العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الـهـجـرة تـعـلـمـنــا (4):

بقلم: ا. د. أمين عبداللطيف المليجي

الجمعة ٢٨ ٢٠١٨ - 11:16

تكلمت في العام الماضي عن أن للهجرة دروسا نتعلمها ونستلهم منها العبر في حياتنا، لأن كل حركة وسكنة فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم تكون لنا نورا نهتدي به في كل لحظة من حياتنا، وقد تكلمت عن درس الغضب وكيف استطاع الرسول الجام غضبه عندما عاد إلى مكة فاتحا منتصرا، ومن هذا الدرس أستلهم درسا آخر ألا وهو درس الغرور والخيلاء والانتقام، وكم قرأنا في كتب التاريخ عن بعض من انتصر في معارك أو من دون معارك، فما كان من هؤلاء إلا أن تملكهم الغرور والخيلاء وكان الانتقام حاضرا لكل من قاتلهم أو عارضهم وحتى للأبرياء من الناس من دون ذنب أو جريرة - وكما قلنا فقد كان في مقدور الرسول وأصحابه أن ينتقموا من أهل مكة، ولكن قبل الانتقام لم نقرأ أو نسمع بأن الرسول وأصحابه قد انتابهم الغرور والخيلاء، وربما لو فعلوا ذلك ما لامهم أحد، وذلك رجوعا إلى ما فعله مشركو مكة، وخاصة علية القوم أمثال الوليد بن المغيرة وأبى بن خلف وأبو لهب وأبو سفيان وغيرهم، من تعذيب وتنكيل وتجويع الرسول ومن أسلم معه من مكة، وقد روت لنا كتب السيرة أن الرسول الكريم قد دخل مكة راكبا ناقته القصواء مطأطأ رأسه الشريفة، خوفا من أن ينتابه الغرور أو الخيلاء، وهذا درس لنا جميعا، لأننا في حياتنا الدنيا نمر بمراحل ومواقف مختلفة، وقد نخرج منتصرين أو محققين نجاحا في بعض هذه المواقف، ثم ينتابنا الغرور والخيلاء ظنا منا بأن ما حققناه من نجاح أو انتصار هو من صنع أيدينا فقط ولا فضل لأحد علينا، وبأننا نستطيع فعل أي شيء، كل هذا يقودنا إلى الغرور والخيلاء، وننسى الأسباب التي أدت إلى ذلك النجاح أو الانتصار وننسى مسبب الأسباب فلا نشكر الله على توفيقه لنا، وقد حذرنا الحق سبحانه من ذلك وذكر لنا في سورة الكهف قصة الرجلين، فقد جعل الحق لأحدهما جنتين فيهما من كل الثمرات وجعل بينهما نهرا، وليس ذلك فحسب بل جعل له عزوة من أهله، فظن بأن هذا من فعله وصنعه فقط، ونسى الأسباب ورب الأسباب، وقال في نفسه بعد أن دخل جنته بأنها لن تبيد أبدا، أي لا يمكن أن تهلك هذه الثمار أبدا، حتى أخذه الغرور والكبر بأنه لن تكون له نهاية أبدا ولن تكون هناك ساعة أي يوم القيامة، فذكره صاحبه بأن لا يكفر بالذي خلقه من تراب ثم من نطفة ثم سواه رجلا، وطلب منه ذكر الله وشكره، وهذا ما يجب أن نتعلمه في تلك المواقف حين ننجح أو نرى شيئا قد أينع وأتى ثمارا كثيرة سواء كان زرعا أو علما أو ذرية قد نجحت وتقدمت في حياتها بأن نقول كما قال الحق على لسان صاحب هذا الرجل «وَلَولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا(39)»، ونهاية هذا الرجل المغرور المتكبر الجاحد معروفة وذكرها الحق فى سورة الكهف «وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا(42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا(43)»، فلا نفعته جنته ولا نصرته عزوته، فندم في وقت لا ينفع فيه الندم، هذا الدرس يجب أن نتعلمه ونحفظه عن ظهر قلب حين نتذكر الهجرة، لأننا ننسى دائما، وكذلك لا يكون الانتقام حاضرا إذا انتصرنا في أمر ما، ولا تأخذنا العزة بالإثم ونظن بأننا أقوياء حين ننتصر، بل يجب أن نتذكر فضل الله علينا بأن أرجع لنا حقوقنا أو أعطى لنا ما سلب منا، وفى الحروب أيضا يجب أن لا ينسى المنتصر فينتقم من كل إنسان طالته يداه، وكم رأينا في التاريخ ذلك، وحتى يومنا هذا، فالانتقام ليس من أخلاق الإسلام وهذا ما علمنا إياه الرسول الكريم ووصانا به، وهذا ما فعله وقام به بنفسه فعفى حين ملك وحين انتصر.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news