العدد : ١٤٨٧٩ - الثلاثاء ١٨ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٩ - الثلاثاء ١٨ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

الثقافي

تركاته الأدبية تنبض بالحياة.. اسماعيل فهد اسماعيل إشعاع فكري لا يأفل!

استطلاع: زهراء غريب

السبت ٠٦ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

يغادرنا عمالقة الأدب مخلّفين وراءهم إرثا إبداعيا نابضا، لا يتوقف لوهلة عن التوهج في الذاكرة الثقافية، الأمر سيان بالنسبة للأب الروحي للرواية الكويتية، اسماعيل فهد اسماعيل، الذي ترجل للموت في 25 سبتمبر/ أيلول 2018, ولم تزل أصداء رحيله جلية على محبيه من أهل الثقافة والأدب الذين ما فتئوا يستذكرون مناقبه الأدبية والروائية التي شكلت علامة فارقة في المشهد الأدبي الكويتي والخليجي والعربي. (الثقافي) استطلع آراء عدد من الكتاب والمثقفين إزاء نتاج اسماعيل الأدبي والفكري الإبداعي.

فتشير الناقدة الدكتورة ضياء الكعبي، إلى أن اسماعيل فهد اسماعيل المؤسس الحقيقي للرواية الكويتية الحديثة، استطاع لفت أنظار النقاد العرب إليه بقوة بسبب عمقه في المضامين والتقنيات السردية، وصدور نتاجاته عن وعي إبداعي تجاوز الحدود الجغرافية الإقليميّة الضيقة لينفتح اسماعيل فهد اسماعيل على قضايا الإنسان العربي المعاصر.

وتلفت الكعبي إلى أن اسماعيل غادر في أعماله دوائر الذاتية إلى الآفاق الإنسانية الأرحب «ولذلك فاشتغالاته الروائية مشتبكة بعمق بالسياسي والثقافي تقوم بتفكيك هذا الواقع بسخرية أليمة ربّما بحثًا منه عن «يوتوبيا الخلاص المتخيّلة» التي قد يعبر عنها أحيانًا بالنهايات الحادة والمنكسرة».

وتوضح أن اسماعيل استطاع اختزال هذا الواقع في جمله الروائية التي تحتفي في كثير منها بتواريخ الهوامش والمهمشين «وربَّما تعد روايته ما قبل الأخيرة» في حضرة العنقاء والخل الوفي «واحدة من أبرز التجليات الروائيّة على عمق اشتغال اسماعيل في هذا الموضوع». 

مضيفة: تؤشر رواياته المتعددة على فضاءات اشتغالاته الإبداعيّة كانت السماء زرقاء «المستنقعات الضوئية» الحبل «الضفاف الأخرى «الأقفاص واللغة المشتركة» ملف الحادثة «الشياح» «الطيور والأصدقاء» و«خطوة في الحلم» وثلاثية النيل يجري شمالاً «وسباعية «إحداثيات زمن العزلة» الشمس في برج الحوت» «الحياة وجه آخر» «قيد الأشياء» «دوائر الاستحالة» «ذاكرة الحضور» «الأبابيليون» «العصف» «يحدث أمس» «بعيدًا إلى هنا» «الكائن الظل» «سماء نائية» «في حضرة العنقاء والخل الوفي» «الظهور الثاني لابن لعبون» «السبيليات».

وتتابع: وفي الروايتين الأخيرتين كثف اسماعيل فهد اسماعيل اشتغالاته التاريخية فرواية الظهور الثاني لابن لعبون تشتغل على السرد التاريخي لشخصية الشاعر النبطي محمد بن لعبون الذي عاش في القرن التاسع عشر الميلادي، ولكن من منظور يتجاوز فيه المحاكاة التاريخية التوثيقية إلى سرد انتقائي يحتفي بالمحاكاة الساخرة كما يشتبك مع الواقعي السياسي والاجتماعي في رؤية إبداعية نقدية لهذا الاستدعاء التناصي لمثل هذه الشخصية الملهمة والمؤثرة إبداعيًا «ابن لعبون». أمَّا في السبيليات فقد اختار اسماعيل فهد اسماعيل استحضار تاريخ معاصر هو الحرب العراقية الإيرانية ومن خلال سرد تاريخي يشتبك فيه أيضا التاريخي بالاجتماعي والثقافي والوثائقي بالسرد المتخيّل في لعبة روائية أجاد اسماعيل فهد اسماعيل ضفر حبكتها الروائية بتماسك وانسجام نصي لافت جدًا.

ويعتبر الباحث والروائي إبراهيم راشد الدوسري، أن الراحل اسماعيل فهد اسماعيل من أبرز الروائيين في الخليج والوطن العربي، لما يتميز به من خبرة أدبية واسلوب في السرد الروائي العميق الذي يتغلغل في نفسيات شخوص رواياته.

