العدد : ١٤٨١٥ - الاثنين ١٥ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٥ - الاثنين ١٥ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

ذكريات وأسرار عن حرب 6 أكتوبر 1973 (1)

بقلم: يوسف صلاح الدين

السبت ٠٦ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

تمر علينا ذكرى مرور خمسة وأربعين عاما على حرب 6 أكتوبر 1973 المجيدة والتي عرفت بحرب «العاشر من رمضان» في مصر وحرب «تشرين التحريرية» في سوريا و«ميلخمت يوم كيبور» وتعني حرب يوم الغفران في إسرائيل، وهي حرب شنتها كل من مصر وسوريا على إسرائيل. 

بدأت الحرب يوم السبت 10 رمضان 1393هـ الموافق 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1973 بهجومين مفاجئين ومتزامنين على القوات الإسرائيلية، وساهمت في الحرب بعض الدول العربية بالدعم العسكري أو الاقتصادي، ومما يدعو إلى الفخر نية قيادتنا الحكيمة إرسال قوات بحرينية للمشاركة فيها وباشرت قوة دفاع البحرين الترتيبات لإرسال قوة من جنودها البواسل للمساهمة في صد العدوان، ولكن إعلان وقف إطلاق النار أدى إلى إلغاء المهمة (من كتاب صاحب المعالي المشير الركن الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة القائد العام لقوة دفاع البحرين «خليفة بن أحمد.. السيرة والمسيرة» والذي تم تدشينه من قبل معالي الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة وزير النفط يوم الثلاثاء 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2017).

من المؤسف أن تمر أحداث تلك الحرب التي غيرت كثيرا من الوقائع وكأنها حدث عادي رغم أنها زلزلت القيادة الإسرائيلية وأدت إلى تشكيل لجنة «جرانات» بعد أسابيع من الحرب للتحقيق في أداء الجيش الإسرائيلي ليتم إقالة ديفيد بن اليعازر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي واللواء ايلي زاعيرا رئيس شعبة المخابرات العسكرية والعميد أرييه شيلو مساعد رئيس شعبة المخابرات العسكرية للبحوث من مناصبهم، ونفذت جولدا مائير رئيسة الوزراء القرار وخرجت بعدها مظاهرات واسعة في شوارع تل أبيب ضد قرارات المحكمة وتردد: تسقط جولدا مائير، يسقط موشيه ديان، مما أدى إلى استقالة الاثنين من منصبيهما في 3 يونيو 1974 في حين لم يتم التحقيق في بعض الأخطاء على الجبهتين المصرية والسورية، واكتفى الرئيس محمد أنور السادات بتحميل الفريق سعد الدين الشاذلي المسؤولية وهو بريء منها.

نفذ السادات عملية خداع كبرى أثارت إعجاب العالم وأعادت كرامة الجندي والشعب المصري والعربي في الأيام الأولى من الحرب، فقد عبر المصريون قناة السويس وخط بارليف الذي اعتبره الإسرائيليون أقوى من خط ماجينو واستطاع السوريون السيطرة على مناطق واسعة من مرتفعات الجولان.

لقد عاصرت بعضا من تلك الأحداث التي أثارت في بدايتها الأمل والفرحة وفي نهايتها  بعض الإحباط لنتائجها بسبب تدخل السادات في أمور عسكرية لتطوير هجوم خارج مظلة الدفاع الجوي مرتين بدعوى تخفيف المجهود العسكري الإسرائيلي ضد سوريا، مما أدى إلى تدمير حوالي عدد كبير من الدبابات ومحاصرة الجيش المصري الثالث وحدوث ثغرة تهاون بعض القادة في التعامل معها منذ البداية فقللت من انتصارات عظيمة كان بالإمكان المحافظة عليها، ورغم ذلك فإنها المرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي التي تشن فيها دولة عربية حربا أدت إلى تغيير موازين القوى في المنطقة والعالم بإمكانيات متواضعة أمام قوة هائلة مدعومة من الغرب، وكان وقع نجاحها في بدايتها قويا على مختلف الأطراف وأدت إلى وقوف جميع الدول العربية مع مصر وسوريا رغم ظهور كثير من التساؤلات مازالت في حاجة للإجابة عنها. 

أدت وفاة الزعيم جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970 إلى صراع على مراكز القوى في مصر مما دفع السادات إلى تعيين الفريق محمد أحمد صادق وزيرا للحربية وقائدا عاما للقوات المسلحة المصرية بدلا من الفريق أول محمد فوزي وطلب منه التحضير للحرب، وبعد حدوث أمور عديدة أقاله وعين اللواء أحمد إسماعيل برتبة فريق أول بدلا من صادق وعين الفريق سعد الدين الشاذلي رئيسا للأركان وطلب منهما الإعداد لحرب تحريك محدودة لأنه من المستحيل تنفيذ حرب شاملة بسبب النقص في الإمكانيات المالية والتدريبية والأسلحة الهجومية وصعوبة عبور الموانع الطبيعية والعسكرية لقناة السويس حتى ان كثيرا من القادة العسكريين قالوا إن مصر في حاجة إلى قنابل ذرية لتحطيم خط بارليف والساتر الترابي.

