العدد : ١٤٨١٥ - الاثنين ١٥ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٥ - الاثنين ١٥ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٠هـ

مقالات

كوارث حرق الكتب وتدمير المكتبات عبر العصور

بقلم: د. منصور محمد سرحان

السبت ٠٦ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

تعرَّض الكتاب وأماكن وجوده إلى الحرق والتدمير منذ أن بدأ يكتب على الرق (الجلود) وأوراق البردي في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد، ثم على الورق (القرطاس) بالعراق في نهاية القرن الثامن الميلادي عندما تم تأسيس أول مصنع للورق في بغداد سنة 794م ناقلين صناعة الورق من سمرقند إلى بغداد في عهد هارون الرشيد، الذي اهتم اهتماما خاصا بصناعة الورق، وألزم الناس ألا تكتب إلا على الورق أو (الكاغد) كما كان يطلق عليه أيضا.

تعد مكتبة الإسكندرية التي تأسست في عام 288 قبل الميلاد، أول المكتبات التي تأسست في العالم، وأول المكتبات التي تم تدميرها وحرق كتبها. وكانت المكتبة مكونة من مبنيين، المبنى الرئيسي وأطلق عليه (البروكيوم) وضم 490 ألف كتاب على شكل لفائف، والمبنى الفرعي وسمي (السيرابيوم) وضم 42800 لفيفة كتاب.

استمرت المكتبة تقدم خدماتها على مدى قرنين، بعد ذلك تم حرقها على يد يوليوس قيصر الذي أمر باحراق السفن في الميناء أثناء المعارك الدائرة هناك عام 47 قبل الميلاد، فامتدت النار والتهمت ألسنتها القسم الرئيسي من المكتبة (البروكيوم) فاحترقت جميع محتوياته، وبقيت المكتبة ممثلة بقسمها الفرعي. وعندما بدأت الديانة المسيحية في الانتشار في الإسكندرية، أمر بطريرك الإسكندرية (تيوفيل) بتدمير المكتبة في عام 391م وحرق الكتب الموجودة في قسمها الفرعي السيرابيوم.. وبهذا قضي على مكتبة الإسكندرية وعلى جميع ما احتوته من كتب. 

وعندما جاء الإسلام انتشرت ظاهرة حب القراءة واقتناء الكتب لدى كثير من المسلمين في جميع الأمصار الإسلامية، وتأسست المكتبات الكبيرة في بغداد والقاهرة والأندلس. وعلى الرغم من انتشار ظاهرة حب القراءة واقتناء الكتب، إلا أن الكتاب لم يسلم من الحرق، ولم تسلم المكتبات من التدمير، كما لم يسلم بعض المؤلفين من القتل وخصوصا الذين كتبوا في الفلسفة.

    بدأت ظاهرة حرق الكتب أو دفنها أو رميها في الماء على يد مجموعة من المتنسكين من أئمة المسلمين آنذاك اعتبارا من القرن الثاني الهجري. ويبدو أن التنسك والتعبد على طريقة الرهبان كان العامل الرئيسي في تخلصهم من الكتب التي جمعوها. فعندما تنسك أحمد بن أبي الجواري حمل كتبه التي جمعها وتخلص منها برميها في الماء.

     ويروى أنه كانت لعمرو بن العلاء المتوفى سنة 154هـ كتبا ملأت بيته حتى السقف، ثم تنسك فأحرقها. وفي القرن الثاني الهجري أيضا قام أبو مخلد عطاء بن مسلم الكوفي بدفن كتبه قبل وفاته، وهو ممن اتسم بالصلاح والتقوى وروى الحديث وروي عنه. وأحرق أبو حيان التوحيدي كتبه بنفسه لأنه لم ينل من التقدير والاحترام في حياته ما كان يرجوه.

     هناك العديد من المكتبات الخاصة الكبيرة التي دمرت وأحرقت كتبها كمكتبة بني عمار التي كانت تضم زهاء ثلاثة ملايين مجلد وفق ما رواه المؤرخ ابن أبي طي والكثير من المؤرخين المستشرقين مثل: غيبون، وغروهمان، وشوشتري، فقد تعرضت للنهب والحرق من قبل الصليبيين عند احتلالهم طرابلس سنة 502هـ / 1009م. كما أحرقت مكتبة ابن حزم الأندلسي وهو من كبار علماء المسلمين، إثر خلاف بينه وبين المعتضد بن عباد صاحب أشبيلية فأمر بحرق كتبه علنا.

