العدد : ١٤٨٧٦ - السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٦ - السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

ألوان

افتتاح المعرض التشكيلي الأول للفنان راشد آل خليفة في صالة ساتشي بلندن

الخميس ٠٤ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15


الفنان جسد أفكاره في عشرة أعمال مجسمة مستقاة من مضمون متمثل في فكرة «المشربية»


 

 

 

افتتح مساء أمس في العاصمة البريطانية لندن المعرض التشكيلي الأول للفنان التشكيلي الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة الذي يعتبر أحد أهم رواد الحركة الفنية المعاصرة في مملكة البحرين، وذلك في واحدة من أعرق صالات العرض الفنية في لندن وأكثرها اهتمامًا بالحركة الفنية الدولية. حيث تستضيف صالة ساتشي عددًا من الأعمال الفنية المستوحاة من التراث العربي الأصيل الذي استطاع الفنان التشكيلي راشد بن خليفة تجسيد بعض أفكاره والتعبير عنها ببراعة من خلال عشرة أعمال مجسمة برع في تقديمها في عدة أشكال فنيّة مُستقاة من مضمون واحد متمثل في فكرة «المشربية».

ومن المعروف عن «المشربية» في الهندسة المعمارية القديمة أنها تستخدم لعدة أغراض، علاوة على شكلها الجمالي المحفور في الخشب ونقوشها الزخرفية، فقد كانت تسهم في التخفيف من حدة الضوء الداخل إلى المنزل وتسمح بمرور شيء من الريح لتلطيف الجو، وخصوصًا في البيئة العربية الحارة، كما أنها توفر نوعًا من الخصوصية لسكان المنزل، حيث إنها تتيح الرؤية من الداخل فيما تحجبها من الخارج. وقد وجد الفنان البحريني راشد بن خليفة في هذا العنصر الهندسي الذي شهدته الحضارة العربية منذ زمن بعيد أفقًا واسعًا وبعدًا عميقًا أتاح له رحابة التعبير في عمله الفني والإبداع فيه من خلال الجمع بين عددٍ من المفارقات الصارخة المتمثلة في الضوء والظل، والظاهر والباطن، وكذلك بين ما هو واقع قائم وما هو فقط من نسج الخيال. الأمر الذي يعكس قدرة الفنان على تجسيد استيعابه عدة مفاهيم مزدوجة في آن واحد.

ويأمل الفنان راشد بن خليفة آل خليفة بأن ينجح هذا المعرض، الذي يستمر حتى 21 أكتوبر 2018 في استقطاب اهتمام أكبر عدد من الفنانين المحليين والعالميين والمهتمين بالحركة الفنية والثقافية بشكل عام، من خلال ما تميزت به مجموعته من أعمال فنية امتزج فيها الطابع الفني المعاصر، وكذلك فيما استخدمه من أساليب حديثة كالخامات المعدنية الصلبة مثل مادة الألمنيوم المطلية بالألوان الزاهية والقوية في بعض الأحيان، مع مضمونها التراثي العريق، ليعطي بعدًا ثقافيًا زاخرًا يتيح الاطلاع والانفتاح على مختلف الثقافات من خلال عام الفن.

ويوضح الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة أن إقامة هذا المعرض في العاصمة البريطانية تحت اسم PENUMBRA، والذي يعني الضوء الخفيف ما قبل الفجر لاعتماده بشكل كبير على عنصري الضوء والظل، تأتي إيمانًا منه بأهمية التواصل ومد الجسور مع الجانب الأوروبي من خلال لغة الفن والثقافة التي قد تكون أقوى تأثيرًا وأكثر إيجابية في توضيح المفاهيم وإيصال الصورة. وأعرب الفنان عن شكره الكبير للحضور وللقائمين على المعرض في صالة ساجي بلندن لاستضافتهم المعرض وحسن التعاون والتنسيق للعمل على إنجازه وإبرازه في مثل هذه الصورة المشرفة للفن العربي والجديرة بتمثيل مملكة البحرين في الخارج.

 

 

رحلة الفنان راشد آل خليفة في سطور :

 

بدأ الشيخ راشد آل خليفة (مواليد عام 1952) هواية الرسم وهو في سن السادسة عشرة، وكان أول معرض للوحاته في فندق دلمون بالبحرين خلال عام 1970. ثم سافر إلى المملكة المتحدة في عام 1972 للالتحاق بكلية برايتون أند هاستنجز للفنون بجامعة ساسكس، حيث تدرب على الفنون والتصميم.

