العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

أهمية نظام المجلسين في السلطة التشريعية

بقلم: السيد حيدر رضي

الجمعة ٠٥ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

جاء دستور 2002م، ليوثق مرحلة جديدة من العصر الإصلاحي الكبير، وذلك انطلاقا من ميثاق العمل الوطني، وتنفيذا للإرادة الشعبية المجمعة على ميثاق الإصلاح والتغيير.

ولعل الحاجة الملحة إلى إجراء تعديلات على دستور دولة البحرين 1973م نظير مواكبة التوثيق الدستوري لأبرز ملامح المرحلة القادمة، وعلى هذا الأساس انبثقت فكرة تعديلات دستور دولة البحرين، على أن التعديلات جاءت لتتلاءم مع جوهر الإصلاح وروحه، وخاصة البنية التشريعية التي قوامها مجلسي الشورى والنواب.

ولا ريب أن هذه التعديلات تعكس إرادة مشتركة بين الحاكم والمحكوم، ومن خلالها تتحقق المزيد من المثل العليا والقيم الرفيعة، والمبادئ الكبرى، والصلات الحميدة والازدهار والرفعة.

ولقد جاء في دستور مملكة البحرين في «المادة 51» (يتألف المجلس الوطني من مجلسين: مجلس الشورى ومجلس النواب».

وفي المذكرة التفسيرية للدستور: «وأهم المزايا التي يحققها نظام المجلسين أنه يتيح الاستفادة من حكمة ذوي الخبرة التي تتوافر في المجلس المعيَّن».

«كما أن نظام المجلسين بما يتضمنه من توزيع المسؤولية التشريعية بينهما يمثل ضمانا أكيدا لحسن سير العمل البرلماني وتحقيقه لمبدأ الرقابة التبادلية بين المجلسين».

أقول: ولعل من المسلمات في النظام الديمقراطي الذي يقضي بأن يحكم الشعب نفسه بنفسه لتحقيق الأهداف المنشودة، ولما كان هذا من الصعب تحقيقه، كان الاتفاق هو السائد على أن تكون اختيارات من الشعب نفسه، كممثلين لدى السلطات يقومون بتحقيق أهداف الشعب، ليشكلوا ما يسمى بالمجلس النيابي (البرلمان) أو ما تدعى في الفقه الدستوري (الديمقراطية النيابية).

وقد يكون المجلس واحدا في كل دولة يمارس صلاحياته، وهذا ما تأخذ به بعض الدول ويسمى بنظام المجلس الواحد. (راجع www.libya-al-mostakbal.org).

ولكن في بعض الحالات، يأخذ العمل الديمقراطي شكل نظام المجلسين لطبيعة الدولة ونظامها السياسي ودواعي الحاجة إلى ذلك.

ومن الدواعي لذلك وجود إقليميات متعددة يحتفظ سكان كل إقليم بخصائصهم الاجتماعية والسكانية والعرقية، كما في الدول الاتحادية (الفيدرالية).

ولعل من مزايا نظام المجلسين قلة الأخطاء،  وإتقان الإجادة التشريعية، وقد يكون ضروريا في البلدان الكبيرة التي يكون فيها حكومة مركزية، وتتطلب وجود ممثلين من كل الولايات إلى جانب ممثلي الشعب. 

ومن مزاياه وجود الكفاءات المتخصصة الفنية والمؤهلين، إلى جانب ممثلي الشعب بما يؤدي إلى علاقة تكاملية وتبادلية بين المجلس المنتخب والمعين.

وكذا فإنه يمنع استبداد السلطة التشريعية، وانفراد مجلس واحد بسلطة سن القوانين، وخاصة مع حالات التشنج أو الانحراف لهذا المجلس الواحد.

ولعل ميزة أخرى تضاف، وهي عدم التسرع في العملية التشريعية، والتأني في عمليات التشريع بمرورها لأكثر من جهة وقد يرى المجلس الثاني رؤى هي الأصوب أو الأكمل، بما يؤدي إلى إتقان العملية التشريعية وخلوها من الأخطاء وأن تكون ثمرة التشريع بعد فحص وتأكد وتدقيق وتمحيص.

وتعد بريطانيا العظمى في طليعة الدول التي تأخذ بنظام المجلسين، وقد يكون بداية هذا النظام في أواسط عام (1215م) نتيجة ظروف معينة سياسية واجتماعية، ارتأت أن يستعين الملك بهيئة ارستقراطية مكونة من ممثلين عن الأقاليم، وبعض رجال الدين.

