العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

إلا تنصروه فقد نصره الله (2)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ٢٨ ٢٠١٨ - 11:12

 

كانت عداوة المشركين للدين الإسلامي في أول البعثة في مكة كبيرة جدا، فقد عذبوا وقتلوا من اتبع الرسول ودخل في دين الإسلام، وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده وبُعث به الرسول «صلى الله عليه وسلم»، وكان ممن وقع عليه التعذيب الشديد الصحابي: خباب بن الأرت. فقد كان عبدا مملوكا لامرأة في مكة، وكان يعمل حدادا، فلما علمت باتباعه لمحمد واعتناقه الإسلام، أخذت تعذبه وتكويه بالحديد بعدما يوضع في النار ليترك دين الإسلام، لكنه يأبى فتكرر ذلك وهو صامد ثابت على الحق، وفي يوم لقي الرسول وهو متوسد بردته عند الكعبة فقال: ألا تدعو الله لنا؟ فقال له الرسول «صلى الله عليه وسلم» الواثق من نصر ربه: «والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون» وكان صناديد الكفر في مكة يجهرون بعداوتهم وبطشهم الشديدين بكل من آمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا، حتى صارت وحشيتهم في التعذيب للمؤمنين تُروى على مر الزمان، لتدلل على مدى قسوتهم، ولتدل دلالة واضحة على قوة الإيمان في قلوب المؤمنين ورسوخه في نفوسهم، فضحوا بالنفس والنفيس من أجل نصرة الدين وانتصار العقيدة، مهما لقوا في سبيل ذلك من مشقة وإيذاء، وكانوا على ثقة بأن الله ناصر دينه ومؤيد رسوله، ولم ينج من بطش المشركين أحد، فقطعوا الأرحام وانتهكوا الأعراض، وسفكوا الدماء، حتى نال الرسول «صلى الله عليه وسلم» من ذلك الإيذاء ما ناله، مع أنهم يعلمون صدقه وأمانته، وحُسن أخلاقه، فهم من لقبوه بالصادق الأمين، وهم من يرتضون حكمه عند اختلافهم في عظائم الأمور، وهم من عرضوا عليه أن يكون سيدا عليهم وأميرا، ولما رفض ما عرضوا عليه وبلغهم رسالة ربه، عارضوه وحاصروه وآذوه وصدوا الناس عنه، وحاولوا قتله لولا أن الله عصم دمه، وأخرجوه من بلده مكة البلد الحرام، فلماذا هذه العداوة الشديدة إذن؟ والإجابة عن هذا السؤال في قوله تعالى: «وقالوا لولا نُزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم* أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سُخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون» الزخرف: 31-32. ويقول تعالى: «قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يُكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون» الأنعام: 33. إنه الحسد والجحود، الذي يعمي البصر والبصيرة، ويملأ القلب حقدا وغلا، فقد حسدوا الرسول «صلى الله عليه وسلم» على نعمة الرسالة، فكذبوه وآذوه، وقالوا إنه ساحر وشاعر ومجنون. فرد الله عليهم كذبهم وافتراءاتهم على الرسول، فنصر رسوله ورفع ذكره وعظم أمره، وسجل ذلك في القرآن الكريم، فقال تعالى: «ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى* علمه شديد القوى* ذو مرة فاستوى* وهو بالأفق الأعلى» النجم: 2-7. وقوله تعالى: «فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون* أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون* قل تربصوا فإني معكم من المتربصين* أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون» الطور: 29-32.

 أما الإيذاء الحسي فقد آذوا رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فوضعوا في طريقه الأشواك والقاذورات، ووضعوا عليه وهو ساجد سلي بعير مذبوح (أمعاء بعير) إمعانا في السخرية والإيذاء، وأخذوا يضحكون ويتصايحون على ما أصاب الرسول «صلى الله عليه وسلم» وروي في السيرة أنهم في مرة أخرى وضعوا على رأسه التراب وهو ساجد، فجاءت ابنته فاطمة، ونفضت عنه التراب، وآلمها ما أصاب أباها، وكيف تجرأ القوم عليه وهو رسول من الله إليهم «صلى الله عليه وسلم» أرسله الله ليخرجهم من ظلمات الشرك والضلال، إلى نور الهدى والإيمان، فأخذ الرسول الرحيم يُخفف عن ابنته شدة الصدمة مما رأته، وقال لها: «إن الله ناصر رسوله، لا يُفلح قوم آذوا نبيهم» ثم انتقل الأمر من الإيذاء للرسول إلى تدبير القتل حيث تآمروا فيما بينهم ودبروا لقتل الرسول. صلى الله عليه وسلم، أو إخراجه من مكة، أو حبسه، ثم أجمعوا على قتله ووضعوا لذلك خطة سرية لتنفيذ جريمتهم، فجمعوا من كل قبيلة فتى قويا جلدا وأعطوه سيفا صارما، والتفوا حول بيته ينتظرون خروجه مبكرا، فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين الشعوب والقبائل، ولا يستطيع بنو هاشم الأخذ بثأره، فيرضون بالدية. وقد أشار القرآن إلى ذلك فقال تعالى: «وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يُخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين» الأنفال:30، فأوحى الله إلى رسوله« صلى الله عليه وسلم» وأمره بالخروج من بيته ومن بين أيديهم وهم يقفون أمام بابه ينتظرون خروجه، فألقى الله عليهم النعاس، فخرج من بينهم سليما معافى، والنوم جند من جنود الله ينصر به من يشاء من عباده، فنصر به رسوله محمدا وأنجاه من مكر القوم الظالمين، ويروى أن الرسول«صلى الله عليه وسلم» نثر على رؤوسهم التراب وهو خارج من بيته، كناية على خيبتهم وخسرانهم وهزيمتهم فيما يُستقبل، وقد كان. ومما يُقال إن الرسول قرأ عند خروجه في تلك الليلة قوله تعالى: «وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يُبصرون» يس: 8-9، فنصر الله رسوله والله غالب على أمره.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news