العدد : ١٥٤٥٤ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٤ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤١هـ

سؤال

سيــد عبــدالقــــــادر

يوم لا ينسى

عشت يوم السادس من أكتوبر 1973، ورغم مرور السنوات الطويلة المليئة بالأحداث فإن كل التفاصيل الصغيرة له لم تنمح من ذاكرتي، وظلت هذه اللحظات الجميلة والمثيرة محفورة في وجداني.

كنا في بداية مرحلة الدراسة الثانوية حيث كان كل طلاب مصر الذكور يذهبون إلى مدارسهم بزي عسكري، وكان طابور الصباح يديره ضابط برتبة رائد ويساعده آخر برتبة نقيب، وكانت هناك أكثر من حصة أسبوعيا للتدريب العسكري، الذي يتضمن تدريبات على إطلاق النار بالذخيرة الحية. 

ضباط المدارس كانوا ينتمون إلى إدارة الدفاع الشعبي على ما أذكر، ضمن خطة لتحويل كل رجل أو شاب في مصر إلى مقاتل عندما تبدأ معركة تحرير سيناء، التي كان ينتظرها الجميع ويتمنونها في كل لحظة.

ذهبنا إلى المدرسة صائمين وعدنا نؤدي واجباتنا أو فروضنا المدرسية قبل موعد الإفطار، وفجأة بدأت المارشات العسكرية تنطلق من الراديو، اعتقدنا في بداية الأمر أنه بيان من بيانات حرب الاستنزاف المستمرة منذ ستة أعوام، عن قصف موقع أو إسقاط طائرة أو أي حدث سوف تهدأ الدنيا بعده عدة أيام... لكن لهجة البيان كانت غير معتادة؛ إذ تم الحديث عن عدوان إسرائيلي كبير على منطقتي الزعفرانة والسخنة (قرب السويس) وأن قواتنا تتصدى للهجوم ببسالة، ولم تتوقف البيانات حتى أدركنا في المساء أن أرتالا عسكرية مصرية نجحت في العبور إلى الشاطئ الشرقي لقناة السويس.. إنه إذن العبور الذي انتظرناه سنوات طويلة.

في تلك الأيام كان في كل بيت مصري شاب مجند، أو شهيد أو «مفقود» منذ حرب يونيو 1967، ورغم ذلك سادت حالة فرح عارمة في كل شبر على أرض مصر.. لم أر شخصا يتحدث عن خوفه من الغارات التي وقع بعضها بالفعل على حدود القاهرة، قبل العبور بشهور أو سنوات، كانت معنويات الجميع مرتفعة حتى أنهم كانوا يحتفون بأي سيارة عسكرية وكأنها قادمة من جبهة القتال.. لم ينم الناس عدة ليال، ولم تغلق أجهزة الراديو في البيوت أو على المقاهي.. وكان التهليل والتكبير ينطلق بعد إذاعة كل بيان عسكري.

أهم ما تعلمته من هذه الأيام أن الانتصارات العظيمة لا تصنعها الجيوش وحدها، وأن هذه الانتصارات تبدأ من البيت والمدرسة وتصل في النهاية إلى جبهات القتال وساحات المعارك، فالشعب عندما يتوحد خلف قائده تتحول أقوى المعجزات إلى واقع نراه بأعيننا ونلمسه بأيدينا.

وقد تعلمت من يومها درسا أهم، هو ألا أرى نفسي بعيون أعدائي، وخاصة من الغرب حيث ينظرون إلينا بتعالٍ، ويعتقدون أنهم أفضل منا وأكثر ذكاء، وأنهم قادرون على أن يوجهونا أو أن يقودونا بإعلامهم المزيف (كما يصفه الآن الرئيس الأمريكي ترامب)، فنحن العرب قادرون على تحدي العالم كله إذا وحدنا قرارنا... وهذا لن يتحقق بالحديث عن غزوات الماضي، ولا عن فتوحاتنا القديمة، بل بالكلمة الواحدة وبالقرار الشجاع الذي يضع مصلحة شعوبنا فوق كل اعتبار... وإذا كنا في يوم السادس من أكتوبر نتذكر القرار الشجاع للرئيس الراحل أنور السادات بخوض الحرب، فقد كان هناك قرار آخر شجاع وتاريخي من الملك فيصل (طيب الله ثراه) بوقف ضخ النفط.. فبسبب هذا القرار حبس العالم أنفاسه وأدركوا أن هناك أمة كبيرة يمكن أن تفرض إرادتها على الجميع، إذا وحدت قرارها.. ومن يومها لم تتوقف محاولات بث الفرقة بيننا حتى لا يزأر المارد العربي في وجوههم مرة أخرى.

إقرأ أيضا لـ"سيــد عبــدالقــــــادر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news