العدد : ١٤٨٧٥ - الجمعة ١٤ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٥ - الجمعة ١٤ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

حتى لا يصبح الدين عبادة شكلية

الجمعة ٠٥ أكتوبر ٢٠١٨ - 10:37

بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

فرض الدين مجموعة من الأحكام بعضها للعبادات وأكثرها للسلوك؛ إذ نجد أن بعض المسلمين يفصلون بين أحكام العبادات وطقوسها وبين السلوك، بل إن أيضا بعض المسلمين يفصلون بين الدنيا والآخرة والبعض الآخر يردد من دون تمحيص أن الدنيا مزرعة للآخرة ومنهم من استخدم الدنيا لكسب الآخرة ولكنه احتقر الدنيا ونسي أنه لا آخرة بلا دنيا ولا دنيا بلا آخرة. 

أما بعض الحكام فقد استخدموا الدين عن طريق فقهاء السلطان الذين برروا بالدين بعض التصرفات، ومن فقهاء الإسلام من أكد أن الإسلام دين ودنيا وهذه حقيقة تتناقض تماما مع مفهوم الحكام للعلاقة بين الدين والحياة، ولكن المقولة لم يتم شرحها وتفصيلها.

هذا المقال يهدف إلى أن الدين بطقوسه ونصوصه لا ينفصل مطلقا عن الأخلاقيات والسلوك ولا يمكن الفصل بينها وهناك الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تصور هذه الحقيقة، وأحيانا يقع التصور في سياق المبالغة أو التبغيض أو الاستحسان. أما الشعار الذي رفع في مصر منذ أيام السادات وهو أن الفصل واجب بين الدين والدولة أو بين السياسة والدين فهو حق أريد به باطل؛ لأن الحكام عادة يضمنون الدين أي السياسة أو الحكم والسلطة ولا يضمنون الآخرة إما لأنهم لا يرجون لقاء ربهم أو أن عملهم لا يؤهلهم لمكانه مناسبة في الآخرة 

لذلك اتجه البعض منهم إلى تحقير الدنيا للعامة الذين يتعلقون بالآخرة مادامت حظوظهم في الدنيا قليلة، لذلك لا يملك إلا البسملة والحوقلة والحكام يعلمون قطعا أن الدنيا ومكاسبها تعين المسلم والمؤمن عمومًا على حق العبادة فتكون الدنيا مقدمة لآخرة مضمونة من وجهة نظر العامة..

والخلاصة في هذه النقطة:

أن المصطلحات التي تستخدم في هذا السياق تحتاج إلى ضبط وتحقيق مثل السياسة والدين والدولة والحكام بصفة عامة يعمدون إلى خلط المفاهيم وتغييب العقول حتى يسبح العامة في ظلمات الجهل والضلال، ويخسرون الدنيا والآخرة بمعنى أدق أن هذا الشعار يقسم الدنيا والآخرة بين الحكام والشعوب، فالسياسة أي الدنيا لهم وأما الآخرة التي يتعلق بها العامة والتي يشكون في ضمانها فإنها متروكة للعامة. وفي التراث الأخلاقي الكثير من المخازي والفتاوى حتى في العصر الحاضر الذي تقدس فيه الحكام وترفعهم عن مستوى المساءلة والبشرية، وذلك حتى لا يرى الحكام إلا أنفسهم، أما غيرهم فلا وجود لهم وأنهم يعيشون من إحسان الحكام وتبرعاتهم، ولذلك كان بعض الحكام يخشون من بعض الحقوق ويسمون كليات الحقوق بكليات القانون؛ لأن القانون يعني وجود سلطة تشريعية منتخبة تصدر القانون الذي يلزم الحاكم والمحكوم.

