العدد : ١٤٨٧٨ - الاثنين ١٧ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٨ - الاثنين ١٧ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

من وحي الإسلام: الفنون الإسلامية: صناعة الأسلحة والمعدات الحربية (1)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ٢٨ ٢٠١٨ - 11:15

تركت الحضارة الإسلامية الزاهرة تراثا حافلا من الإرث الحضاري بجانبيه المادي والمعنوي وكان من ضمنها السلاح العربي الإسلامي حيث كان يمثل رمزا للقوة والعدل وكان السلاح علامة بارزة للتحدي والإرادة والشكيمة التي أرست بنيان دولة الإسلام ورفعت راياته، وأنهت على أثرها عهودا طويلة قاس العالم من خلالها كثيرا من الجور والإجحاف والظلم والعدوان فكان السلاح رمزا لصون العرض والشرف وتدعيما للحق والأمن بيد المسلمين وإعلاء لراية الحق والسلام وحفاظا على مبادئ العقيدة الإسلامية السمحاء ولم يكن يوما وسيلة للتباهي والاستعلاء وقهر الآخرين.

وكانت غاية الإسلام من تصنيع وتوفير الأسلحة والمعدات الحربية النيل من العدو وتدمير قوى البغي والطغيان بل لم يكن الغرض العملي منه سبيلا للقتال والتعدي بل جاء كغيره من المنتجات الحضارية والفنية والنواحي الجمالية، فقد صنعت الأسلحة الفردية من الفولاذ والحديد وحليت كذلك مكفته بالذهب أو الفضة أو النحاس الأصفر، ورصعت بعضها بالأحجار الكريمة والجواهر، وحملت أجزاؤها الكثير من الزخارف الإسلامية النباتية والهندسية ونقشت على أسطحها بعضا من الآيات القرآنية وشيئا من الأدعية والشعارات التراثية والحكم وبيوت الشعر الرزين.

وكان الفنان والصانع المسلم الماهر يقوم بوضع المعادن الرقيقة على المقابض وواقيات السيوف وأغمادها وأنصبة الخناجر نقوشا إسلامية غاية في الدقة والمهارة والروعة وقد قامت حينئذ على أثر تلك الصناعة نهضة فنية كبرى في القرن (الثالث عشر الهجري) أي التاسع عشر الميلادي في بعض الدول الأوروبية لجمع الأسلحة وتبارى فيها هواة الأسلحة أمثال: هنري موسر وشارلوتنفيل واللورد هيرتفورد وغيرهم كما ضمت بعض المتاحف العالمية كمتحف بيرن وقصر هيرتفورد بلندن، وقصور فيينا ومتحف قطر ومتحف اسطنبول ومتحف القاهرة لمجموعات متنوعة من تلك الأسلحة زودت بها قصور الثقافة. 

* أهمية الأسلحة المصنوعة: 

كانت مقتنيات الأسلحة الإسلامية يتسم بعضها بالقدم ويرجع تاريخها إلى القرن الثاني عشر الهجري أي خلال القرنين (السابع عشر الميلادي والثامن عشر الميلادي) وقد ضمت مستودعات الأسلحة في دولة الهند مجموعة يعود تاريخها بل أغلبها إلى القرن الثاني عشر الهجري التي يمكن من خلالها رصد تاريخ وأهم أساليب الزخرفة الفنية على تلك الأسلحة وأماكن تصنيعها وزخرفتها. 

وتعد الأسلحة من أهم الصناعات المعدنية التي عني بها المسلمون واستشعروا بحبها والتشوق إليها وصنعت من أقدم العصور إلى العصور الإسلامية الأولى تحقيقا لقول الله تعالى «واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم», كما حرص المسلمون على اقتناء المعدات الحربية من بداياتهم المعروفة للمفاخرة بها، بل وصل الأمر بهم إلى تقديسها ووضع الاعتبار لأن هذه الأسلحة كانوا يحمون بها أنفسهم، ويصونون شرفهم وعزتهم ويستجلبون بها معايشهم ويحاربون بها العدوان الواقع عليهم على الرغم من أن حروبهم كانت تخضع وفق ظروفهم الحمائية التي لها علاقة بصد العدو المقاتل ومعداته الحربية ولكن في ظل حماية مواردهم المتيسرة لهم ومتطلباتهم السياسية واستعدادهم القتالي ضد العدو. 

* الأسلحة والقتال في الشريعة: 

لقد نفت الشريعة الإسلامية الغراء حمل السلاح على المؤمنين دون حق فحامله في النار وغضب الله عليه ولعنه، ويقول تبارك وتعالى «ولا جناح عليكم إن كان بكم أَذًى من مطر أو كُنتُم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا». (سورة النساء الآية 102). 

ويقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار», فقال الصحابة يا رسول الله هذا بال القاتل فما بال المقتول؟ «فقال إنه كان حريصا على قتل صاحبه» (رواه الإمام أحمد رحمه الله). 

وقال عليه الصلاة والسلام «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات ميتة جاهلية، من قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية» (رواه مسلم) 

(عمية: لا تعرف أحق هي أم باطل، عصبة: تعصبا لهواه وليس للدين أو الحق). 

تقسيم الأسلحة الإسلامية: 

يمكن تقسيم الأسلحة العربية الإسلامية إلى قسمين كما يلي: 

 أولا: أسلحة مفردة لاستعمال شخص واحد مثل السيف والقوس والسهم والرمح والخنجر والدبوس والدرع والترس والبندقية والمسدس والمغفر والخوذة والبلطة واللامة. 

ثانيا: أسلحة كبيرة وثقيلة يشترك في استخدامها أكثر من شخص كالمدفع والمنجنيق والعرادة والدبابة والقذائف النارية والمعدات البارودية والحراقة والكلاليب. 

يقول عنترة العبسي في قصيدته الشهيرة: 

إن لي همة أشد من الصخر 

وأقوى من راسيات الجبال 

وحساما إذا ضربت به الدهر 

تخلفت عنه القرون الخوالي

سيوف الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم): 

ولقد آتَاتني الفرصة في زيارتي لتركيا أن أقوم بجولة قصيرة في متحف (طوب كابي) أي بوابة المدفع بمدينة إسطنبول فشاهدت في جناح الخزانة المقدسة سيف الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام وعصاته الشريفة إلى جانب سيوف الخلفاء الأربعة الراشدين أسيادنا أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والإمام علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين وكتبت على صفحات بعضها آيات من الذكر الحكيم وكان أطولها سيف عمر بن الخطاب.

وينسب إلى سيدنا الرسول الكريم ستة إلى تسعه أسياف، وكان لكل سيف اسم يخصه ويعرف به فقد عرف السيف الأول بمأثور وقد ورثه عن أبيه عبدالله الذي يكنى بأبي مأثور أو يسمى مأثورا، أما السيف الثاني إلى الرابع فهي من أسلحة بني قينقاع اليهودية حصل عليها سيدنا رسول الله بعد إجلائهم عن المدينة المنورة وهي «القلعي» أي المعدن الجيد ويطلق على الرصاص، وأما الثالث فسمي (البتار) أي القاطع والسيف الرابع فهو (الحتف) أي الموت واطلق على السيف الخامس «رسوب» أي الغواص، وسمى السيف السادس «بالمخذم» أي القاطع والسيف السابع فقد عرف «باليماني» نسبة إلى اليمن وكانت أجربة بعضها من الجلد بها زخارف بسيطة. 

* سيوف أخرى للرسول الكريم:

وتشير الدلائل الى أن السيف الثامن قد اطلق عليه «ذو الفقار» وقد غنمه المصطفى القائد (صلى الله عليه وسلم) يوم معركة بدر الكبرى وكان أصلا للمشرك (العاص بن منبه بن الحجاج السهمي) وقد سمي السيف المذكور بذي الفقار لحزوز في وسطه، أشبه بفقرات الظهر، وأما السيف التاسع فهو (العضب) أي القاطع وقد وهبه الصحابي الجليل سعد بن عباده رضي الله عنه مع درع عرف بذات الفضول للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى معركة بدر الكبرى.

* سيوف ذاعت شهرتها:

ويروي بعض المؤرخين عن سيوف مشهورة ومنها (المغصوب والعرضب والحتف والصمصامة والقضيب) وذي الوشاح لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكذلك سيف القرطبي والأولق وذي القرط للقائد خالد بن الوليد رضي الله عنه... وطرق حمل السيف عادة هو بتعليقه كالقلادة على الكتف الأيمن وتركه متدليا في جنبه الأيسر، وأما الفارس الذي يحمل سيفين فيحمله على الكتف اليمين، ويجعل الآخر في وسطه وقد علق في قرابه الجلدي أي غمده وهو (الجراب) محليا. 

فما أجلها من سيوف رفعت هامة الإسلام ودحرت الشرك إلى الأبد. 

[الهوامش: القرآن الكريم والحديث الشريف، الفهرست: للعلامة ابن النديم المصري، الأسلحة الإسلامية وأنواعها: الدكتور محمود رمضان - خبير الآثار الإسلامية، صناعة الأسلحة في صدر الإسلام: المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، مارس لعام 2012 م، فنون العالم الإسلامي: آرنست ج. جروب GRUBE، لندن 1980م].

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news