عدل الشاذلي خطة سابقة باسم «جرانيت» وقبلها خطة «2000» إلى خطة «المآذن العالية» وكانت واقعية وابتكر المهندس باقي زكي يوسف طريقة لفتح ممرات في الساتر الترابي بواسطة مضخات مائية مما سهل خطة عبور القوات المصرية قناة السويس والتمركز على ضفتها الشرقية بعمق عشرة إلى ثلاثة عشر كيلومترا ومن دون تطوير هجوم إلى ممرات متلا والجدي في سيناء أو حدود سنة 1967 للاستفادة من قواعد صواريخ سام الموجودة منذ حرب الاستنزاف، وعرفت الخطة بعدها باسم «بدر 73» واتفق بعد قيام اتحاد بين مصر وسوريا وليبيا في يناير 1973 على أن تشارك سوريا في الحرب ولكن الرئيس حافظ الأسد اشترط أن تكون حربا شاملة رغم أن إمكانيات القوات السورية لا تسمح لها بذلك فتم إعداد خطتين واحدة سرية للقوات المصرية والثانية عامة للقوات السورية واعتمدت الخطتان على السرية والمفاجأة واستخدام الطيران للقصف وعدم الدخول في معارك جوية واستخدام الصواريخ وبطارية المدافع المضادة للطائرات للتصدي للطائرات الإسرائيلية وتجنب قصف المدن الإسرائيلية لتحييد أمريكا والدول الأوروبية، وأن تهاجم القوات السورية مرتفعات الجولان والاحتفاظ بها وأن تعبر القوات المصرية قناة السويس وتدمر خط بارليف والتمركز على الضفة الشرقية والدفاع عنها وبعدها الطلب إلى الأمم المتحدة والدول العظمى إيقاف الحرب وإلزام إسرائيل بالانسحاب من جميع الأراضي المحتلة.

كانت خطة مبتكرة ولكن القوات السورية لم تكن مهيأة لتلك الحرب فقامت مصر بإرسال سربين من طائرات ميج 17 مع طياريها لدعم القوات السورية وخاصة أن إسرائيل أسقطت ثلاث عشرة طائرة سورية في 13 سبتمبر 1973.

عارض الفريق الشاذلي وبعض القادة منذ البداية إشراك سوريا لأنه قد يربك خططهم وأثبتت الأحداث صواب رأي الفريق الشاذلي. 

نجحت مصر في تحقيق أهدافها بأقل الخسائر ونجحت سوريا بعد صعوبات وخسائر كبيرة وصلت إلى القتال بالسلاح الأبيض خلال الأيام الأولى للحرب في تحرير مناطق كبيرة من مرتفعات الجولان مما أدى إلى تراخ عند القيادتين المصرية والسورية وحدوث أخطاء عسكرية ميدانية خطيرة بعد الدعم الأمريكي لإسرائيل وتأخر مصر وسوريا في الطلب علنيا إيقاف الحرب (رغم قيامها بذلك بشكل سري ومنفرد) بسبب تحقيق انتصارات عديدة ورفض السادات طلب رئيس وزراء إنجلترا ادوار هيث إيقاف الحرب والدعوة إلى مؤتمر سلام بواسطة الأمم المتحدة لأن الهجوم المصري والسوري نجح في تحقيق أهم أهدافه بطريقة لم تكن بالحسبان رغم محاولات هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت المماطلة في إيقاف الحرب على أمل أن تتمكن القوات الإسرائيلية من استرجاع الأراضي التي خسرتها.

أدت تطورات الحرب إلى أن تطلب رئيسة حكومة إسرائيل جولدا مائير إلى كيسنجر إنقاذ إسرائيل، وركز الإعلام العربي على بكائها أثناء محادثتها مع كيسنجر وأهملوا ما قالته بأنها أمرت بإخراج صواريخ «أريحا» المحملة بالقنابل النووية من صوامعها. اتصل كيسنجر بالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون لمنع إسرائيل من استخدام تلك الصواريخ وتم الاتصال بالسوفييت لعدم التدخل حتى لا يتطور الوضع إلى استخدام السلاح النووي، ولكنه أرسل أكبر جسر جوي لنقل السلاح وقطع الغيار من أمريكا ومن قواعد حلف شمال الأطلسي في أوروبا بطائرات نقل عملاقة أمريكية وطائرات العال المدنية ورفضت شركات النقل العالمية نقلها وحدث نقص حاد في السلاح الغربي وحطت بعض الطائرات في سيناء وكادت أن تحدث مواجهة نووية بين القوتين ولكن السوفييت فضلوا عدم المواجهة واكتفوا بإصدار بيانات تهديدية وإرسال بعض الأسلحة المتفق عليها سابقا إلى مصر وسوريا.

