العدد : ١٤٨٧٨ - الاثنين ١٧ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٨ - الاثنين ١٧ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الانتخابات والتأثير على الجماهير

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٧ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

في الدورات التدريبية التي أقامها معهد التنمية السياسية بهدف تأهيل المترشحين والراغبين في خوض انتخابات البرلمان والمجالس البلدية، كان من ضمن الموضوعات التي طرحناها موضوع التأثير على الجماهير أثناء مخاطبتهم والتحدث معهم سواء في الخيمة الانتخابية أو في أي مكان آخر.

وقلنا إن النائب يجب أن يسعى إلى الوصول إلى واحدة من ثلاثة تأثيرات على الناخبين، وهي:

‭{‬ تأثيرات في معلومات الجمهور: فالمعلومات مصطلح واسع يستخدم لعدة معان بحسب سياق الحديث، وهو بشكل عام مرتبط بمصطلحات مثل: المعنى، والمعرفة، والتعليمات، والتواصل. ومن الجدير بالذكر أن التأثير في معلومات الناخب ليس من مهام النائب، فالنائب ليس له علاقة بمعلومات الناخب إلا في بعض الجزئيات البسيطة،  بل إن هذه التأثيرات خاصة بالمعلمين والدارسين وما شابه ذلك.

‭{‬  تأثيرات في اتجاهات (Attitude) الجمهور: وتعرف الاتجاهات على أنها بناء افتراضي، ويمثل درجة حب الفرد أو كرهه لموضوع معين. والاتجاهات عمومًا إيجابية أو سلبية لشخص أو مكان أو شيء أو حدث، وهذا كثيرًا ما يشار إليه كموضوع الاتجاه. ويمكن أن يتناقض الناس أيضًا ويتصارعون تجاه موضوع معين، ما يعنى أنهم يمتلكون اتجاهات إيجابية أو سلبية نحو هذا الموضوع في نفس الوقت. وهذه التأثيرات ذات أهمية كبيرة للنواب، فمن أهم مهماتهم للتأثير على الجماهير وخاصة في المراحل الأولى من العملية الانتخابية وقبل الاقتراع هو التأثير على الناخبين في اتجاهاتهم، إذ يجب أن يستحوذوا على عواطفهم التي ربما كانت سلبية تجاه المترشح لتحويلها إلى عواطف إيجابية تجاهه، وهذا هو الجهد الأكبر في عملية التأثير، وخاصة في ظل وجود منافسين للمترشح في نفس الساحة والدائرة الانتخابية وهذا يمكن أن يؤدي إلى تغير كبير في عواطف ومشاعر الناخبين. 

‭{‬ تأثيرات في سلوك (Behavior) الجمهور: وأما السلوك فهو التصرفات والأفعال الصادرة من الأشخاص نتيجة لمثير معين، والمقصود به الفعل والاستجابة معناها رد الفعل. كما يجد آخرون أن السلوك حالة من التفاعل بين الكائن الحي ومحيطه أو بيئته، وهو في غالبيته سلوك مُتعلم (أي مكتسب)، ويتم من خلال الملاحظة والتعليم والتدريب، ونحن نتعلم السلوكيات البسيطة منها والمعقدة، وإنه كلما أتيح لهذا السلوك أن يكون منضبطًا وظيفيا ومقبولا، كان هذا التعلُم إيجابيًا، وإننا بفعل تكراره المستمر نحيله إلى سلوك مبرمج والذي سرعان ما يتحول إلى «عادة سلوكية» تؤدي غرضها بيسر وسهولة وتلقائية. ويُنظر إلى السلوك أيضًا على أنه كل ما يفعله الإنسان ظاهرًا كان أو غير ظاهر، وينظر إلى البيئة على أنها كل ما يؤثر في السلوك، فالسلوك إذن عبارة عن مجموعة من الاستجابات، وإلى البيئة على أنها مجموعة من المثيرات. والسلوك هو عملية متواصلة للاتجاهات، فإن استطاع المترشح أن يستحوذ على اتجاهات الناخبين فإنه، من ثم يمكنه أن يؤثر في بعض سلوكياتهم، وإن كان ليس المطلوب منه أن يؤثر فيهم بطريقة كبيرة وإنما هي العملية التي تسير بهم يوم الاقتراع في وضع اسمه في الصندوق.

وهذه التأثيرات الثلاثة غالبًا ما تحدث متتالية، بمعنى أنه حينما تتغير معلومات الفرد فإنه يتبع ذلك تغيير في اتجاهاته، وبعدما تتغير الاتجاهات تصبح عملية تغيير السلوك حتمية، لذلك كنا نقول للإخوة المتدربين إنه على الإخوة الراغبين في الترشح سواء للمجلس البلدي أو النيابي أن يُعيدوا التفكير في قدراتهم على التأثير في الجماهير حتى يظفروا بمقعد في أحد المجلسين. 