     تمثلت الخسارة الكبرى في تدمير المكتبات عندما اجتاح المغول بغداد وقاموا بإلقاء جميع محتويات مكتبة بيت الحكمة في نهر دجلة، وكانت تضم حينها زهاء مليون كتاب، كما دمروا 36 مكتبة عامة في بغداد أيضا.

وكان مصير مكتبة دار العلم بالقاهرة ليس بأفضل من مصير مكتبة بيت الحكمة في بغداد. وتذكر المستشرقة الألمانية زيغرد هونكه في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) أن مكتبة دار العلم اقتنت حوالي مليون وستمائة ألف مجلد، كما ضمت 6500 مخطوطة في الرياضيات و18000 مخطوطة في الفلسفة، وجميع هذه الكتب قد فقدت لعدة أسباب منها الخلاف الذي وقع بين الجنود السودانيين والأتراك عام 1068م حيث لم يستطع الخليفة من دفع رواتب الجند، الأمر الذي أدى إلى هجوم الجند على المكتبة والعبث بمحتوياتها ومن بينها الكتب المجلدة تجليدا فاخرا حيث نزعوا أوراقها واتخذوا من جلودها نعلا لهم  وأشار القلقشندي إلى أن ما تبقى من هذه المكتبة انتهى في عهد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب.

وتؤكد زيغرد هونكه خسارة العرب من الكتب في الأندلس بعد استرجاعها من يد العرب بروح من الحقد والتعصب بقولها: (وهكذا حرقت يد التعصب مليونا وخمسة آلاف كتاب، هي جهود العرب في الأندلس وثـمرة نهضتهم في ثـمانية قرون.     لم يتوقف تدمير المكتبات ونهب الكتب وحرقها على عصر من العصور أو على ملة من الملل، بل امتد ذلك إلى بقية العصور التي عاشتها الإنسانية حتى يومنا هذا. فقد شهد القرن العشرين أفضع الجرائم التي ارتكبت في حق الكتب والمكتبات. ويكفي أن يطلع القارئ على ما أحدثته الحربين العالميتين من دمار الكثير من المكتبات وحرق مقتنياتها بشكل مفجع تماما، حيث قضي على ملايين المخطوطات والكتب التي هي من نتاج الفكر الإنساني والتي لو بقيت لكان لها دورها الفاعل في تعمير الكون وسرعة تطوير الحياة بجميع أبعادها.

    تؤكد مصادر الحرب العالمية الأولى أن الألمان محوا من الوجود مكتبة الجامعة في لوفين ببلجيكا، وهي من أعرق وأقدم مكتبات أوروبا، وقد مر على تأسيسها قبل تدميرها عدة قرون، وقد دمرت على مدى ستة أيام، تخلل ذلك النهب والحرق. فقد تم حرق 230 ألف مجلد بما في ذلك مجموعة ضمت 750 مخطوطة وأكثر من ألف كتاب مطبوع قبل عام 1501م ، ما يعني تدمير ثروة فكرية في غاية الأهمية.

ومن الغريب في الأمر أن الألمان بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى تم إجبارهم بإعادة بناء المكتبة، إلا أنه أثناء الحرب العالمية الثانية أحرق الألمان مكتبة لوفين للمرة الثانية. وتذكر ربيكا نوث مؤلفة كتاب (إبادة الكتب) أن الألمان تحت حكم النازيين كثفوا من تدمير المؤسسات الثقافية في البلدان التي احتلوها بوصف ذلك من أسلحة شن الحرب الحديثة لطمس هوية الشعوب، وكان أيضا تحذيرا لأعداء ألمانيا واستعراضا لقوتها أمام العالم.

كان لألمانيا النازية نصيب الأسد في تدمير المكتبات في أوروبا وحرق الكتب الموجودة بها وفق ما وثقته ربيكا نوث. فقد احتلوا في بداية الحرب العالمية الثانية أي في عام 1939م بولندا وركزوا على تدمير مكتباتها، وأحيط باليهود البولنديين في غيتوهات، وأحرقت مئات الآلاف من كتب تلك المدينة. وفي مدينتي بيدزين وبوزنا كلفت فرق ألمانية للقيام بإضرام النار في المعابد والكتب اليهودية كي لا يبقى لليهود أي أثر في الجانب الفكري.

من بين الأدلة الدامغة على قيام ألمانيا الهتلرية بتدمير المكتبات بشكل مفزع، قيام جنودهم في عام 1943 بسكب الغازولين في كل غرفة من غرف مكتبة الجمعية الملكية في نابولي وإشعال النار بها، فدمر زهاء مئتي ألف كتاب ومخطوط.