والبرلمان البريطاني حاليا يتكون من مجلس اللوردات ومجلس العموم. (راجع المصدر نفسه).

الولايات المتحدة الأمريكية هي الأخرى تأخذ بنظام المجلسين، وهما (مجلس الشيوخ)، و(مجلس النواب) المسمى بـ(الكونجرس) وهذا ما نص عليه الدستور الأمريكي الصادر عام (1787)، ويتكون المجلس الثاني من عضوين لكل ولاية من الولايات الأمريكية.

وقد أخذت بعض الدول العربية بهذا النظام، فيما استغنت عنه كل من جمهورية مصر العربية، والجمهورية التونسية، لاعتبارات خاصة، أو ربما تكشفت بعض السلبيات لهذا النظام، فيما لا يزال مستمرا في بعض الدول العربية، كالمملكة الأردنية الهاشمية، ومملكتنا الزاهرة، وبعض الدول الأخرى، (انظر: ليبيا المستقبل).

وربما سؤال يطرح، هل نظام المجلسين حكر على النظم الفيدرالية فقط؟ أم هناك دول موحدة تتبنى هذا النظام؟

أقول: إن القول بأن نظام المجلسين حكر على الأنظمة الفيدرالية ليس دقيقا للغاية، ولا يمكننا القول بذلك، بدليل أن اليابان مثلا وهي (دولة موحدة) تتبنى نظام المجلسين ولديها بالفعل مجلسان، الأول له اختصاصات تشريعية أكثر من الآخر، فيما الثاني له صلاحيات رقابية أكثر من الأول.

وغاية ما نقول، أنه بالفعل الدول الموحدة لها كل الحرية، في الاختيار المطلق لنظام المجلسين، إلا أنه ينبغي في ذلك توزيع الأدوار فيما بينها، أو إعطاء صلاحيات لواحد منهما أكثر من الآخر وهكذا.

وما نلحظه في الخريطة السياسية للعالم، أن الدول الموحدة، بدأت تتجه إلى الأخذ بنظام المجلسين، ففي عام 1970م، كان عدد الدول التي تتبنى هذا الخيار (46) دولة، وقد وصل عام (2000) إلى قرابة (67) دولة، وفي عام (2011) بلغت الدول التي تنتهج هذا النظام نحو (78) هذا إلى جانب الدول التي تمثل أكثر عراقة وديمقراطية في العالم، والتي تأخذ بنظام المجلسين، مثل بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإيطاليا والهند والبرازيل والأرجنتين، (راجع: نقابة الباحثين البرلمانيين https://mfacebook.com).

وربما يكون هناك نوع من النقد أو توجيه النقد إلى مثل هذه الأنظمة مثلا:

‭{‬ القول بأن نظام المجلسين وخاصة المجلس الآخر لا قيمة فعلية له وأنه مجرد صورة صورية، ومجلس استشاري، وهذا اعتقاد خاطئ حتما، فالمجلس الآخر يكمل أعمال المجلس الأول، وهو مختزل وجامع للحقوق الأخرى، وممثل للأقليات، وفيه من الكفاءات ما تعزز القيمة التشريعية للمجالس المنتخبة والمعينة.

‭{‬ القول بأن نظام المجلسين يتعارض مع وحدة إرادة الأمة بمجلس واحد منتخب يمثل الإرادة الشعبية ويدافع من أجل حقوقها، وهذا ليس فيه من الحجية العلمية الشيء الكثير، ولا يمكننا أن نقول إن الإرادة الشعبية مردها (مجلس منتخب واحد)، فإذا ما قلنا ذلك رجعنا إلى حجية النظام المسيطر، بل إن التجارب تدل على أن نظام المجلسين نتائجه ومخرجاته أتت بالوجه الصحيح، وأن الدول الأكثر عراقة في الديمقراطية وأكثر توغلا في النظام البرلماني قد نجحت كثيرا في هذه السياسة الديمقراطية.