أدى الدعم الأمريكي وفشل تطوير الهجوم المصري إلى تغيير في موازين القوى مكن إسرائيل من استرجاع جزء من الأراضي التي خسرتها في بداية الحرب وتنفيذ خطة «شوفاح يونيم» وتعني بالعربية «برج الحمام» والبعض يطلق عليها «الغزالة». 

الثغرة معروفة لدى القادة العسكريين وأشهرهم الاسكندر المقدوني وخالد بن الوليد والجنرال الأمريكي اندرو جاكسون والفيلد مارشال الألماني ارفين روميل وأقرب عملية مشابهة للثغرة قام بها الجنرال الألماني البارع هتلر خلال الحرب العالمية الثانية. 

طلب الأسد بعد تدهور الوضع على الجبهة السورية من السادات تطوير الهجوم شرقا وقصف مدينة حيفا بقاذفات قنابل ورفض السادات والقادة العسكريون ذلك, كما رفضوا أوامر السادات بتطوير الهجوم مرة أخرى لتعرضهم لخسائر كبيرة جعلت الفريق الشاذلي وضباطا آخرين يهددون بالاستقالة، وخلال هذه الفترة كانت إسرائيل أعدت قواتها للعبور إلى الضفة الغربية للقناة بخطط مجهزة واستفادوا من صور زودتهم بها أمريكا التقطتها أقمارها الصناعية وطائرة يو 2 المسماة سيدة التنين وطائرة اس ار 71 المسماة الطائر الأسود «هابو» تظهر فجوة خالية من القوات عند البحيرات المرة بين الجيشين الثاني والثالث ورصدت الرادارات المصرية الطائرتين ولم تتمكن من إسقاطهما لأن الأولى تحلق على ارتفاع ثمانين ألف قدم والثانية على ارتفاع مائة ألف قدم وأدى حدوث الثغرة إلى عبور ثلاث مجموعات عسكرية إسرائيلية إلى غرب قناة السويس بقيادة الجنرال احتياط ارييل شارون والمعروف باسم «بلدوزر إسرائيل» وتحت إشراف الجنرال بارليف ممثل رئاسة الأركان، وأصبحت القوات الإسرائيلية تهدد مدن وقرى قناة السويس، كما أنها استرجعت مرتفعات الجولان وزحفت قواتها نحو دمشق وكادت الحرب أن تتحول إلى حرب عالمية ثالثة. 

أدى تأخر بعض القادة المصريين في التصدي للقوات الإسرائيلية وعزل الفريق الشاذلي إلى عبور قوات إسرائيلية كبيرة وتدمير بعض قواعد الصواريخ ومحاصرة الجيش الثالث المصري، وهنا تدخل كيسنجر، وقد يستغرب البعض هذه المعلومة لكنها حقيقية، فقد طلبت إسرائيل استسلام الجيش الثالث في حين أن كسينجر أصر على إسرائيل إدخال مساعدات وتموين إلى الجيش الثالث، وعارض احتفاظ الجيش الإسرائيلي بمناطق بعضها بعمق يتراوح بين 40 و80 كيلومترا في الضفة الغربية لقناة السويس.

تم إيقاف الحرب بحسب قرار مجلس الأمن رقم 338 في 22 أكتوبر 1973 ووافقت عليه مصر فور صدوره ووافقت عليه سوريا بعد يومين ضمن شروطها، ولكن إسرائيل لم تحدد موقفها واستمرت في خرق الاتفاق واستفادت كثيرا بحصولها على مكاسب عديدة على أرض المعركة رغم صدور قرارين آخرين هما 339 و340، وتم بعد ذلك عقد اجتماعات عسكرية للفصل بين القوات عند الكيلو 101 مثل الجانب المصري فيها اللواء عبدالغني الجمسي الذي انتقد لاحقا بعض قرارات السادات في الحرب التي لم تحافظ على الانتصارات المصرية، منها قرار تطوير الهجوم شرقا إلى الممرات. والتسرع في فتح أوراقه أمام إسرائيل أمريكا والعالم.

 من جانبه، استمر الأسد في الحرب بشكل متقطع إلى يناير 1974 بعد حصوله على مدينة القنيطرة.

ولكن مهما قيل عن السادات، فإنه استرجع في نهاية المطاف جميع أراضى سيناء المحتلة قبل أن تولد فيها أجيال إسرائيلية كما هو حاصل الآن في مرتفعات الجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية، ولكن كان بالإمكان تحقيق نتائج أفضل لو لم يتدخل السادات في الأمور الحربية ويطور الهجوم، وقد برر السادات قبوله وقف إطلاق النار بعدم استطاعته محاربة أمريكا التي أرسلت أسلحة أمريكية حديثة وأنزلتها بالقرب من ميدان المعركة ووصول متطوعين من أمريكا وأوروبا وجنوب إفريقيا لدعم إسرائيل. 

تابع الكثيرون أحداث الحرب بحسب ميولهم وعواطفهم وخاصة أن مصر أعلنت أنها تتصدى لعدوان إسرائيلي وأنها تدافع عن نفسها وأنها لن توقف الحرب حتى تنسحب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها خلال حرب يونيو 1967.

Yousufsalahuddin@batelco.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news