ويضيف الدوسري: وتزخر رواياته بالمعلومات الكثيرة المرتبطة بمواضيع وقصص تعود لهذه الروايات، ويدل هذا على الجهد البحثي الذي يدعم ويعزز الجانب السردي للروايات التي كتبها، كما امتازت رواياته بلغة سردية روائية متدفقة وحيوية، وذات مفردات غنية ومتنوعة استطاع توظيفها في تجسيد إبداعه الروائي وخياله الواسع الخصب.

اما الروائية والكاتبة السعودية زينب علي البحراني فترى أن روايات اسماعيل تمتاز بلغة تجمع بين الرُقي والبساطة، ومضمونها لا يُعطي القارئ إجابات جاهزة فورية مُعلبة، بل يُحرض عقله على البحث عمَّا تُخفيه السطور وتثير التساؤلات تجاه ما يختبئ خلف كل جُملة من حقائق انسانية وفلسفية.

وتشير إلى أن أول رحلة لبصرها بين صفحات رواياته انطلقت من رواية (مسك) «التي كانت مدخلاً لعالم تلك الهموم الكبيرة والقضايا الشائكة على صفحات رواياته الأخرى في محاولات تجمع بين الرغبة بالإفصاح عن شيء ما واكتشاف جوانب أخرى خفية من الشيء ذاته عبر الكتابة، وكثير من شخصيات رواياته تعيش عالمًا من الكلمات في أعماقها يفوق عالم الكلمات الذي تبوح به خلال حواراتها، مُعلنة عن أزمة الإنسان الذي يرى، ويعرف، لكن الكلمات تبقى أسيرة عقله وقلبه خوفًا من مصيرٍ غير موثوق العواقب».

وتضيف البحراني: عندما سمعتُ – ذات صُدفة- أن في مكتبته جانبًا مُخصصًا لأدب الشباب والأقلام الأدبية الصاعدة أدركتُ سر صمود قلمه في الساحة الأدبية بهذه القوَّة الملوكيَّة، فمتابعته لما تقدمه الأجيال المتنوعة بقديمها وجديدها وهبت قلمه إكسير التجدُد الدائم، واستحق مكانته الخالدة التي لا يستطيع أن يحتلها حامل قلمٍ آخر.

 ويرى الكاتب يوسف شويطر أن الراحل اسماعيل من الروائيين الكويتيين المتميزين بإنتاجهم حتى على المستوى التلفزيوني «خصوصا خلال تأليفه لمسلسل (فاقد) عام 1984 وامتاز اسلوبه فيه بالبساطة».

 ويستذكر شويطر «كان اسماعيل ضيفا في إحدى فعاليات تاء الشباب حيث أنه أثرى الحضور بمعلوماته في مجال الرواية، وكانت تلك الفعالية من أفضل فعاليات المهرجان، وشخصيا أجريت معه لقاء صحفيا عند تواجده في المملكة وتفاجأت بكمية تواضعه وأدبه، حقا فقدت الساحة الروائية الخليجية علما من اعلامها».

بدوره يرى القاص والروائي السوداني الدكتور جمال الدين علي أن اسماعيل فهد حفر اسمه في ذاكرة الوجدان الخليجي والعربي بأعمال غاية في المتعة والتشويق والجمال والتي جاءت غنية بتعدد المواضيع بعيدا عن التكرار الممل واجترار الهشيم، اذ ناقشت قضايا جوهرية بلغة جزلة وسلطة فكرية وقيمة فنية عالية سوى في وطنه الكويت كقضيتي البدون وحرب الخليج الأولى والثانية، أو في العالم العربي كالقضية الفلسطينية، ناهيك طرحه عن القضايا الإنسانية في العالم بأصالة متفردة.

ويلفت جمال الدين إلى أن المتتبع لمسيرة اسماعيل يجد أنه منذ تكريس نفسه لمشروعه الأدبي والفكري الخاص في منتصف الثمانينات، ناهضا بتربية أجيال شهدت تحولات كبيرة في المنطقة في السياسة والاقتصاد والفن والأدب والمسرح والتعليم «إذ يلحظ القارئ ذلك في أعماله منذ (البقعة الداكنة) أول قصص صدرت له ورواية (كانت السماء زرقاء) وحتى آخر رواياته (صندوق أسود). والتي حضر ندوة عنها قبل يومين من وفاته في تأكيد على أنه كرس حياته للكتابة والتي ربما تفقر ممتهنا ولكنها تغني عقولا وتربي أجيالا وهذا ما عاش لأجله». 

ويضيف: كما أنه طرق موضوعات حداثوية وما بعدها في جرأة الكبار ساعده في ذلك دراسته للأدب والنقد والمسرح، وجميعها تحفل بنظريات فلسفية وأسئلة وجودية حائرة، وثمة شاعرية ورهافة يظهرها الكاتب ربما لنشأته وتنقله بين البصرة في العراق والبادية في الكويت تتمظهر حتى في مسميات أعماله الطيور والأصدقاء، النيل الطعم والرائحة، الصمت بعيدا إلى هنا، وسماء نائية وهذه الأخيرة بالذات يرى النقاد أنه هشم فيها عنصر الزمن فيكاد يكون الزمن بحرا سرمديا هيوليا تسبح فيه الشخوص بلا سترات نجاة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news