العدد : ١٤٨١٦ - الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٦ - الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

إلا تنصروه فقد نصره الله (3)

الجمعة ٠٥ أكتوبر ٢٠١٨ - 10:33

بقلم: د. علي أبو هاشم 

بعدما فشل مشركو مكة في القضاء على رسالة النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) في مهدها الأول في مكة، وفشلوا كذلك في إبعاد الناس عنه بشتى الوسائل، وأصبح له أتباع يؤمنون به ويُصدقونه، وهم يزدادون كل يوم، ما أزعج ذلك مشركي مكة وصناديدها، أجمعوا على قتل الرسول (صلى الله عليه وسلم) ودبروا ذلك ليلا؛ إذ اجتمعوا في دار الندوة واتفقوا على قتله، ولكن الله حفظ رسوله ونجاه، وخرج من بين أيديهم سالما؛ لأن الله ناصره ومؤيده، ومن كان الله معه فلا شيء عليه ومن تخلى الله عنه فلا ينفعه شيء، وهنا يتأكد قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) في وصيته لابن عباس ولكل الأمة من بعده: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك». فما أحوجنا جميعا لحفظ الله ومعيته ونصره وتوفيقه. يقول تعالى: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) النحل: 128. ويقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) محمد: 7

 خرج الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليلة الهجرة من بيته ومن بين أيدي الكفار سليما، وأمر علي بن أبي طالب أن ينام في فراشه تمويها للمشركين، وليرد الودائع إلى أهلها، وطمأنه بأنه لن يمسه من القوم سوء، خرج الرسول(صلى الله عليه وسلم) متوجها إلى بيت أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) فقد اتفقا من قبل أن يكون صاحبه في الهجرة، وأعدا لذلك راحلتين (بعيرين) يستعينان بهما على الهجرة الطويلة في الصحراء الموحشة، وقد أعد الرسول لذلك خطة محكمة، فأخذ بكل أسباب النصر والنجاة في رحلة الهجرة، مع يقينه التام بأن الله ناصره ومؤيده، لنتعلم منه كيف نأخذ بالأسباب الموصلة إلى النجاح والنصر، ولا نفرط فيها تواكلا وكسلا. يقول تعالى: (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) الكهف: 30. ونحن نرى حال أُمتنا حين تخلت عن أسباب التقدم والرقي، وأسباب التطور، حيث سبقتنا أمم الأرض لحرصها على الأخذ بالأسباب الموصلة إلى ذلك، وكان من التخطيط المسبق المحكم للهجرة استئجار دليل للرحلة خبير بدروب الصحراء، ليسير بهم في طريق غير مألوف، وهذا الدليل رجل مشرك يُسمى عبدالله بن أُريقط. لكنه كان أمينا على ما أودعاه من السر، فيما يخص الرحلة، على أن تكون الراحلتان أجرًا له، كذلك الاتفاق مع عامر بن فهيرة أن يرعى الغنم قريبا من الغار وأن يمشي بالأغنام ليمحو الآثار الموصلة إلى الغار، حيث كانت أسماء بنت أبي بكر تحضر الطعام للرسول ولأبيها في الغار، فإذا جاء الليل ذهب عامر بن فهيرة بأغنامه عند الغار، فحلب للرسول وصاحبه، وجاء لهما بالأخبار، وما يتناقله الناس، وكان من التخطيط عند الخروج ليلا المكث في الغار مدة حتى يهدأ الطلب والبحث عنهما، فمكثا ثلاثا ثم استأنفا الرحلة، ولقد حفظ الله رسوله في الغار من بطش الكافرين ومكرهم، حيث تتبعوا آثار الأقدام ووصل المشركون إلى الغار، بحثا عن محمد ومن معه ليقتلوهما، ووقفوا أمام الغار، يتبادلون الحديث، وكان في الغار فتحات كثيرة من أسفله فلو نظر أحدهم تحت قدمه لرآهما، لكن الله صرف أبصارهم وأعمى بصيرتهم، كما أعماهم عند خروجه (صلى الله عليه وسلم) من بيته، وكان أبو بكر( رضي الله عنه) في خوف وهم شديدين على رسول الله( صلى الله عليه وسلم) لو رآهم المشركون، فيُطمئن الرسول أبا بكر ويسأله: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ وأنزل الله في ذلك قرآنا يُتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. يقول تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم) التوبة: 40. وفي الآية الكريمة بعض اللطائف العظيمة أولها: البشرى للرسول وأصحابه بالنصر، فقد نصره الله؛ أي قضى بنصره قبل أن تقع الهجرة، وقضاء الله نافذ ووعده حق، ثانيها: فيها تهديد للمشركين من أهل مكة وغيرها لأن الله قضى بنصر رسوله وهزيمة من يعاديه مهما كان، ثالثا: وجوب نصرة النبي حال حياته بحمايته والدفاع عنه وقتال عدوه ودفع الأذى عنه ونشر دينه، وبعد مماته باتباع شرعه وإحياء سنته والامتثال لأوامره والبعد عما نهى عنه، رابعا: فيه بيان لفضل وشرف أبي بكر( رضي الله عنه) وذلك في قوله تعالى: (إن الله معنا) حيث جمعه الله مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأنهما على يقين وقلب واحد، خلاف ما كان من بني إسرائيل مع موسى عليه السلام حينما خرج من مصر وتبعه فرعون وجنوده. يقول تعالى: (فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين) الشعراء: 61-62. ولم يقل معنا لأنهم لم يكونوا على يقين وإخلاص موسى، بل كانوا في شك، بخلاف أبي بكر فكان على يقين وإخلاص الرسول. فقال: إن الله معنا. خامسا: في الآية الكريمة بشرى لعموم الأمة في كل زمان ومكان أن الله سيجعل لها من كل ضيق فرجا، ومن كل هم مخرجا، وأن الله ناصرها مهما تكالب عليها الأعداء إن هي تمسكت بدينها واتبعت رسولها، وأقامت شرع الله فيها يقول تعالى: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) الحج: 40.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news