العدد : ١٤٨١٦ - الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٦ - الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

مواجهة مع الذات

الجمعة ٠٥ أكتوبر ٢٠١٨ - 10:32

بقلم: عاطف الصبيحي

ليس تزكية للنفس وليس ادعاءً أن نفتتح هذا المقال بالقول بأن هذه الكلمات جاءت من وحي الألم على واقع صافع يقض مضجع كل منتمٍ، والذات ليست هي الذات الفردية الشخصية التي نقصدها من هذا الحديث الروحاني، بل هي ذات الأمة التي إليها أنتمي وفيها محط الفخر والآمال، فخر بماض مضى ولن يعود، وآمال عريضة بقادم يُحاكي ولا يُقلد أو يستنسخ ذاك الماضي التليد العريق، فنقل الشعلة لا الرماد هي من أوجب واجبات الرجال في كل مرحلة تمر بها الأُمة، حيث الصيرورة وهي القانون الإلهي الصارم لا تسمح إلا بالاهتداء على ضوء ومشاعل الفترات الزاهية. أما أن تعيش بجسمك في القرن الحادي والعشرين بكل تراكمات الزمان التي آلت إليه، والفكر في القرون التي خلت، هذا الصدام مع منهجية التاريخ.

اللقاء مع النفس شاق، وتمام الوفاق مع النفس أشق وأصعب.. ذلك انسجام داخلي يُشكل ذروة التصالح مع الذات قلَّ من يبلغها ولكن لأن الأمر متجاوز للذات الفردية الضيقة إلى معالي الذات الجمعية فإنه يستحق المحاولة، وخطوة الألف ميل الأُولى تتمركز في النظر إلى المرآة وطرح السؤال الأول الكبير المُتمثل في مدى تطابق التسمية» تسميتنا بالمسلمين» مع المرجو من هذه التسمية؟ التي ألقت وتُلقي علينا بمسؤولية جسيمة وجديرة بطرح هذا التساؤل الذي تشتم منه رائحة العجز والنكوص عما خُلقنا له. وما الحالة الهروبية التي تتلبسنا إلا ترجمة لما يجول في النفوس من رغبة في التخلص من نيران هذا التساؤل البغيض الذي يكشف عوراتنا، ويعرينا أمام أنفسنا وأمام الآخر، وفي أفضل الأحوال، يكون سؤالا مؤجلا إلى أجل غير مُسمى، وهذا هو خداع النفس بعينه!!.

التاريخ وتجارب الآخر ومعها العلوم الإنسانية أثبتت أن أُولى مراحل التخلص من السُبات وإعادة التحليق من جديد هي نقد الذات وليس جلد الذات، فأمة تمتلك كتابا مكنونا وترزح تحت وطأة تيه طاغٍ طال أمده لهو أمر يثير الدهشة والتساؤل معًا، كتاب استهل تشريفه للأرض بكلمة تكمن فيها سر المعضلة «اقرأ» ونتاجاتها العلمية، هذا هو السؤال المفصلي الذي يُشكل أحد الأسباب الأساسية لما نحن فيه من تيه وضياع، ولو تأملنا الكم الهائل من الآيات الكريمة التي لا تنفك تحث على العلم لداهمنا الخجل من أنفسنا ولعرفنا مدى قصورنا تجاه كتابنا الكريم المِعطاء الذي لا ينضب عطاؤه ما دام هناك ناهل ينهل منه، ويؤسس على خطوطه العريضة نهج حياته، ليقف ولتقف الأمة في صدارة الدول والأمم، ومن أول الأخطاء التي شاعت بيننا فترة من الزمن هي اختصار العلم في العلوم الشرعية واعتبار بقية العلوم ثانوية أو بحسب تعبيرهم من فروض الكفاية، فعلم يؤدي إلى صناعة طائرة تذود عن حوض الأُمة هو علم من النوافل أو ليس من الضرورات، بينما تأليف المطولات في الوضوء التي لا تحتاج إلى أكثر من كُتيب هو ضرورة شرعية لازبة، وكاتبها يُدعى بأبي الفقه والشرع، وحماية المواطنين والرعايا لا يُؤبه به، وكذلك نظرة متأنية إلى بعض محطات التاريخ الإسلامي كفيلة بالانتباه لهذا القصور الذي تبرأوا منه بدءًا من الخليفة الثاني حتى عصر الدولة الأندلسية في بعض مراحلها وليس جميعها.

