العدد : ١٤٨٧٥ - الجمعة ١٤ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٥ - الجمعة ١٤ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الهجرة.. والهجرة من الاستضعاف إلى التمكين!!

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٠٥ أكتوبر ٢٠١٨ - 10:31

لما اشتد بطش قريش بالمسلمين وضيقوا عليهم الخناق وعذبوا الضعفاء منهم كان على المصطفى (صلى الله عليه وسلم) أن يدبر أمر أصحابه ليجنبهم الفتنة والبطش والظلم، فأرسل مجموعة منهم إلى الحبشة، وذهب إلى الطائف بحثًا عن ملاذ آمن، ثم وفقه الله تعالى إلى لقاء أهل يثرب وعقد بيعة العقبة الأولى معهم ثم بيعة العقبة الثانية، وفيها تمت المبايعة على حماية المسلمين إن تركوا مكة إلى بلادهم، ووفق الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) إلى اختيار يثرب لتوافر عناصر التمكين فيها.

لقد حدد النبي (صلى الله عليه وسلم) هدفه من الهجرة، وهو مغادرته هو وأصحابه مكة (حيث الاستضعاف) إلى يثرب آمنين، ثم نشر دعوة الإسلام في بيئة جديدة تتطلع إلى رسالة رب العالمين، وتدافع عن المؤمنين وتدفع عنهم الأذى قال تعالى: (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً * وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ * وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (النساء 100).

 -فحين أوحى الله تعالى إلى نبيه بالهجرة، كانت الوسيلة والسبيل في تحقيق هذا الأمر هو التخطيط والتدبير حتى (يأخذ بالأسباب) لنجاح مهمته، ولقد كان للهجرة مقدماتها ومنها:

1- حسن اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم للمكان الذي كان بوحي من الله تعالى.

2- المدينة تفي بالمقصد وتتناسب مع الهدف.

3- بها صلات القربى، بنو النجار، أخوال جده عبد المطلب بن هاشم من قبيلتي الأوس والخزرج.

4- الموقع الاقتصادي للمدينة المنورة حيث غناها بالماء والزرع وثروتها التجارية.

5- المدينة منيعة بحصونها، ولها سيادة وسلطان بأهلها من الأوس والخزرج.

6- تجارة مكة تمر عبرها إلى الشام لموقعها الاستراتيجي.

7- مجاورة أهلها لأهل الكتاب وسماعهم من المسلمين، يجعلهم أكثر قربًا للاستماع إلى الدعوة الجديدة.

وكان التمهيد للهجرة ببيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية، وبيعة العقبة الكبرى.

وتدل وقائع هذه البيعات على الآتي:

1- بالغ دقة الإحكام في التخطيط.

2- نجاح هذه المرحلة التي تعتبر بمثابة الإعداد والتمهيد للهجرة.

3- دقة اختيار الوقت المناسب لعقد المعاهدات وهو موسم الحج، حتى لا يلفت الأنظار إليه من المشركين المتربصين.

4- دقة اختيار الموعد، حيث جعل بعد ثلث الليل، حتى يتمكن من اجتناب العقبات التي تتوقع من المشركين وكان هذا الاختيار (مناسبًا) ومساعدًا في نجاح الخطة.

5- تنظيم النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة (الكبرى) للأوس والخزرج وجعل من بين (الحاضرين) اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وهذا يدل على بعد نظر النبي صلى الله عليه وسلم ومقدرته على ترتيب وتنظيم الطاقات.

6- مراعاة التدرج في تنفيذ الخطة وهذا يدل على رجاحة عقل المخطط ومراعاته لمقتضيات الأحوال وسنة التدرج للوصول إلى الهدف المنشود.

7- مراعاة جميع الظروف المحيطة ووضع الوسائل المناسبة وترتب على هذا التخطيط الآتي:

- دخول بعض المشركين في دين الإسلام في بيعة العقبة الأولى.

-زيادة العدد إلى الضعف في بيعة العقبة الثانية وإرسال المربي الذي يتعهد ويربي النواة الأولى في المدينة (مصعب بن عمير رضي الله عنه).

- الوصول مع أهل يثرب إلى معاهدة دفاعية في البيعة الأخيرة.

- تنفيذ أمر الهجرة.

- التخطيط في تحرك المهاجرين إلى المدينة:

1- خروج المسلمين من مكة متفرقين.

2- التزام مبدأ السرية التامة.

3- التحمل والصبر من أجل العقيدة والدين (وتحقيق الأهداف).

4- كانت هجرة الصحابة رضي الله عنهم تمهيدًا لخطة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

وحان وقت الهجرة للنبي صلى الله عليه وسلم، وشرع النبي في تنفيذ الخطة ونلاحظ الآتي:

- التنظيم الدقيق لكل أمر من أمور الهجرة، حتى نجحت الخطة (ونفذت) على الرغم مما كان يكتنفها من صعاب وعقبات.

-  وذلك أن كل أمر من أمور الهجرة كان مدروسًا دراسة (علمية) وافية بحيث لم تترك ثغرة واحدة للعدو لينفذ منها، ولم يترك شأنًا من شؤونها للمصادفة أو للحظوظ العمياء. (انظر فقه التمكين في القرآن الكريم، علي محمد الصلابي، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة: ج م ع (ط1) (ص 275) (2001م).

وقد مكن الله تعالى للمستضعفين في مكة بهجرتهم إلى يثرب، ومن ثم إقامة دولة الإسلام  في المدينة بحدودها الجغرافية، وشعبها المسلم، واقتصادها القوي، وجنودها المدافعين عنها بصدق وهمة عالية، وترتب على ذلك فتح مكة بعد صلح الحديبية وكسر شوكة العدو، وردع كل من سولت له نفسه الاعتداء على دولة الإسلام.

وهذا درس علمي عملي عقائدي للمسلمين لخروجهم من حالة الاستضعاف والهوان والضعف والتخلف إلى مرحلة التوحد والقوة والسيادة والتمكين.

- الهجرة وما تم في تنفيذها من التدابير العلمية درس لأهمية الأخذ بالأسباب العلمية والبعد عن الدروشة والعشوائية والاتكالية في وضع الخطط وتنفيذها والله من وراء هذا القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد 11).

هكذا فهم المسلمون قانون الله تعالى في التغيير وبهذا تمكن المسلمون من الخروج من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين قال تعالى (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص 5) 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news