العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

فرعون.. وسوء الخاتمة!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٧ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

الطغيان مرتبط بالاستغناء، قال تعالى: «كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7)» العلق. طغى فرعون حين استغنى بسلطانه: «فقال أنا ربكم الأعلى» النازعات/24، وقال تعالى : «وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحًا لعلي أطلع  إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين» القصص/38، قالها فرعون حين استغنى بملكه السياسي، وسلطانه الدنيوي.

وطغى قارون حين استغنى بماله الذي آتاه الله تعالى: «قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون» القصص/78، وطغى صاحب الجنتين في سورة الكهف حين استغنى بالجنتين، وقال القرآن عنه: «ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرًا منها منقلبا (36)» الكهف.

لقد جعل الله تعالى ارتباط الطغيان بالاستغناء قانونًا إلهيا، وسنة كونية، فقال سبحانه: «ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير» الشورى/27، والبغي تجاوز الحد، وهو شبيهُ بالطغيان أو نظيرٌ له، والله تعالى عليم بخلقه، بصير بهم، ولهذا ينزل عليهم الرزق بما يناسب أحوالهم، فلا يبسطه عليهم كل البسط، فيكون في ذلك فسادهم ومن ثم طغيانهم على الخلق.

لقد بلغ فرعون حدًا في الطغيان جعله يشاقق الله تعالى في ملكه، ويدعي ما ليس له بحق، فقال: «ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يُبين (52)» الزخرف، لهذا قال عنه القرآن: «فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قومًا فاسقين» الزخرف/54.

ولكن السؤال هو: هل تركهم الحق سبحانه وتعالى في طغيانهم يعمهون أم أجرى عليهم سننه، وأنزل بهم عقابه ليكونوا عبرة وآية لمن سيجيء بعدهم؟ قال تعالى: «إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين» القصص/4، فكان جزاؤه أن أورده الله تعالى موارد الهلاك، وجعله آية لمن خلفه من الطغاة المستبدين لعلهم يتعظون حين يقرأون سيرته فيحذرون من أن يصيبهم ما أصابه، قال تعالى: «فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرًا من الناس عن آيَاتِنَا لغافلون» يونس/92، كل ذلك بسبب الطغيان والظلم الذي حرمه الله تعالى على نفسه، وجعله بين الناس محرمًا، فقال سبحانه في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا..) رواه مسلم.

إذن، لم يقتصر طغيان فرعون على نفسه أو قومه بل تعداه إلى الناس حين صار أسوة سلوكية سيئة، وصدق عليه قول رسولنا صلى الله عليه وسلم: (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) رواه مسلم، وفرعون سنَّ سنة سيئة، وقد عمل بها من بعده بعض الحكام والسلاطين، فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ومن بعدهم إلى يوم الدين، ولقد حذَّر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من التأسي بفرعون، والسير على نهجه، كما حذَّر سبحانه وتعالى من المصير الذي سوف يؤول إليه أمثالهم، ورغم هذا التحذير الصريح، ورغم هذه الآيات والنذر، ورغم اعتراف الشيطان أنه لا سلطان له على من طغى وتكبر من الأكاسرة والقياصرة وغيرهم، وأنهم كان لديهم استعداد للظلم والاستبداد، ولقد سجل القرآن الكريم هذا الاعتراف حين قال: «وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم» إبراهيم/22.

ورغم كل هذا البيان الذي لا يحتاج إلى مزيد من البيان، فقد استمر الطغاة على مقاعد السلطة يسومون الناس سوء العذاب، ويظنون أنهم خالدون، وأنه لا قيامة ولا محاسبة بل هي حياتهم الدنيا وما يفنيهم إلا الدهر، وقال الله تعالى عن هؤلاء في قرآنه: «وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون» الجاثية/24، هذا هو ظنهم، فكانت خاتمتهم أسوأ خاتمة، وكانت نهاياتهم مأساوية، ولو استيقنوا أن هذا هو مصيرهم الذي سوف يؤولون إليه لما تمسكوا بالسلطة، ولما سعوا إليها وحرصوا على أن يورثوها إلى أعقابهم.

ولا يفوتنا هنا أن نقرر أنه من القواعد المقررة في الإسلام أن خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشرهم من طال عمره وساء عمله، سئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أي الناس خير؟ قال: (من طال عمره وحسن عمله). قيل: فأي الناس شر؟ قال: (من طال عمره وساء عمله) رواه الترمذي في سننه، وقال: حديث حسن صحيح.

وبعض الحكام اليوم لا يلتفتون إلى الآخرة، ولا يحسبون لها حسابا، فهم مغيبون عنها، أو هي ليست مفردة من مفردات حياتهم، ويظنون أنهم خالدون، ومن العذاب ناجون. 

بعض حكام هذا العصر هذه عقيدتهم في يوم القيامة، فهم لم يتعظوا بفرعون الأمس- فرعون موسى- وهم لم يتعظوا بفراعين هذا العصر وهم كُثُر، وبعضهم من المعاصرين لهم وقد رأوا نهاياتهم المأساوية بأمهات -بل وبآباء- أعينهم!. 

هذا سوء ظنهم الذي أوردهم موارد الهلاك، وخيب ظنونهم في الغد المأمول الذي يظنون أنهم صائرون عليه، ونقول لهم ما قاله القرآن عن أمثالهم: «قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كُنتُم صادقين» البقرة/94، وها هو القرآن يرد عليهم بقوله: «ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96)» البقرة. 

هذا هو المصير الذي ينتظر هؤلاء، ولقد أفاض القرآن وتوسع في بيانه حتى لا يكون للناس حجة بعد الرسل وبعد البيان.

www.aalbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news