ومرة أخرى نقول إن التأثير في المشاعر والاتجاهات هو النقطة المركزية والارتكازية التي يستطيع من خلالها المترشح أن يتلاعب بها وعليها ويعزف عليها أنغامه الموسيقية، وخاصة فيما يتعلق بتوفير احتياجات البشر الأساسية وربما الشخصية، فهو يمكن أن يتحدث عن الموضوعات الخاصة بتوفير السكن والراتب والتقاعد وما إلى ذلك، فالجماهير تصدق ما تريد هي أن تصدقه إن كان المترشح يستطيع أن يعزف بطريقة صحيحة على الأوتار الحساسة لدى البشر.

وعندما نتحدث عن موضوع التأثير على الجماهير في حالة الانتخابات فقط، وليس التأثير الجماهيري العام في الشعوب والبشر، فإننا نجد أنفسنا نختلف نوعًا ما مع المفكر جوستاف لوبون صاحب كتاب «سيكولوجية الجماهير» وهو أول كتاب صدر في موضوع علم نفس الجماهير في التاريخ، وموضوع هذا الكتاب ربما نتحدث فيه ذات يوم من خلال هذه الزاوية، ولكن ما نود أن نشير إليه قول لوبون في كتابه أن الجماهير غير عاقلة، بل هي تفكر بعاطفية، وهذا يعني أنه يمكن أن ندغدغ مشاعرها بطريقة أو بأخرى للتحكم فيها، وهذا إن كان صحيحًا في الكثير من الأحيان إلا أن في العملية الانتخابية يصعب تطبيق هذه الفكرة بصورة كبيرة، فالجماهير في الدول أصبحت اليوم نوعًا ما واعية ويمكنها أن تفكر وخاصة في وجود البدائل، فأنت – كمترشح – لست وحدك في الدائرة الانتخابية بل سوف تواجه عدة أفراد يتنافسون معك على هذه الجزئية من الأرضية لذلك فمن تكون أنت؟ وكيف تتنافس مع المترشح الآخر، وهنا نأتي إلى السؤال الذهبي الذي لا بد لكل مترشح أن يجيب عليه بنفسه وبصدق: لماذا يتعين على الناس أن يصوتوا لك من دون سواك؟

وهنا تأتي النقطة الثانية التي يطرحها لوبون في كتابه وهي: أنه كلما كانت الفكرة مثيرة وغير مألوفة ساعدت على التأثير في الجماهير وأصبحت أكثر انتشارًا.

وهذا الموضوع صحيح، ولا نختلف كثيرًا مع المفكر في طرحها، لكننا نختلف مع الإخوة المترشحين وخاصة في طرح الأفكار الغريبة عن الواقع المعاش للمواطن، فمثلاً: من غير المعقول أن يطلق أحد الإخوة المترشحين فكرة نقل المطار إلى مكان آخر، ومن ثم يتوقع أن تزدحم الجماهير يوم الاقتراع لانتخابه، هذا وإن كانت الفكرة رائعة ومقبولة لساكني منطقة المحرق بدرجة كبيرة، إلا أن نقل المطار يحتاج إلى دراسات وميزانيات والكثير من الأفكار والبدائل التي تحتاج إلى التفكير العميق بدلا من مجرد إطلاق الوعود التي نعرف جميعًا أنه يصعب تنفيذها.

أو كما أشار أحد الراغبين في الترشح أنه سيحول المدينة (س) إلى جنة وحدائق غناء وأنهار، هذه فكرة غريبة ومثيرة، لكنها فكرة غير واقعية ويصعب تنفيذها في الواقع، فالمترشح أيًا كان سواء للمجلس البلدي أو النيابي فإن إمكاناته محدودة بحسب ما هو متاح له من حيث الإطار القانوني والإطار الجغرافي والواقعي، فالواقع والبيئة الجغرافية تشير إلى تملح الأراضي والمياه وصغر المساحات التي يمكن زراعتها والكثير من الأمور الواقعية التي سوف يصطدم بها المترشح في حال إن صدق وحاول أن يقوم بتنفيذ فكرته.

لذلك أصبح الكلام الذي يطلق للتأثير على الجماهير وخاصة في العملية الانتخابية يحتاج إلى نوع من العقلانية والمرشحات إذ إن المترشح يجب أن يعرف قدراته هو أولاً والمساحة المتروكة له حتى يستطيع أن يعزف عليها ألحانه التي يمكن أن تؤثر في الجماهير ومن ثم تضع اسمه في صناديق الاقتراع.