‭{‬ القول بأن نظام المجلسين يعطل كثيرا  سير العملية التشريعية ويجعل صدور القوانين أبطأ، وهذا إذا قلنا إن ثمة شيئا من الصحة في هذا القول، ولكن دعونا ننظر إلى النتائج، وهي التأني والفحص والتدقيق، والمرونة في التشريع إلى جانب اتفاق أهل الكفاءة والعقل على صدورها، وهي ربما أقرب إلى الإجماع والاتفاق، وأكثر قربا من المصلحة الوطنية، بعكس ما لو صدرت من مجلس واحد بسرعة ومن دون تمحيص والعبرة ليست بكثرة التشريعات بل بصلاحيتها وصيرورتها إلى المصلحة الوطنية العليا وهي غاية التشريع وهدفه الأسمى، والله العاصم، (انظر وراجع: لماذا تحتاج مصر إلى مجلس تشريعي يأخذ بنظام المجلسين، خالد عصام الإسلامبولي).

وقد أكد تقرير صادر عن وكالة الأنباء البحرينية (بنا) أن هذا النظام الذي تبنته مملكة البحرين العامرة هو أحد أبرز ملامح العصر الإصلاحي، والذي قاده جلالة الملك المفدى، مشيرًا إلى أنه تتبناه وتطبقه الكثير من دول العالم وخاصة الكبرى منها، ويمتاز بمزايا عدة، ويحدث نوعا من التوازن والاستقرار السياسي ويسمح بالتفاعل الإيجابي بين الآراء والاتجاهات المختلفة، وفيه تمثيل للطبقات والكفاءات المختلفة بما يؤدي إلى سلامة العملية السياسية.

وتنطلق هذه الفلسفة بحسب تقرير (بنا) من ميثاق العمل الوطني والذي نص: «من أجل مزيد من المشاركة الشعبية في الشؤون العامة واستلهاما لمبدأ الشورى بوصفه أحد المبادئ الإسلامية الأصيلة التي يقوم عليها نظام الحكم في دولة البحرين، إيمانا بحق الشعب جميعه وبواجبه أيضا في مباشرة حقوقه السياسية الدستورية، وأسوة بالديمقراطيات العريقة بات من صالح البحرين أن تتكون السلطة التشريعية من مجلسين، مجلس منتخب انتخابا حرا مباشرا، يتولى المهام التشريعية، إلى جانب مجلس معين يضم أصحاب الخبرة والاختصاص، للاستعانة بآرائهم، فيما تتطلبه الشورى من علم وخبرة»، وقد سمح جلالة الملك المفدى للجمعيات السياسية التي أنشئت كثمرة للمشروع الإصلاحي الكبير، بالدخول في العملية السياسية ككتل بأجندات شبه الأحزاب، وبالفعل دخلت – هذه الجمعيات – وأثرت العملية السياسية إثراء كبيرا، كما كان لها الدور الكبير في الخروج بالكثير من القرارات والمكتسبات الوطنية.

وتم تفعيل الأدوات البرلمانية برمتها وخاصة (الاستجوابات) والذي أسفر عن استجواب أكثر من (وزير).

وفي اعتقادنا بأن الجمعيات السياسية تعد لاعبا مهما في العملية السياسية ولا يمكن الاستغناء بما تملكه من أجندات وبرامج عمل عميقة وأولويات والقدرة على المحاورة إلى جانب قدرتها ومرونتها في التعامل الإيجابي في المناقشات والمداولات المختلفة.

وقد استطاعت السلطة التشريعية تحقيق إنجازات عظيمة طوال فترات انعقاد مجلسي الشورى والنواب.

وقد أنجز مجلس الشورى طوال انعقاده خلال الأربعة فصول الماضية ما يناهز (779) من مشروعات القوانين المحالة إليه، ومقترحات بقوانين (107) منها مقترحات تعديل قوانين (87) وقوانين جديدة (20)، والمراسيم بقوانين (76)، وقد كان للفصل التشريعي الأخير نصيبه من هذا الإنجاز مثل مشروع قانون الأسرة، ومشروع قانون إعادة تنظيم الإفلاس، (راجع: www.shura.bh).

ويعد قانون الأسرة الموحد من أكبر إنجازات السلطة التشريعية، وكان الهدف منه سد الفراغ التشريعي، والوصول إلى رؤية تشريعية شرعية مع الإشارة إلى موارد الخلاف كل بحسب مذهبه.

وينظر الجميع بكل أمل وتفاؤل إلى الاستحقاق الانتخابي القادم، للفصل التشريعي الجديد وسيكون موعد الانتخابات يوم الرابع والعشرين من نوفمبر، وهذه دعوة منا إلى ضرورة المشاركة في هذا العرس الديمقراطي، لما فيه خير ومصلحة مملكة البحرين العامرة، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

S-HAIDER64@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news