وما دام أن كلمة الحاكم هي القانون فإنه يسائل ولا يسأل، وهذا هو لب المأساة في المنطقة العربية حتى أن فقهاء الدستور في مصر كانوا يدرسون الدستور بتعريف أوروبا في القرن الثامن عشر بأنه عقد بين الحاكم والمحكوم وهذه صيغة متقدمة جدا لا يزال عامة المثقفين يستخدمونها. وهذه الصيغة أحدث من صيغة أقدم وهي أن الدستور منحة من الحاكم ولذلك عندما أصدر الملك فؤاد الأول دستور 1923 فإنه أورد في مرسوم الإصدار أن هذا الدستور منحة من الحاكم للرعية وهو منقول من الدستور البلجيكي الصادر في منتصف القرن التاسع عشر، وقد رأيت أن بعض المسلمين يعتقدون أنه يكفي أن يؤدوا المناسك والفرائض والنوافل والإنفاق سرا أو علانية، بينما سلوكهم يتناقض تمامًا مع هذه الأداءات وهذه نقطة جوهرية تحتاج إلى علاج نفسي واجتماعي ولذلك عجبت من بعض المجتهدين الذين اقترحوا أن يكون للدين علم نفس وأسموه علم النفس الديني والحقيقة أن التدين وربطه بالواقع والسلوك لا يحتاج إلى علم خاص. 

وقد شرحنا في مناسبات سابقه كيف أن كل العبادات لا بد أن تؤدي إلى تقويم السلوك على  أساس أن المسلم عضو في مجتمع، وأن رسالة الإنسان هي إعمار الأرض بمعنى أن يكون نافعا وضربنا أمثلة لذلك لأن عمارة الأرض تعني أن يكون الإنسان إضافة للدنيا وليس خصما منها والدنيا تتكون أساسا من الناس ومخلوقات أخرى وذلك أن قيم الدين حتى المعتقدات الأرضية تحث إلى عودة الإنسان إلى طبيعته الأولى ومعلوم أن طبيعته الأولى ليست كما يقول الملحدون هي التخلف والبربرية والإنسان ولد إنسانا وليس متطورا كما تقول نظرية التطور والارتقاء. 

مشكلة الإنسان في العالم الثالث هي أن بعض الحكام أبعدوه عن إنسانيته، فاضطرب المجتمع وهذا هو الدافع المثالي للحاكم حتى يستمر في محاربة القطيع ولذلك فإن مهمتنا هي استعادة العقل حتى يعود الإنسان إلى إنسانيته لأن الحاكم المستبد لا يمكن أن يمارس الاستبداد على إنسان عاقل، بل يسعى إلى تغييب عقل المواطن قهرا أو وجوبا ويستخدم ثروات البلاد للإغداق على كل المنتفعين الذين يساهمون في تغييب عقل المواطن ونزع إنسانيته ومنعه من الخروج من حظيرة القطيع.

أما النظام الديمقراطي فهو الذي يحترم إنسانية الإنسان ويصبح الحكم بالعقل وليس بتغييب العقل ولذلك ينتج المجتمع أعقل من فيه ليحكمه.

وأرجو أن يكف المثقفون العرب عن السفسطة والجدل العقيم حول علاقة الحاكم بالمحكوم، ولقد استقر عندي أن المشكلة في المحكوم وليس في الحاكم فالحر لا ينحني أما العبد فيخلق منحنيا، لذلك نريد أن نحرر العبد عن طريق استعادة العقل.

وفي النهاية إذا صلح الراعي صلحت الرعية (مقولة مأثورة) 

وأنا أقول إذا صلحت الرعية صلح الراعي «فكما تكونوا يول عليكم» 

إذا صلحت الرعية انتخبت أفضل من فيها حاكما وإذا فسدت قبلت بأفسد أبنائها حاكما ولذلك لا بد من وضع برنامج لإصلاح الرعية وهذا المنهج يريح الحكام العرب الذين يلقون باللوم والمسؤولية على عاتق الرعية ولذلك لا مفر من استنقاذ الأوطان العربية لإعادة العقل للمواطن.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news