العدد : ١٤٨١٥ - الاثنين ١٥ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٥ - الاثنين ١٥ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٠هـ

مقالات

عندما يحكم المصرفيون العالم

بقلم: د. جاسم حاجي

الاثنين ٢٤ ٢٠١٨ - 01:10

لفترة طويلة جدا سمحنا لـ(وول ستريت) باللعب بنا وكأننا قطع شطرنج في لعبة نصب واحتيال ذات أبعاد عملاقة. أما الآن فقد حان الأوان لنسترجع المستودعات المالية من البنوك، ونحل محل النظام المصرفي الحالي في وول ستريت بنظام مصرفي عادل وسديد، ونسترجع أمريكا من قبضة المصرفيين الجشعين.

انشقاق جريج سميث (عضو سابق في غولدمان ساكس التنفيذي) قدم لنا وجهة نظر داخلية عن الفساد الأخلاقي في بنوك وول ستريت المسيطرة على جزء كبير من اقتصاد وسياسة أمريكا. هنا سميث يؤكد ما عرفه المراقبون الثاقبون من سنوات أن الغرض التجاري من مصرفيي وول ستريت هو زيادة ثرواتهم المالية الشخصية من دون أي اهتمام بعواقب أفعالهم بالنسبة للآخرين.

لماذا تسامح الشعب مع هذه التجاوزات وتقبل الخراب الناتج؟ الجواب يكمن في نشوة ثقافية ناجمة عن لغة خادعة ومؤشرات مضللة تدعمها النظريات الاقتصادية والمحاسبة الخاطئة. لنستيقظ من هذه النشوة نحن بحاجة إلى معرفة أن خداع وول ستريت (الناتج من العلاقات العامة الممارسة من قبلها) يستند إلى ثلاثة افتراضات زائفة:

‭}‬ أفضل طريقة لأداء واجبنا الأخلاقي الفردي في المجتمع هو من خلال زيادة مكاسبنا المالية الشخصية.

‭}‬ المال هو الثروة وزيادة المال يزيد من ثروة المجتمع.

‭}‬ كسب المال هو الهدف الصحيح للمشروع الفردي وهو المقياس الصحيح للازدهار والأداء الاقتصادي.

الخراب الذي أنشأه فشل وول ستريت يؤكد ثلاثة حقائق التي هي الأساس الذي يعمل عليه الملايين من الناس في بناء اقتصاد جديد:

‭}‬ حسن الحال الفردي والجماعي يعتمد على مراعاة حسن حال الآخرين. ونحن نرتقي بشكل أفضل عندما يهتم بعضنا ببعض.

‭}‬ المال ليس بثروة، أنه مجرد أرقام. تضحية وصحة وسعادة ملايين من البشر لنرفع هذه الأرقام هو أمر غير أخلاقي.

‭}‬ الهدف السليم من الاقتصاد والمؤسسات هو توفير وظائف جيدة وسلع وخدمات ذات جودة ومفيدة للصحة وسعادة المجتمع والناس والطبيعة. والربح المالي المتواضع أمر ضروري لبقاء الشركة، ولكن ليس هدفها الكلي.

الثروة الحقيقية تشمل الغذاء الصحي، والأراضي الخصبة، والمياه النقية، والهواء النظيف، والرعاية الصحية، وأطفالا سعداء، وخدمات تعليمية، وفرص تحقيق الذات. هذه هي من بين العديد من أشكال الثروة الحقيقية التي نتوقع الاقتصاد السليم يساهم في تكوينها.

 وقد أفسد وول ستريت لغتنا إلى درجة أنه من الصعب التعبير عن الفرق الحاسم بين المال (ميسر للنشاط الاقتصادي)، والثروة الحقيقية (الغرض من النشاط الاقتصادي).

محللو الاقتصاد والمالية يستخدمون بشكل روتيني مصطلحات مثل الثروة، ورأس المال والموارد، والأصول عند الإشارة إلى أصول الثروة المالية الوهمية، الأمر الذي يجعلها تبدو كشيء حقيقي وملموس، سواء هي مدعومة أو غير مدعومة من قبل أي شيء ذات قيمة حقيقية. 

والخلط نفسه يلعب هنا في استخدام المؤشرات المالية، والأرقام القياسية لأسعار الأوراق المالية بشكل خاص، لتقييم الأداء الاقتصادي. الارتفاع اليومي وسقوط أسعار الأسهم يخبرنا فقط عن سرعة تضخم أو تضاؤل فقاعة الأسهم الحالية بالنسبة لوضع بقية الناس.

عندما نتقبل مقاييس النجاح حسب وول ستريت كمقاييس لحسن حالنا، نكون نحن كجنود مجندة في حملة وول ستريت للسيطرة على المال والحصول على قبضة التحطم في كل جوانب حياتنا.

في مجتمعاتنا الحديثة، حيث كل الأمور مثل الأكل والشراب والمأوى والرعاية الصحية تعتمد اعتمادا كليا على المال، إذا تمت السيطرة على المال كأنما تمت السيطرة الكلية على حياتنا.

وتحولت أمريكا مع الانصياع إلى خدع وول ستريت، من مجتمع الطبقة الوسطى من رجال الأعمال والمستثمرين والعمال المهرة إلى أمة من عبيد الديون.

لما أصبح العاملون غير قادرين على تغطية نفقاتهم مع الدخل الحالي أتاح وول ستريت لهم بتغطية الفارق عن طريق اتخاذ بطاقات الائتمان وديون الرهن العقاري من دون أي وسيلة للسداد.

هذه هي دوامة الهبوط الكلاسيكية من عبودية الدين الذي يؤكد الانقسام المتزايد بين القوة والفخامة من الطبقة الدائنة وبين الطبقة اليائسة والعاجزة من المدينين.

كان هناك في وقت مضى نظام مالي سديد يعتمد على الشفافية، الاعتدال، مبني على أسس اجتماعية صحيحة ومملوكة محلية تقوم باستثمار المدخرات لبناء ثروة مجتمع حقيقية.

هذا النظام المالي كان السبب الأساسي لفوز أمريكا في الحرب العالمية الثانية وبناء أكبر وأقوى اقتصاد في العالم. من هذا النظام نبعت كل مواهب الاستثمار والصناعة والتكنولوجيا وجعلت أمريكا القائد الأول في هذه المجالات.

من الآن فصاعدا، عندما يفشل وول ستريت فشل في الحفاظ على احتياط مالي كاف لتحمل صدمة مالية كبيرة أو تم العثور على مذنب على انتهاك القوانين أو الاحتيال على الجمهور، يجب علينا أن نطالب السلطات الاتحادية أن تتولى السيطرة على وول ستريت وتقسيمها إلى تنظيم صارم، وتحيل المسؤولين للمساءلة والتحقيق.

لقد ركز احتلال وول ستريت على مصدر المشكلة وحصل على اهتمام وطني وعالمي. وهنا تكمن البداية لتغيير حقيقي وراديكيلي لنتخلص من القوانين المالية والممارسات المصرفية الغير أخلاقية التي أثبت الوقت فشلها ومضارها العميقة في كل الجوانب الاجتماعية والمالية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news