العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

مقالات

الإنسان وأفعال الخير والشر

بقلم: تقي محمد البحارنة

الأربعاء ٠٣ أكتوبر ٢٠١٨ - 01:15

  تصـرفات الإنسان وأفعاله معظمها تأتي من مخزون عقله -أفكاره وعواطفه -مدركاته وأحاسيسه -تربيته المنزلية والمدرسية -طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه ثم تجاربه في الحياة بين سعادة وشقاء -وما يرسخ في قناعات عقله الواعي أو ينزوي بعيدا في عقله الباطن وعقده النفســّية -والمصادر التي يستقي منها آراءه ومعتقداته.. كل ذلك إلى مصادر أخرى في الأفعال والأقوال يعرفها المتخصّصون في علوم النفس والاجتماع.

يولد الإنسان السويّ على الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها من حب الخير والإيمان بخالق الكون وصفحة بيضاء خالية من الذنوب، ثم لا يلبث في أطوار نموه العقلي والجسدي أن يصبح عـرضة لتلك العوامل التي سبق ذكرها.. فيتشكل عقله ومدركاته تبعا لتلك العوامل حسنة كانت أم سيــئة (إلا من رحم الله واختارهم لرسالته وحمل أمانته وعصمهم من سوء الأعمال والأفعال والأقوال).

وقصّة إغواء الشيطان وإبليس لبني البشر واردة في كتب الديانات السماوية وربما غير السماوية. وأني أرى -كما أظن- أن إبليس والشيطان كامنان في عقل الإنسان على الأرجح بمقـدار ما هو كائن في عقله الفطري من حب للخير ونهي النفس عن الهوى.

أوامر العقل البشري الظاهرة والباطنة التي تحكم أو تتحكم في أفعال الإنسان نوعان: نوع لاتباع الهدى وآخر على الضّد من ذلك -أي على نحو ما يعبر عنه المفكرون أن أوامر الأفعال والأقوال تأتي للإنسان بالشيء وضده في آن واحد، بصيغة (افعل أو لا تفعل)، وأرى أن في ذلك اختبارا للقدرة التي وهبها الله للإنسان في حرية الاختيار (.. ليبلوكم أيـّكم أحسن عملا..).

وفي القرآن الكريم نصوص تدل على ذلك مثل قوله تعالى:

* (ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين - البلد/ 8،9،10).

* (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سـيّئة فمن نفسك -النساء/79).

* (إنّا هديناه السبيل إمّا شاكرا وإمّا كفورا - الإنسان /3 ).

* (ونفس وما سـوّاها فألهمها فجورها وتقواها – الشمس / 7،8).

* (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر – الكهف/29).

* (إنّ الذين اتـّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكـّروا فإذا هم مبصرون –الأعراف/201).

تلك الآيات البينات تذكير للمؤمنين بأن لهم حريـّة اختيار سبل الخير في مقابل طرق الشرور والآثام. لكنـّه عـزّ وجـلّ قال في موضع آخر...( أفلا يتدبــّرون القران أم على قلوب أقفالها – محمـّد/24).

ويأتي السؤال هنا كمثال عن جماعة (داعش والنصرة وأمثالهما) هل تدبروا القرآن أم على قلوب أقفالها... قتلوا المسلمين وقاتلوهم، واستباحوا أهل الذمة وغيرهم من الأبرياء واسترقـّوا نساءهم وسلبوا أموالهم واستباحوا مساكنهم وحرماتهم.. واستندوا إلى أحاديث مروية في مقابل النص القرآني، وبيعة بالإكراه في زمن انقضت فيه البيعة لرسول الإسلام، وتجاهلوا ما أمر الله به من المحبة والرفق ومعاملة الأسرى وحقن الدماء، وتفويض أمر البشر إلى الله يحكم بينهم فيعاقب من يشاء ويعفو عمّن يشاء، وقوله تعالى:... (إنّ الذين امنوا والذين هادوا والصـّابئون والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون – المائدة/69) والآية...(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبـرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين – الممتحنة/8)، وزعموا أنّ آية الجهاد نسخت هذه الآيات، ومعروف أن آيات الجهاد نزل معظمها في كفار قريش الذين حاربوا النبي وأتباع الرسالة ورسالة الإسلام وقد مضى الزمن على كفار قريش ومع ذلك قال فيهم القرآن الكريم.. (وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها وتوكــّل على الله إنه هو السـّميع العليم - الأنفال /61). 

توجد في مجتمعاتنا نماذج أخرى كثيرة لا تحصى من تصرفات شيطانية سببها عدم القدرة على تحكيم العقل والتدبـّر والنظر إلى العواقب وحسن الاختيار مثل حالات القتل والسرقة والإضرار بالغير وحب الانتقام لا عدّ لها، صادرة عن النفس الأمـّارة بالسوء تدلّ على الانحراف وسوء العادات وضعف السلوك.

ولا شـّك أن هناك أسبابا لذلك، منها اختيارية ومنها قهرية. يحضرني من تلك الأسباب ما يلي:

1- استيلاء حالات الغيظ والغضب الشديد في مقابل كظم الغيظ والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بالإضافة إلى سيطرة الانفعالات العاطفية من حــبّ وبغض شديد يعمي القلوب ويصــمّ الآذان.

2- الخضوع لشهوات النفس ومنها حبّ المال حبًّا جمــّا، والسـعي العارم لكسب الشهرة والنفوذ، وردود الأفعال المبالغ فيها التي تتجاوز أصل الفعل، والخوف المبالغ فيه، والحقد والحسد وما شابه ذلك.

3- الاستسلام للأفكار السلبية والشيطانية والتعـوّد عليها حتى ينتج عنها تصرفات لا إرادية جامحة.

4- تعـرّض الشخص لما يسـمـّى (غسيل الدماغ)، ما يرسخ في عقله من إيمان بفتاوى وخطب وقراءات وإغراءات مادية أو غير مادية أمليت عليه من قبل حركات أو جماعات أو أنظمة قهرية تمكنت من تجنيده لتحقيق ما تريد.

5- اضمحلال صوت الضمير الحي لديه وضعف القيم الأخلاقية عن طريق التعود على الممارسات الخاطئة من دون تدبـّـر عواقبها.

ولا داعي للاسترسال في ذكر الأسباب التي تؤدي ببعض الأفراد إلى سلوك سبل الشر والضلال بدلا من سبيل الرشد والهدى وإنما المقصود في مجمل القول أن كل إنسان يستطيع أن يقدح في نفسه شرارة الخير في أفعاله وأقواله فقد أتاح له رب العزة أن يختار طريق الخير بما آتاه الله من تدبر بعقل سليم وإرادة وعزم.

أما كيف يتأتى ذلك لكل إنسان فهو كما أمر به نبي الإسلام بجهاد النفس وسماه (الجهاد الأكبر)، وكما قال رب العـزّة: (قد أفلح من زكــّاها وقد خاب من دسـّـاها).. ورحم الله من وعظ نفسه قبل غيره، ولله الحمد.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news