تطورت الممارسة الفنية لراشد تدريجيا مع مرور الوقت: بدءا من المناظر الطبيعية في فترة السبعينات وأوائل الثمانينات، حتى صار يدمج عناصر من أعماله التصويرية والمجردة في أواخر الثمانينات، واتجه بعد ذلك إلى التجريد وتجريب استخدام «الكنفا» في فترة التسعينيات، ووصل مؤخرا إلى استخدام قطع الكروم العاكسة للصورة وغيرها من القطع المطلية باللاكيه الشديد اللمعان.

شمل معرضه الفردي هايبردز، بصالة عرض أيام، في دبي، بالإمارات (عام 2018)؛ كونفكس: رسم منظوري جديد، متحف البحرين الوطني، مملكة البحرين (عام 2010)؛ القسم الفني، مؤسسة شومان للفنون، الأردن (عام 1997)؛ صالة عرض دي كالييت، مدينة ميلانو في إيطاليا وصالة عرض الكاتو كاييل، بمدينة ميلانو في إيطاليا (عام 1996).

وتشمل المعارض التي تعقد مرة كل عامين: معرض بريدجز، بجناح جيراندا، مهرجان البندقية السابع والخمسون، البندقية، إيطاليا (عام 2017)؛ معرض البحر المتوسط الثالث الذي يُعقد كل عامين، معرض اوت اوف بليس-وادي سخنين إسرائيل (عام 2017)؛ الوفد العربي، معرض تريو الذي يُعقد كل عامين - ريو دي جانيرو، البرازيل (عام 2015)؛ ومعرض إن ذا آي أوف ذا ثاندرستورم، أحداث مباشرة، 56، لابينال دي فينيسيا، البندقية، إيطاليا (عام 2015).

شارك راشد أيضا في العديد من العروض الجماعية، المعارض الفنية العالمية والمعارض المجاورة لجمعية البحرين للفنون التشكيلية. 

 

رؤية فنية في سر الإبداع  ..ماذا يكمن في الداخل؟

 

يمتلك الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة تجربة طويلة في استخدام المواد المرنة، حيث قدم أعمالا مبدعة تتميز بقدر كبير من الحساسية والدقة ويتجلى هذا المظهر من الرقة من خلال الدقة التي يجسد بها الأشكال في أوجه أعماله الفنية.

هذه المنحوتات الجدارية السلسة تتطلب عناية فائقة، وهي تجيء في إطار تطور طبيعي وليد أعماله المحدبة السابقة، فالنسق الخطي للأشكال يشير إلى تكرارها اللانهائي المحتمل، وكما هو الحال في قرص العسل بالنسبة إلى النحل، فإنها تشكل وحدة متكاملة - الأخاديد والسطح الذي يحملها، هي التي تشكل التجربة للمشارك الشديد الانتباه.

وإضافة إلى ذلك، يستخدم الشيخ راشد اللون بطريقة تحرره من سياقه الموضوعي بحيث يصبح اللون موضوعا في حد ذاته. ومن ثم فإن الأهمية التي تعلق على كل لمسة يكون لها نفس وزن التركيبة المعيارية المتضمنة فيها، وكما في الفنون المعيارية، تلعب كل وحدة دورا ولكن تكون أيضا على نفس الدرجة من الأهمية مع الوحدات الأخرى من أجل تحقيق تكامل النظام.

وإذا كانت مواد التلوين المنتقاة تضمن وفرة في تدرج اللون وتألق الضوء الذي ندركه داخل شبه الظل، فإن هذه الأعمال هي التمثيل الطبيعي لشبه الظل نفسه. ماذا لو كان علينا أن نتخيل كيف سيبدو شبه الظل لو قمنا بالتركيز وتكبير ومعايرة ما نراه؟ ربما ستبدو الصورة على النحو التالي: عريش متعرج من الظلال ومستويات من الألوان المتبادلة، تتغير وتنساب تبعا للزاوية التي ينظر إليها من خلالها.

الحقيقة الكامنة

تبدو تراكيب راشد آل خليفة البارميترية، في دقتها، مثل مخططات النحت، بما يذكرنا بالنماذج المعمارية المولدة بواسطة الحاسوب. توحي هذه الطموحات المعمارية التي تحوم في الفضاء وتحلق فوق الوقت بالترابط المتبادل بين مناظر المدن. وينتج عن التجميع المدروس بعناية لعناصرها الأساسية تركيب تكويني يتشابك فيه العالمان الداخلي والخارجي ويحيطان ببعض ويدعمان بعضهما بعضا.