بلغ النازيون ذروة حقدهم وصبوا جام غضبهم على المكتبات في فرنسا عندما شعروا بقرب هزيمتهم هناك. ففي عام 1944م دمرت الفرق الألمانية مجموعة مخطوطات قيمة وكتبا طبعت قبل عام 1500م من بلدية ميتس. وفجرت القوات الألمانية المنسحبة من ديب مكتبتها. وقبل التخلي عن بارس أحرق الجنود الألمان مكتبة قصر بوربون وهي مكتبة الجمعية الوطنية، الأمر الذي أدى إلى تدمير وحرق 40,000 كتاب.

  لم يتوقف تدمير المكتبات وحرق الكتب أثناء الحرب العالمية الثانية على الألمان فقط، فعندما احتلت روسيا مناطق متنازع عليها في عام 1940م وهذه المناطق تمثل دول البلطيق: إستونيا، ولاتفيا، ولتوانيا، قاموا بحرق الكتب التي لا تتفق مع المعتقدات الشيوعية.

كان دور الولايات المتحدة الأمريكية في تدمير الكتب في الحرب العالمية الثانية فضيع جدا. فقد ألقى الأمريكيون قنبلتين ذريتين على مدينتي نجازاكي وهيروشيما اليابانيتين، وأدى ذلك إلى قتل معظم سكان المدينتين، ودمرت المراكز الثقافية بما فيها المكتبات التي كانت تضم آلاف الكتب.

في أغسطس من عام 1990م تم احتلال الكويت من قبل العراق، واستمر الاحتلال سبعة أشهر، نالت المكتبات على اختلاف أنواعها نصيبها من التخريب والعبث والنهب وحرق الكتب. فقد نهبت المكتبات ونقل الكثير من الكتب في شاحنات إلى العراق، ما أدى إلى حدوث كارثة ثقافية تضاف إلى الكارثة السياسية التي شهدتها دولة الكويت. وعلى الرغم من استعادة الكثير من الكتب إلى الكويت بعد تحريرها في 26 فبراير 1991م، إلا أن هناك الكثير من الكتب والوثائق أحرقت وخصوصا عندما تعرض مبنى متحف الكويت الوطني للحرق، فاحترقت مجموعات نادرة من المخطوطات القديمة، كما احترقت مجموعة مهمة من الكتب الفنية.

وكما يقال التاريخ يعيد نفسه، فبعد دخول القوات الأمريكية بغداد في عام 2003م نهبت المكتبات الكبيرة ومنها المكتبة الوطنية، وفقدت الآلاف من المخطوطات القديمة، والوثائق المهمة، والكتب النادرة، والمراجع القيمة. واختفت من المكتبة المئات من الدوريات المجلدة والجرائد التي كانت تصدر في الوطن العربي، باعتبار مكتبة بغداد الوطنية كانت أهم مراكز حفظ وتوثيق الصحف العربية.

وازداد الأمر قساوة عندما فجر الإرهابيون في شهر مارس من 2007م شارع المتنبي ببغداد، ما أسفر عن تدمير جميع المكتبات التجارية الكبيرة الواقعة على هذا الشارع، واحترقت مئات آلاف الكتب والمراجع.. وقد أعادت هذه الأحداث المؤسفة التي تعرضت لها الكتب والمكتبات في بغداد، همجية وبربرية المغول الذين دمروا جميع المكتبات في بغداد بما في ذلك أضخم مكتبة بها وهي مكتبة بيت الحكمة كما مر سابقا. هكذا تم تدمير المكتبات وحرق الكتب بشكل متعمد من قبل الإنسان الذي بنى الحضارة وهنا تكمن المفارقة التي لا يمكن تصورها! وقد قست الطبيعة أيضا على الكتب والمكتبات، ولكن ليس بالشكل المروع الذي قام به الإنسان. فقد أشار المقريزي إلى الزلزال الذي ضرب مصر عام 702هـ - 1302م وأدى إلى القضاء على الكثير من المكتبات المملوكية التي كانت مليئة بالكتب والمخطوطات. وأعقب الزلزال فيضانات دمرت المنازل والمساجد والمدارس بما كانت تضمه من مكتبات. وأتلفت الفياضانات التي اجتاحت فلورنسا في عام 1966م نحو مليوني كتاب، كان العديد منها مخطوطات نادرة. وحدث في عام 1988م أن التهمت النيران ما يقرب من ثلاثة ملايين وستمائة ألف كتاب احترقت في مكتبة أكاديمية العلوم في لينينغراد. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news