وقد يسأل أحد المترشحين؛ كيف إذن يمكن أن أحدث الجماهير؟ وكيف يمكن أن أؤثر فيهم؟ وماذا يمكنني أن أثير في برنامجي الانتخابي؟ وهل برنامجي الانتخابي يجب أن يكون واقعيا وجافا أو أن تتخلله بعض البهارات التي أدغدغ بها مشاعر الناس؟

وإن كنا لا نرغب في التحدث كثيرًا عن البرامج الانتخابية وصياغتها والأفكار والأطروحات التي يمكن أن نتطرق إليها في برامجنا الانتخابية، إلا أنه عندما نتحدث عن التأثير في الجماهير نجد أنه من الضروري أن نتطرق ولو جزئيًا عن موضوع البرامج الانتخابي إذ إن البرنامج الانتخابي هو الذي:

‭{‬ يحدد للمترشح خريطة طريق، إذ إنه عبارة عن خطة وتنسيق أولويات العمل.

‭{‬ يساعد في تسويق المترشح. 

‭{‬ يوضح الفرق بين المترشح ومنافسه. 

فالبرامج الانتخابية هي الوسيلة التي يخاطب بها المترشح الجماهير ومن خلالها يؤثر فيهم، ومن خلالها يستطيع الناخب أن يميل بعواطفه لك أنت أو لمنافسك، لذلك يجب أن تتميز البرامج ببعض الخصائص مثل: 

1- أن يكون البرنامج طموحا؛ وذلك في حدود الطموح المقنع، إذ يجب ألا يشطط الخيال إلى درجات لا يمكن تنفيذها، ولا تكون الأفكار المطروحة فيه أفكارًا وأطروحات مقيدة بواقع مرير لا يمكن تغييره، بل يجب أن تكون أفكار المترشح ذات طموحات متوازنة بين الطموح العالي والواقع الآني، والأفكار التي يحاول بصدق تنفيذها.

2- أفكار جديدة وحلول مبتكرة؛ إن استطاع المترشح أن يأتي بأفكار جديدة يمكن من خلالها أن يطور المجتمع الذي يعيش فيه فهذا أمر رائع ومطلوب، ولكن إن لم يستطع فعلى الأقل يجب أن يحاول أن يتطرق إلى بعض المشاكل القديمة والتي لم تجد الحلول الناجعة فيقدم لها الحلول المبتكرة ليس ذلك فحسب بل يقدم حلولا يمكن تنفيذها، أو أن تكون تلك الحلول في متناول اليد.

3- مقنعة وصحيحة؛ من غير الحكمة أن نتطرق في برنامجنا الانتخابي إلى الأفكار المثيرة بهدف إثارة الجماهير فقط، بل من الحكمة بمكان أن تكون أطروحاتنا مقنعة وصحيحة، فلا يمكن مثلاً أن نقول كما قال المترشح إنه سيحول المدينة (س) إلى جنة غناء ونحن نعلم علم اليقين أن هذا الأمر مستحيل في ظل الظروف البيئية والجغرافية التي نعيشها. 

وإن كان موضوع البرامج الانتخابية موضوع آخر، إلا أنه من خلال هذه البرامج يمكن أن نؤثر في الجماهير ونستميل عواطفهم، ومن ثم اتجاهاتهم، وهذا هو الهدف من كتابة البرامج الانتخابية.

لكن يجب أن يكون معلومًا إنه في علم نفس الجماهير لا يوجد شيء ثابت، إذ إن المترشح يتعامل مع النفوس والرغبات ولا يتعامل مع العقول والمنطق وما شابه ذلك، فربما يستطيع المرشح في لحظة أن يستميل الجماهير وتجدها تميل إلى منطقه وأطروحاته وربما أفكاره وتتأثر به أيما تأثر، وفجأة وربما بسبب شائعة صغيرة يتغير كل ذلك، فتجدها تهاجمه وتنتقده، وربما حتى لا تأتي إلى خيمته الانتخابية إلا الفئة القليلة فقط، وهذا لا يعني أنهم لا يحبونه كشخص بل ربما قام بخصمه بمناورة أذكي منه في استمالة الجماهير.

لذلك على المرشح خلال هذه الفترة أن يتعرف على الجماهير التي يريد أن يخاطبها، وأن يتعرف على ميولهم، وتفكيرهم، واتجاهاتهم واحتياجاتهم إن كان بالفعل يجد أنه حريص على إرضائهم، وفي نفس الوقت فإن على الجماهير ألا تنخدع ببعض الأطروحات غير العقلانية التي يمكن أن يطرحها بعض المترشحين، فالإمكانات معروفة وواضحة، فللخيال مكان وللواقع مكان آخر.

zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news