على الرغم من حالتها الساكنة، يبدو أن لهذه التراكيب صدى وتموجا يخلق التغيير المفاجئ في الرؤية تخيلا بالحركة، نتيجة العديد من تأثيرات الخداع البصري. وعندما نركز على طبقة معينة من هذه المصفوفة المتشابكة الملونة، تبقى الصورة على شبكية العين للحظة مثل طيف لشبح. حركات العين الصغيرة اللاإرادية تؤدي إلى تطابق هذا الطيف «الشبح» مع رؤيتنا الحالية وتكون النتيجة «تأثير تموجي» تندمج فيه الأنماط المتكررة المماثلة معا في مختلف الزوايا لتكون ما يبدو أنه تأثير متموج.

تعقيدات الظلال التي تسقط تحت هذه التراكيب هي نتيجة لدقة تشكيل التراكيب ذاتها. إذا كانت التراكيب دالة على الأسس المادية، فإن سقوط الظلال هو انعكاس لماديتها. ظلالها تبدو وكأنها نقيض للتراكيب-الفضاء الداخلي، والجوهر والروح تذكرنا بأن ما نشاهده هو حقيقي.

نحن عادة ما نفهم أن الظل هو الشيء الناشئ عن الظلام بعد تعرض الجسم للضوء. ومن ثم فإن الطبيعة البارامترية والمعيارية لهذه الأعمال (التي تتجمع فيها الوحدات لتشكيل تركيبة تكوينة أكبر) تكون نهائية. وبناء عليه لا يكون الظل بأي حال من الأحوال مجرد نتيجة ولكنه عنصر مهم وضروري بنفس الدرجة في العمل: فهو يعمل في نفس الوقت باعتباره وسيطا ورسالة. وعلى ذلك فإن كل تركيب يحتاج إلى وجود ظل له.

ترجع الظلال وتدرجاتها في الصدى مع عمق ومنظور الأنفاق والعوالم الموجودة في داخلها، وعليه ماذا لو أن الاهتزاز المدرك في التركيب - التأثير المتموج» لم يكن وهما، بل ظاهرة حقيقية، موجة خلقت ترددها وبثتها رؤيتنا، مع التركيب وألوانه؟ في هذه الحالة قد تكون هذه الظلال ممثلة لهذه الموجة وصداها المتجلي من خلال التظليل المتقاطع لشبه الظل.

استكشاف الوضوح

هذا التركيب المتعرج، المترف بألوان الباستيل الدافئة، الذي يشبه ضوء النهار وهو يغمر الأزقة الضيقة ويربط بين الطرقات، هو تركيب أخاذ وجذاب. بيد أن دفء هذا الألق يتعارض بصورة حادة مع شبكتها وطبيعتها المعوقة، يولد توظيف الفنان راشد لهذه التناقضات المادية أحساسا بالتردد في داخل المشاهد- تتأرجح ردة فعلنا إزاء العمل بين القلق واليقين، والرغبة في مشاهدة العمل بحذر لكن أيضا مع الفضول في استكشافه.

على غرار التراكيب البارامترية، يظهر مرة أخرى التأثير المتموج. ولكن مظهر الحركة هنا لا يحدث ببساطة عبر حركة العين التي تجاهد لتركيز الرؤية على الحدود المشوشة للتراكيب، ولكن أيضا بحركة الأشخاص الآخرين- المشاهدين الذين يقومون باستكشاف التركيب في نفس الوقت. تصبح هذه الأشكال جزءا ضروريا من العمل مثل تساقط الظلال. وعليه فإننا نشاهد ونراقب من خلال شبكة ومصاريع صغيرة ونتساءل: هل نحن داخل أم خارج هذه المساحة؟ هل نحن المراقبون أم أننا موضوع المراقبة؟

الارتباك والوضوح، التعددية والوحدة، السجن والتحرر، الفوضى والنظام كلها تراكيب حقيقية هنا. تعكس هذه الازدواجية التناقضية الميزة العلاجية لتحسس المرء لطريقه عبر النضال والارتباك، والهدف هو بناء قدرة أكبر على التبصر والرؤية.

ياسمين شرابي

 

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news