فالخصومة مع العلم بمعناها الشمولي من أهم الأمور التي يجب أن يلتف عليها وحولها أهل العلم والفقه حاضّين الناس عليها وموضحين أهميتها والثواب العظيم عليها لمن يتصدى لأي جانب من جوانب العلم، لا نريد الخوض في أسباب النكوص العلمي في المراحل التاريخية السابقة، ولكن نحن أبناء اللحظة فلتكن بعد القرآن تجارب الآخرين عبرة لنا، وإذا كان القصص القرآني يهدف إلى الاعتبار بالماضي، فمن باب أولى أن ننظر إلى التجارب القريبة نسبيًا ونتعظ منها، ونتناولها بعقلانية وبحسب مرجعيتنا، فسحائب التخلف غطت سماء الغرب ردحًا طويلاً من الزمن، وأمطرتهم بشتى أصناف الويلات التي ضج منها كل ما يدب على الأرض، وأحالت حياتهم إلى مستنقعات قذرة ينبت فيها كل شيء إلا الإنسان، في حين كانت الأندلس مصدر إشعاع، وكما يقول جارودي: إن النهضة الغربية الحالية بدأت في إسبانيا المسلمة قبل إيطاليا بأربعة قرون.

هذه النهضة الغربية يصفها فلاسفتهم بأنها نهضة بجناح واحد، منزوعة الدسم المُتمثل في الجانب الأخلاقي، ويُجمع معظم علماء الاجتماع وفلاسفة التاريخ على أن العلم والأخلاق هما جناحا الحضارة وشرط لاستمرار أي حضارة، وما غابت شمس حضارة وبادت إلا لفقدانها أحد الجناحين، مع أن المُنصف لا بد أن يلتمس بعض العُذر لهذا التوجه الأحادي للحضارة الغربية ويضعه في سياقه الذي يستحقه والذي كان ردة فعل عنيفة على جور الأمراء والنبلاء ورجال الكنيسة آنذاك، ثالوث شكَّل حلفًا انتقل بالغرب من المرحلة الإنسانية إلى مرحلة العيش البيولوجي، فكانت الردة على التعاليم الدينية التي مثَّلها رجال الدين أسوأ تمثيل وقتذاك، وما محاكم التفتيش سيئة الصيت عنا ببعيدة.

هذا الاستطراد للبرهنة على أن الأُسس المتينة والمُنزهة عن النقص موجودة لدينا ونحن عنها غافلون ويوم الحشر لا شك محاسبون على هذا القصور الشائن الذي أوردنا المهالك، وأسكننا في القيعان وحرمنا من تنسم نسيم أعالي الجبال العليل، هذا ما أراده الله لنا وأبينا ذلك بلسان الحال لا لسان المقال، وخريطة طريقنا جلَّاها لنا القرآن بخطوطها العريضة، وقال لنا سيروا في الأرض، فمكثنا وأعرضنا عن السير في دروب العلم والبحث والتقصي فكان ما نحن عليه نتيجة طبيعية حتمية للتغافل عن تلك الخريطة المُنجية، وارتضينا التخندق والتحزب والتعصب والتشيع وكل فئة في تضاد مع شقيقتها رفضنا الاختلاف المشروع وارتضينا الخلاف المذموم الذي أذهب ريحنا، وفي هذا المضمار المؤلم ومن رحمه تولد هذا المقال، وخاصة عندما جذبتني بعنف الآية «إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً» لا أفهم القول الثقيل إلا في هذا الإطار؛ أي مكنونات القرآن العلمية والمعرفية التي تحتاج فقط إلى تقصيها وتتبعها من خلال السير في الأرض كما أسلفنا قبل قليل.

ويعن للنفس سؤال: ما دلالة أن آيات الأحكام في القرآن العظيم لا تتجاوز المائة بحسب رأي الفقهاء، وقد قُتلت بحثًا على مدار تاريخنا الفقهي، وتلك الآيات حين نزولها لم نسمع أحدًا من العرب وصفها بالسحر، فماذا نفعل ببقية آيات القرآن التي أدهشت العرب فما توانوا عن وصفها بالسحر، وكأن لسان حالنا لا مقالنا يقول لنا المضمضة والاستنشاق والغُسل والتيمم، ولكم يا أهل الأرض آيات العلم والاجتماع والسياسة والأخلاق، فما أن يرفدنا العلم الحديث باكتشاف جديد نُسارع إلى التشدق بأن هذا له أصل قرآني ونتلو الآية المعنية بذلك الاكتشاف، ونعود إلى غفوتنا بلا خجل ولا وجل، خجل من الإجابة عن السؤال «أين نحن من هذا الاكتشاف أو ذاك طالما أن له أصلا في كتابنا الكريم» والوجل بمَ ستكون الإجابة أمام رب العالمين عن هذا القصور المعيب، أظن أن دلالة ذلك لا تغيب عن القارئ الكريم.

Alsubahi65@yahoo.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news