الإسرائيليين عندما حلقت الطائرات فوقهم أثناء لعبهم كرة القدم وقصفت المدفعية مدة 53/55 دقيقة، وكانت مفاجأة للقيادة المصرية والإسرائيلية نجاح الضربة الجوية بخسائر 11 طائرة مصرية، وكان من ضمنهم شقيق السادات النقيب عاطف وتم إسقاط 35/38 طائرة إسرائيلية بواسطة صواريخ سام، وتمكن لأول مرة جنود المشاة من التصدي للدبابات من مسافات آمنة باستخدام صواريخ خاصة بدل استخدام قذيفة البازوكا القصيرة المدى واستطاع الطيران المصري دخول بوابة التاريخ العسكري بالتصدي للطيران الإسرائيلي في أكبر وأطول معركة جوية تحدث بعد الحرب العالمية الثاني في 14 أكتوبر 1973 وعرفت باسم «معركة المنصورة» والتي أصبحت عيدا سنويا للقوات الجوية المصرية. 

كان موقف الملك فيصل والرئيس الأسد قويا وصلبا أثناء المباحثات مع كسينجر، وأثبتت الأحداث قومية ووطنية الملوك والرؤساء العرب والآخرين من خلال دعمهم لمصر وسوريا وزودت باكستان سوريا بطائرات مقاتلة ودعم الملك فيصل بالمال والسلاح وأرسل قواته إلى الأردن وسوريا وأرسلت الكويت والعراق والأردن قوات إلى سوريا وكانت هناك قوات مغربية شاركت في القتال، ورغم أن شاه إيران محمد رضا بهلوي كان يزود إسرائيل بالنفط فإنه زود مصر بمشتقات نفطية بطلب شخصي من السادات وساهم مع الدول العربية في قطع النفط عن أمريكا وأوروبا، وأرسلت الجزائر قوات إلى مصر بعد الثغرة، وكان للرئيس هواري بومدين دور مهم في حرب يونيو1967 وحرب اكتوبر 1973 بسفره الى موسكو وطلب تدخل السوفييت وعرض دفع مبلغ مائتي مليون دولار في الحال لإرسال أسلحة عاجلة الى مصر وسوريا ويقال إن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان استلف مليار جنيه استرليني من بريطانيا لدعم مصر وسوريا وساهمت الكويت والعراق والسودان وليبيا وتونس والمغرب بإرسال قوات إلى مصر قبل أو بعد المعركة.

تمكن المصريون من التنصت على محطة التنصت الإسرائيلية في سيناء ومرروا معلومات مضللة كما تمكنوا من تجنيد وزرع بعض الجواسيس المصريين من جنسيات أخرى في إسرائيل للحصول على معلومات مهمة وكذلك فعل الإسرائيليون، وتم الإعلان عن بعض الأسماء من الطرفين ولكن ظهور اسم صهر الرئيس الراحل عبدالناصر وهو السيد أشرف مروان وتفاصيل مقابلته الأولى مع المخابرات الإسرائيلية في لندن قبل سنوات من حرب أكتوبر، أثارت ومازالت تثير علامات استفهام كبيرة وخاصة مقابلته رئيس المخابرات شخصيا في لندن وإعلامه بنشوب الحرب في السادسة من مساء اليوم التالي ولكن القيادة المصرية أعلنوا أنه أدى خدمات جليلة ومهمة لمصر بتمريره معلومات مفبركة إلى إسرائيل ولكن إلى الآن لم تكشف إسرائيل جاسوسا مصريا آخر سرب معلومات خطيرة لها خلال الحرب. 

تضاربت الأقوال عن الثغرة وهل أقام شارون جسرا آخر للعبور أو استخدم أحد الجسور المصرية ولماذا لم ينجح العميد محمد عبدالحليم بوغزالة أو باقي قادة الفرق أو السريات في تدمير الجسر، وقول آخر إن هناك خطة كانت جاهزة للقضاء على الثغرة بقيادة اللواء سعد الدين مأمون وقبل تنفيذها اتصل كيسنجر شخصيا بالسادات وأعلمه بأن القضاء على الثغرة معناه التصعيد ضد  الجيش الثالث، فألغى السادات العملية ووافق على وقف إطلاق النار وعلى مفاوضات الكيلو 101 وقول آخر إحضار شارون جسرا حديديا جاهزا جرته الدبابات واستغرق الأمر يومين لتثبيت الجسر منذ يومي 17/18 واستطاع العبور في الواحدة صباح يوم 19 أكتوبر ويبقى السؤال: كيف لم يتم رصده أو إيقافه؟ 

نحن في حاجة إلى إعادة كتابة أحداث حرب أكتوبر حتى تكون لنا دروس وعبر نستلهم منها ما يفيدنا ويمنع تكرار أخطاء كان يمكن تفاديها وعدم الاكتفاء بما يقوله كل طرف يحرص على ذكر إيجابياته ويهمل سلبياته، فكل طرف ينظر من منظوره بأنه الأحسن والأروع لأنه مازال هناك أقوال وتبريرات غير منطقية عن سير المعارك والثغرة ومباحثات فكّ الاشتباك. 

ستبقى تلك الذكريات عزيزة وتتحدى الزمن، فهي ملحمة خالدة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي سطر من خلالها الجيش المصري والسوري وباقي الجيوش المشاركة أو التي لم يسعفها الوقت للمشاركة فيها أروع البطولات، وذكريات النصر ستظل تفرض نفسها ولا يمكن إنكارها.. ومهما حدث من أخطاء وتبريرات فإن مصر من أكثر الدول التي ضحت ومازالت في سبيل القضايا الفلسطينية والعربية، وكانت ومازالت في خاطرنا. 

Yousufsalahuddin@batelco.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news